الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أبريل 22، 2026

المغرب يضاعف تشكيل نفوذه العالمي: عبده حقي

 


في سياق التحولات الجيوسياسية المتسارعة، يبرز المغرب خلال الأسابيع الأخيرة كنموذج سياسي إقليمي يسعى إلى تثبيت موقعه كقوة استقرار ووسيط موثوق بين إفريقيا وأوروبا وأمريكا الشمالية . فقراءة متأنية لما تنشره منصات مثل (صحف عالمية) (جون أفريك) تكشف عن خيط ناظم يجمع بين الدبلوماسية النشطة، والإصلاحات الداخلية، والانفتاح الاقتصادي، في مشهد يتجاوز مجرد إدارة الأزمات إلى صناعة موقع استراتيجي دائم.

لقد أصبح ملف الصحراء المغربية، كما تعكسه تغطيات متعددة، حجر الزاوية في السياسة الخارجية للمملكة. فالدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي يعكس تحولا نوعيا في مواقف القوى الكبرى، خاصة في الفضاءين الأوروبي  والأمريكي  الولايات المتحدة و كندا)، حيث تتعزز القناعة بواقعية المقترح المغربي كحل سياسي مستدام. هذا التحول لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة عمل دبلوماسي طويل النفس، استطاع أن ينقل القضية من دائرة النزاع التقليدي إلى فضاء الحلول الممكنة. كما أن انخراط دول إفريقية في فتح قنصليات في الأقاليم الجنوبية يعكس إعادة تشكيل للخريطة الدبلوماسية في القارة، بما يخدم رؤية المغرب كجسر للتكامل الإفريقي.

وفي السياق ذاته، تبرز العلاقات المغربية الفرنسية كأحد أعمدة التوازن السياسي في غرب المتوسط. فرغم بعض التوترات الظرفية، تشير التقارير إلى عودة تدريجية للدفء في العلاقات الثنائية ، مدفوعة بمصالح اقتصادية وأمنية مشتركة، خصوصا في ملفات الهجرة  والطاقة والتعاون الأمني . وتدرك باريس، كما يظهر في التحليلات، أن المغرب لم يعد مجرد شريك تقليدي، بل فاعل إقليمي يمتلك هامشا واسعا من الاستقلالية في قراراته، وهو ما يفرض صيغة جديدة من الشراكة تقوم على الندية والتكامل.

أما في العلاقة مع إسبانيا، فقد نجح المغرب في تحويل صفحة الأزمة الدبلوماسية السابقة إلى نموذج للتعاون العملي  خاصة في تدبير قضايا الهجرة غير النظامية  والتبادل التجاري . فمدريد أصبحت أكثر اقتناعا بأهمية الاستقرار المغربي بالنسبة لأمنها القومي ، وهو ما انعكس في دعمها الواضح لمقترح الحكم الذاتي، وفي تعزيز التنسيق الأمني والاقتصادي بين البلدين.

وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، تتعزز مكانة المغرب كشريك استراتيجي  للولايات المتحدة  وكندا ، ليس فقط في المجال الأمني، بل أيضا في الاقتصاد الأخضر . فالمملكة تراهن على موقعها كبوابة للاستثمار في إفريقيا، مستفيدة من استقرارها السياسي وبنيتها التحتية المتطورة . وقد أشار محللون إلى أن هذا التوجه يعكس تحولا في الرؤية المغربية من اقتصاد تابع إلى اقتصاد فاعل يسعى إلى خلق القيمة داخل سلاسله الإنتاجية .

داخليا، تتقاطع هذه الدينامية الدبلوماسية مع مؤشرات اقتصادية إيجابية تعزز صورة المغرب كبلد صاعد. فقد سجلت توقعات النمو الاقتصادي  حوالي 5% خلال سنة 2026، مع تراجع عجز الميزانية  وتحسن المداخيل العمومية، في سياق دولي يتسم بعدم اليقين . كما أن التحكم في التضخم  واستقرار أسعار الطاقة يعكسان قدرة الدولة على امتصاص الصدمات الخارجية، خاصة في ظل الأزمات العالمية المتلاحقة.

ولعل من أبرز مظاهر هذا التحول الاقتصادي، التقدم الكبير في مجال الطاقات المتجددة ، حيث بلغت نسبتها حوالي 46% من المزيج الطاقي الوطني (, وهو ما يضع المغرب في موقع متقدم على المستوى الإقليمي. هذا التوجه لا يعكس فقط التزاما بيئيا ، بل يشكل أيضا رافعة استراتيجية لتعزيز السيادة الطاقية  وتقليص التبعية للخارج.

في المجال الفلاحي، حقق المغرب أرقاما قياسية في إنتاج الزيتون والحوامض والتمور، مدعوما بتحسن الظروف المناخية وسياسات الدعم الفلاحي . هذه النتائج تعكس نجاح الاستراتيجيات الزراعية  في مواجهة تحديات الجفاف  والتغير المناخي، وتعزز الأمن الغذائي الوطني .

ولا يمكن إغفال البعد المؤسساتي في هذه الدينامية، حيث سجل المغرب تقدما ملحوظا في مجال شفافية الميزانية، وهو ما يعكس تحسنا في الحكامة المالية وتعزيز الثقة في المؤسسات. كما أن المصادقة على قوانين تنظيمية جديدة تشير إلى استمرار ورش الإصلاح القانوني والإداري .

ثقافيا، يواصل المغرب تعزيز حضوره كفاعل ثقافي عالمي، من خلال مشاريع رمزية تعكس تزاوج الحداثة مع التراث . كما أن الدينامية الثقافية، الممتدة من المعارض الدولية إلى المبادرات المحلية، تعكس وعيا متزايدا بدور الثقافة في بناء صورة المغرب كبلد منفتح ومتعدد.

وفي المجال التكنولوجي، يشهد المغرب تحولات متسارعة نحو الرقمنة، خاصة في القطاع الفلاحي عبر إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي ، وهو ما يعزز الإنتاجية  ويؤسس لاقتصاد معرفي جديد. هذا التوجه ينسجم مع رؤية أوسع تهدف إلى جعل المغرب منصة إقليمية للابتكار والتكنولوجيا.

سياسيا، تعكس هذه المؤشرات مجتمعة نموذج حكم يسعى إلى التوازن بين الاستقرار والإصلاح ، بين الانفتاح والسيادة. فالمغرب، وهو يستعد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يبدو واعيا بأهمية ترسيخ الثقة بين الدولة والمجتمع، من خلال سياسات عمومية تستجيب للتحديات الاجتماعية والاقتصادية.

إن الصورة التي ترسمها هذه المعطيات ليست مثالية خالية من التحديات، لكنها تكشف عن مسار واضح نحو ترسيخ نموذج تنموي متجدد، يقوم على تنويع الشراكات، وتعزيز القدرات الذاتية، والانفتاح على المستقبل.

وهكذا، يمكن القول إن السياسة المغربية، في بعدها الداخلي والخارجي، تعيش لحظة إعادة تعريف لذاتها، حيث تتقاطع فيها رهانات السيادة والتنمية والهوية، في محاولة لبناء نموذج متوازن قادر على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين بثقة واستباق.


0 التعليقات: