في قلب معهد العالم العربي، حيث تتقاطع الذاكرة المتوسطية مع رهانات الحاضر، لا تبدو الأجندة الثقافية مجرد مواعيد عابرة، بل أشبه بخريطة رمزية تعيد رسم حدود الهوية العربية في زمن تتشظى فيه السرديات وتتنازع فيه الذاكرات. هناك، في باريس، لا يُعرض العالم العربي كموضوع للفرجة، بل كحقل حيّ للجدل، كسؤال مفتوح على التاريخ واللغة والخيال.
هوية تتنازعها الأسماء: بيبلوس أم جبيل؟
في لقاء فكري يحمل عنوان “بيبلوس أم جبيل؟”، تنبعث من الاسم رائحة صراع رمزي يتجاوز الجغرافيا إلى عمق التمثلات. هل المدينة فينيقية أم عربية؟ أم أنها، كما يقترح النقاش، كيان هجين لا يقبل الاختزال؟ هنا، لا يتعلق الأمر فقط بتاريخ مدينة لبنانية، بل بكيفية كتابة الذات الجماعية: هل نختار جذورنا القديمة أم نصوغها ضمن سردية عربية حديثة؟
هذا النقاش يعكس، في العمق، أزمة الهوية في المشرق، حيث تتجاور الفينيقية والعروبة، لا كخيارين متناقضين، بل كطبقات من الذاكرة تتصارع على الشرعية الرمزية. في هذا السياق، يصبح الاسم نفسه—بيبلوس أو جبيل—أداة تأويل، بل وربما ساحة صراع بين التاريخ والهوية السياسية.
شهرزاد تعود في الرواية الحديثة
مع Sophie Fontanel، تعود شهرزاد من جديد، لا لتروي حكايات تنقذ بها حياتها، بل لتعيد مساءلة موقعها في المخيال الأدبي المعاصر. “الليلة 602” ليست مجرد امتداد سردي لألف ليلة وليلة، بل هي محاولة لإعادة كتابة الأسطورة من داخلها، تفكيكها، وربما تحريرها من صورة المرأة الحكاءة المحاصرة بين الذكاء والخطر.
في هذا اللقاء الأدبي، لا تُستعاد شهرزاد بوصفها تراثًا، بل بوصفها كائناً نقدياً، قادراً على مساءلة السلطة الذكورية التي صاغت حكايتها الأولى. وهنا، تتحول الرواية إلى مرآة مزدوجة: تعكس الماضي، لكنها أيضاً تكشف تحولات الحاضر.
السينما العربية بين الذاكرة والخطر
في زمن الرقمنة السريعة، تقف السينما العربية على حافة النسيان. لقاءات معهد العالم العربي حول “إنقاذ التراث السينمائي” ليست مجرد دعوة تقنية، بل صرخة ثقافية ضد محو الذاكرة البصرية. الأشرطة القديمة، الأفلام المنسية، ليست مجرد مواد أرشيفية، بل شظايا من الوعي الجمعي.
وفي موازاة ذلك، يطرح برنامج “الحرب في سينما الشرق الأوسط” سؤالاً أكثر إلحاحًا: هل السينما توثق الحرب أم تعيد إنتاجها رمزياً؟ من لبنان إلى فلسطين، تتحول الكاميرا إلى شاهدٍ وفاعلٍ في آن، تُدين العنف لكنها أيضاً تُعيد تشكيله داخل لغة الصورة.
كما أن تكريم أسماء مثل Borhane Alaouié وHeiny Srour، ثم Maï Masri وJean Chamoun، يذكّر بأن السينما العربية ليست مجرد صناعة، بل ذاكرة مقاومة، أرشيف للمعاناة والأمل معًا.
فلسطين بين التاريخ والكتابة
في لقاء استثنائي يجمع Rashid Khalidi وHenry Laurens، تتحول فلسطين إلى نص مفتوح، يُكتب ويُعاد كتابته باستمرار. ليس السؤال فقط عن التاريخ، بل عن من يكتب هذا التاريخ، ولأي غاية.
هنا، تتقاطع المعرفة الأكاديمية مع الصراع السياسي، ويتحول المؤرخ إلى فاعل في معركة السرديات. ففلسطين، كما يوحي اللقاء، ليست مجرد قضية جغرافية، بل معركة على الذاكرة، على المعنى، وعلى الحق في الرواية.
الشعر والرواية المصورة: أصوات جديدة للعالم العربي
في فضاء الشعر، تعود تونس لتعلن حضورها من خلال أصوات جديدة تعيد تشكيل القصيدة العربية، خارج القوالب الكلاسيكية. أما في لقاء “أليفباتا”، فإن السرد العربي يدخل إلى فضاء الرواية المصورة، حيث تتلاقى الصورة مع النص لتنتج لغة هجينة، قادرة على مخاطبة جيل جديد من القراء.
إنها لحظة تحول في الأدب العربي، حيث لم تعد الكلمة وحدها كافية، بل تحتاج إلى الصورة، إلى الوسائط، إلى أشكال تعبير جديدة تواكب تحولات العصر الرقمي.
معارض الذاكرة: من بيبلوس إلى العبودية المتوسطية
المعرض المخصص لمدينة بيبلوس يعيد إحياء مدينة عمرها آلاف السنين، لكنه في الآن ذاته يطرح سؤال الحاضر: كيف نحافظ على التراث في زمن الانهيارات؟ أما معرض “العبيد في المتوسط”، فيفتح جرحاً تاريخياً نادراً ما يُروى، حيث يتقاطع مصير المسلمين والمسيحيين في تجربة العبودية، خارج السرديات الأحادية.
هنا، يصبح المعرض ليس فقط عرضًا للأشياء، بل إعادة كتابة للتاريخ من زاوية منسية، بل مسكوت عنها.
في النهاية، لا تبدو هذه الأجندة الثقافية مجرد برنامج أنشطة، بل أشبه بنصٍّ متعدد الطبقات، يكتب العالم العربي من جديد، خارج حدوده الجغرافية. في معهد العالم العربي، تتحول الثقافة إلى مختبر حيّ، تُختبر فيه الأسئلة الكبرى: من نحن؟ ماذا نتذكر؟ وكيف نروي أنفسنا في عالم لا يكف عن إعادة تعريفنا؟
ذلك هو الدرس الأعمق لهذه اللقاءات: أن الهوية ليست معطى ثابتاً، بل نصاً مفتوحاً، يُكتب كل يوم، بين باريس وبيروت، بين الذاكرة والنسيان، بين الحكاية ومن يملك حق سردها.








0 التعليقات:
إرسال تعليق