الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أبريل 11، 2026

قصص قصيرة سوريالية جدا "شرفاتُ اللازمنِ المفتوحة" : عبده حقي

 


1. مدينةُ الظلالِ الناطقة

في زقاقٍ ضيّقٍ منسيّ، كانت الظلالُ تمشي وحدها، تسبق أصحابها بخطوتين، وتهمس بأسرارٍ لا يجرؤ الجسد على قولها. كلما حاول أحدهم اللحاق بظلّه، انكمش الظلّ وضحك، كأنّه كائنٌ يعرف أكثر مما ينبغي.

ذات مساء، قررت امرأةٌ أن تترك ظلّها خلفها وتمضي. لكن الظلّ لم يبكِ، بل تمدّد وصار امرأةً أخرى، تشبهها تمامًا، وعاد إلى البيت ليعيش حياتها بدلًا عنها.

2. نافذةٌ تطلُّ على الذاكرة
استيقظ رجلٌ ليجد نافذةً جديدة في جدار غرفته، لم تكن موجودة من قبل. اقترب منها، فإذا بها لا تطلّ على الشارع، بل على طفولته، حيث يلعب طفلٌ يشبهه تحت شجرة توتٍ قديمة.

حاول أن ينادي الطفل، لكن صوته تحوّل إلى رياحٍ خفيفة. وفجأة، التفت الطفل إليه وقال: "لماذا تركتني وحدي هناك؟"، ثم أغلق النافذة من الداخل.

3. البحرُ الذي يبتلعُ الساعات
كان البحرُ في تلك القرية يرفض أن يبتلع الغرقى، لكنه يلتهم الساعات. كل من ألقى ساعته في الماء، عاد بلا زمن، يمشي ببطءٍ كأنه يذوب في الهواء.

وفي يومٍ ما، ألقى شيخٌ قلبه بدل ساعته، فعاد شابًا بلا ماضٍ، لكنه لم يعد يعرف من هو، فصار يسأل الناس عن اسمه، ولا أحد يجيبه.

4. الحقيبةُ التي تتنفس
اشترى مسافرٌ حقيبةً من سوقٍ مهجور، كانت دافئةً كأنها كائن حي. كلما وضع فيها شيئًا، اختفى، وكأنها تبتلعه ببطءٍ صامت.

وفي الليل، سمع أنفاسًا خافتةً تصدر منها. فتحها، فخرجت منها أشياءه القديمة، لكنها كانت تتحرك، وتطالبه أن يعيدها إلى أماكنها الأولى.

5. القطارُ الذي لا يصل
ركب رجلٌ قطارًا بلا وجهة، قيل له إنه يصل إلى كل الأماكن التي لم تحدث. جلس قرب نافذةٍ لا تعكس صورته، بل احتمالاته.

وبعد ساعاتٍ طويلة، أعلن الصوت: "لقد وصلنا إلى ما لم تكن عليه". نزل الرجل، فوجد نفسه يعيش حياةً لم يخترها، لكنه لا يستطيع العودة.

6. المقهى الذي يشرب زبائنه
كان هناك مقهى يقدم قهوةً لا تُشرب، بل تشرب شاربيها. كل من ارتشف منها، شعر أن شيئًا منه يتسرب إلى الفنجان.

وفي النهاية، يصبح الفنجان ممتلئًا بالذكريات، بينما يغادر الزبون خفيفًا، بلا ماضٍ، بلا اسم.

7. الحديقةُ التي تنبتُ وجوهًا
في تلك الحديقة، لم تكن الأشجار تُثمر تفاحًا أو برتقالًا، بل وجوهًا بشرية. بعضها يبتسم، وبعضها يبكي، وكلها تحدق في المارّة.

اقترب طفلٌ من شجرةٍ ولمس وجهًا صغيرًا، ففتح عينيه وقال: "لقد تأخرت في القدوم"، ثم اختفى الطفل، وبقي وجهه على الغصن.

8. الرسالةُ التي كتبت نفسها
وجد رجلٌ رسالةً على مكتبه، مكتوبة بخط يده، لكنه لا يتذكر أنه كتبها. كانت تخبره عن أشياء لم تحدث بعد.

كلما قرأ سطرًا، وقع الحدث في الخارج. وحين وصل إلى النهاية، وجد جملةً تقول: "لا تكمل القراءة"، لكنه أكمل، واختفى.

9. المرآةُ التي تعتذر
نظر رجلٌ في مرآته، فوجد انعكاسه يبكي. حاول أن يمسح وجهه، لكن الانعكاس قال: "أنا آسف لأنني لم أكن أنت".

ثم خرج الانعكاس من المرآة، وتركه وحده بلا صورة، كأن وجوده لم يعد يحتاج إلى دليل.

10. البيتُ الذي يحلم بسكانه
كان البيتُ يحلم بأهله، يراهم في الليل وهم يعيشون حياةً مختلفة. كل صباح، كان يغيّر تفاصيله ليشبه حلمه.

وفي يومٍ ما، استيقظ السكان ليجدوا أنفسهم غرباء عن المكان، بينما البيت يعرفهم أكثر مما يعرفون أنفسهم.

11. الساعةُ التي تمشي للخلف
اشترى رجلٌ ساعةً تعود بالزمن إلى الوراء، لكنها لم تُعد الأحداث، بل أعادت المشاعر فقط.

فجأة، عاد إليه حزنٌ قديم، ثم حبٌ منسي، ثم خوفٌ لم يعد له سبب، حتى لم يعد يعرف في أي زمن يعيش.

12. البابُ الذي يختار العابرين
في نهاية الممر، كان هناك بابٌ لا يُفتح إلا لمن يريده. حاول كثيرون عبوره، لكنه بقي مغلقًا.

وفي ليلةٍ صامتة، فتح الباب نفسه لرجلٍ لم يطرق، وقال له: "لقد كنتُ أنتظرك منذ أن لم تولد".

13. المدينةُ التي تنسى أسماءها
كانت أسماء الشوارع تتبخر كل صباح، فيستيقظ الناس ليجدوا أنفسهم في أماكن بلا أسماء.

ومع الوقت، بدأوا ينسون أسماءهم أيضًا، حتى صاروا ينادون بعضهم بصمتٍ طويل.

14. الحلمُ الذي رفض أن ينتهي
استيقظ شابٌ من حلمٍ طويل، لكنه وجد أن الحلم لم يغادره، بل تبعه إلى الواقع.

صار كل ما يلمسه يتغير، كأن الحلم يعيد كتابة العالم، حتى لم يعد يميز بين النوم والاستيقاظ.

15. الغيمةُ التي كتبت سيرةً
في سماءٍ صافية، ظهرت غيمةٌ تأخذ شكل كتاب. اقترب الناس منها، فوجدوا أنها تكتب سيرة كل من ينظر إليها.

لكنها لم تكتب الماضي، بل ما سيحدث. ومن قرأ سطره الأخير، اختفى من الأرض، كأنه دخل الغيمة إلى الأبد.



0 التعليقات: