الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أبريل 10، 2026

الزحفُ المظفر للواقعية الدبلوماسية في الصحراء المغربية: عبده حقي

 


في لحظةٍ فارقةٍ من تحولات الجغرافيا السياسية الإفريقية، لم يكن إعلان جمهورية مالي دعمها الرسمي لمقترح الحكم الذاتي الذي تقدمه المملكة المغربية مجرد موقف عابر في سجل البيانات الدبلوماسية، بل بدا كأنه نقطة انعطاف حاسمة في مسار نزاعٍ طال أمده، وأرهق المنطقة، واستُثمر فيه كثير من الأوهام السياسية التي لم تعد تقوى على مجاراة منطق التاريخ.

لقد حملت أخبار باماكو، كما تداولتها وكالات دولية متعددة، دلالات أعمق من مجرد “تأييد”، إذ أعلنت مالي بشكل واضح سحب اعترافها بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، وهو القرار الذي يعكس، في جوهره، انتقالًا نوعيًا من منطق الاصطفاف الإيديولوجي إلى منطق البراغماتية السياسية. ذلك أن هذا التحول لا يمكن فصله عن إدراك متزايد داخل العواصم الإفريقية بأن استمرار هذا النزاع لم يعد يخدم سوى هشاشة المنطقة، ويؤخر مشاريع التنمية، ويُبقي منطقة الساحل رهينةً لتجاذبات غير منتجة.

في هذا السياق، يبرز مقترح الحكم الذاتي المغربي بوصفه صيغةً واقعية، لا تستند فقط إلى موازين القوة، بل إلى تصور متكامل يوفق بين السيادة الوطنية والانفتاح المؤسساتي على تدبير محلي ديمقراطي. لقد نجح المغرب، عبر سنوات من العمل الدبلوماسي الهادئ والمتواصل، في تحويل هذا المقترح من مجرد وثيقة سياسية إلى مرجعية دولية تحظى بدعم متزايد، سواء في إفريقيا أو أوروبا أو حتى داخل دوائر القرار في الولايات المتحدة.

وإذا كانت مالي اليوم قد التحقت بهذا الركب، فإنها ليست الحالة الوحيدة. فكينيا، من جهتها، جددت دعمها الصريح للمبادرة المغربية، معتبرة إياها الحل “الوحيد الموثوق والواقعي”. وهذه اللغة ليست اعتباطية، بل تعكس تحولا في الخطاب الدولي من الحديث عن “حلول ممكنة” إلى التأكيد على “حل واحد قابل للتطبيق”. هنا، يتقلص هامش المناورة أمام الأطروحات الانفصالية التي ظلت تراهن على الزمن، بينما كان الزمن نفسه يعيد ترتيب أولوياته.

إن قراءة متأنية لهذه التطورات تكشف أن ما يحدث ليس مجرد تراكم مواقف، بل إعادة تشكيل للخريطة الدبلوماسية حول قضية الصحراء المغربية. فالدول التي كانت في السابق تتبنى مواقف رمادية، أو حتى داعمة لأطروحات الانفصال، بدأت تراجع حساباتها في ضوء معطيات جديدة، أبرزها تصاعد التهديدات الأمنية في منطقة الساحل، والحاجة الملحة إلى استقرار إقليمي تقوده دول ذات مؤسسات قوية ورؤية واضحة، وهو ما يمثله المغرب في نظر عدد متزايد من الشركاء.

ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل البعد الرمزي لهذا التحول. فحين تعلن دولة إفريقية مثل مالي، التي عاشت بدورها تحولات سياسية وأمنية عميقة، دعمها لوحدة المغرب الترابية، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: الأولى إلى الداخل الإفريقي، مفادها أن زمن الانقسامات المصطنعة قد ولى، والثانية إلى المجتمع الدولي، بأن إفريقيا قادرة على إعادة صياغة مواقفها بعيدًا عن الإرث الاستعماري الذي غذى الكثير من النزاعات.

غير أن هذا “الانتصار الدبلوماسي” لا ينبغي أن يُقرأ بمنطق النهايات، بل بمنطق التراكم. فالمعركة الحقيقية لم تكن يومًا فقط في كسب الاعترافات، بل في ترسيخ نموذج تنموي داخل الأقاليم الجنوبية يجعل من الحكم الذاتي واقعًا معاشًا قبل أن يكون مشروعًا سياسياً. وهنا، يبرز الرهان المغربي على الاستثمار في البنية التحتية، وتعزيز الجهوية المتقدمة، وفتح المجال أمام مشاركة محلية واسعة في تدبير الشأن العام.

لقد أدرك المغرب، منذ وقت مبكر، أن الشرعية لا تُبنى فقط في أروقة الأمم المتحدة، بل في حياة المواطنين اليومية. ولذلك، فإن ما تحقق على مستوى الطرق والموانئ والمشاريع الطاقية في مدن مثل العيون والداخلة، ليس مجرد إنجازات اقتصادية، بل رسائل سياسية صامتة تقول إن المستقبل يُبنى بالفعل لا بالشعارات.

في المقابل، تبدو الأطروحات الانفصالية اليوم في حالة انكشاف متزايد. فبعد عقود من الخطاب التعبوي، لم تستطع تقديم نموذج قابل للحياة، ولا رؤية واضحة لإدارة كيان مستقل في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة بنيوية. ومع تراجع الدعم الدولي، وتزايد الضغوط الإقليمية، أصبحت هذه الأطروحات أقرب إلى خطاب ماضوي يعيش على ذاكرة الصراع أكثر مما يستشرف أفق الحل.

إن ما نشهده اليوم هو، في العمق، انتصار لفكرة الواقعية السياسية على حساب الرومانسية الثورية. فالعالم لم يعد يحتمل نزاعات مفتوحة بلا أفق، خاصة في مناطق حساسة مثل الساحل والصحراء، حيث تتقاطع التهديدات الأمنية مع تحديات التنمية. ومن هذا المنطلق، يصبح الحكم الذاتي ليس فقط حلاً لقضية الصحراء، بل جزءًا من معادلة أوسع لإعادة الاستقرار إلى المنطقة.

ولعل ما يمنح هذا الخيار قوته، هو كونه لا يُقصي أحدًا، بل يفتح الباب أمام تسوية تحفظ الكرامة وتضمن الحقوق، ضمن إطار سيادي واضح. إنه عرضٌ سياسي يقوم على التوازن، لا على الغلبة، وعلى الشراكة، لا على الإقصاء. وهذا ما يجعل قبوله يتوسع تدريجيًا، كلما أدركت الأطراف المعنية أن البديل هو استمرار الجمود.

في النهاية، يمكن القول إن إعلان مالي ليس سوى حلقة جديدة في سلسلة طويلة من التحولات التي تعيد رسم ملامح هذا النزاع. وإذا استمر هذا الزخم، فإننا قد نكون أمام مرحلة جديدة تُطوى فيها صفحات الصراع، وتُفتح فيها آفاق التسوية.

هكذا، لا يعود الحكم الذاتي مجرد مقترح، بل يتحول إلى أفقٍ تاريخيٍّ يكتب نفسه ببطء، على إيقاع الدبلوماسية، وعلى ضوء واقعٍ لم يعد يقبل التأجيل.


0 التعليقات: