الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أبريل 11، 2026

تونس في قبضة العدالة المختطفة والحريات المُحاصرة: عبده حقي

 


لم تعد تونس، في عهد قيس سعيد، تلك البلاد التي كانت تُقدَّم، ولو نسبيًا، كنموذجٍ استثنائي في التحول الديمقراطي العربي. ما يجري اليوم ليس مجرد انحراف عابر في مسار العدالة، بل هو انقلاب صامت على روح القانون، حيث تحوّلت المؤسسات القضائية إلى أدواتٍ وظيفية في يد السلطة، تُستخدم لتصفية الخصوم بدل حماية الحقوق.

لقد بدأ هذا المسار بقرار حلّ المجلس الأعلى للقضاء، وهو القرار الذي لم يكن إداريًا بقدر ما كان إعلانًا واضحًا عن نية إخضاع القضاء. حين يُزال الحاجز المؤسساتي الذي يفصل القاضي عن السياسي، يصبح الحكم القضائي مجرد صدى لإرادة السلطة، لا تعبيرًا عن نص القانون. ومنذ تلك اللحظة، دخلت العدالة في تونس مرحلة الانحدار المنهجي، حيث لم يعد القاضي مستقلًا، بل أصبح مهددًا، مراقبًا، وقابلًا للعزل في أي لحظة.

الأخطر من ذلك أن السلطة لم تكتفِ بإعادة هيكلة القضاء، بل ذهبت أبعد من ذلك نحو ترهيب القضاة أنفسهم. إعفاءات جماعية، تحقيقات تأديبية، وملاحقات بسبب تصريحات أو مواقف نقابية. كل ذلك خلق مناخًا من الخوف داخل الجسم القضائي، حيث لم يعد القاضي يسأل نفسه: “ما الذي يقوله القانون؟” بل “ما الذي قد يُغضب السلطة؟”. وهنا تحديدًا يبدأ موت العدالة.

قضية سجن القاضي أنس الحمادي لم تكن سوى رأس جبل الجليد. إنها رسالة واضحة لكل قاضٍ يفكر في الدفاع عن استقلاله: الثمن سيكون باهظًا. لم يعد الأمر يتعلق بتأديب فرد، بل بتدجين مؤسسة كاملة. وهذا ما يجعل القضاء اليوم في تونس أقرب إلى جهاز إداري تابع، منه إلى سلطة دستورية مستقلة.

لكن التدهور لا يتوقف عند حدود القضاء. فالمشهد العام للحريات في تونس يشهد تراجعًا مقلقًا، يكاد يُعيد البلاد إلى ما قبل الثورة، وربما إلى ما هو أسوأ. صحفيون يُلاحقون بسبب مقالاتهم، معارضون يُعتقلون بتهم فضفاضة، ونشطاء يُحاكمون بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. لقد أصبح التعبير عن الرأي مخاطرة، والنقد تهمة، والاختلاف جريمة محتملة.

وما يثير القلق أكثر هو طبيعة التهم الموجهة في هذه القضايا. فهي غالبًا ما تكون مبهمة، مثل “المساس بالأمن العام” أو “نشر أخبار زائفة”، وهي عبارات مطاطة تسمح بتجريم أي صوت مخالف. وهكذا يتحول القانون من أداة لتنظيم المجتمع إلى سلاح لتكميمه.

في هذا السياق، لا يمكن فصل ما يحدث في تونس عن نمطٍ أوسع من إعادة إنتاج السلطوية في المنطقة، ولكن بوسائل جديدة. لم يعد القمع يتم فقط عبر الأجهزة الأمنية، بل عبر القضاء نفسه. إنه قمعٌ مُقنَّع، يرتدي عباءة القانون، ويستند إلى أحكام قضائية تبدو في ظاهرها شرعية، لكنها في جوهرها سياسية.

السلطة في تونس اليوم لا تواجه خصومها في الفضاء السياسي، بل تجرّهم إلى قاعات المحاكم. هناك، يتم تحويل الخلاف السياسي إلى ملف قضائي، والمعارضة إلى قضية جنائية. وهذا التحول خطير للغاية، لأنه يُفرغ السياسة من مضمونها، ويُحوّل القضاء إلى ساحة صراع بديلة.

الأدهى من ذلك أن هذا المسار يتم في ظل خطاب رسمي يُقدّم نفسه كحامٍ للدولة من “الفساد” و”المؤامرات”. لكن الواقع يكشف أن هذا الخطاب يُستخدم لتبرير التضييق على الحريات، لا لمحاربة الفساد. فمحاربة الفساد لا تمر عبر إسكات القضاة، ولا عبر سجن الصحفيين، ولا عبر تكميم المعارضة، بل عبر تعزيز الشفافية واستقلال المؤسسات.

ما يحدث في تونس اليوم هو مفارقة مؤلمة: باسم “تصحيح المسار”، يتم تدمير أسس دولة القانون. وباسم “حماية الدولة”، يتم إضعاف مؤسساتها. وباسم “إرادة الشعب”، يتم تهميش كل صوت يعارض هذه الإرادة كما تُعرّفها السلطة.

لقد أصبحت العدالة في تونس، في ظل هذا الواقع، أداةً للضبط السياسي، لا ضمانةً للحقوق. وأصبح القاضي، بدل أن يكون حارسًا للقانون، جزءًا من منظومة تُعيد إنتاج السلطة. أما المواطن، فقد وجد نفسه أمام قضاء لا يثق فيه، وسلطة لا تقبل مساءلته.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط عن مستقبل العدالة، بل عن مستقبل الدولة نفسها. فالدولة التي تفقد استقلال قضائها، تفقد توازنها. والدولة التي تُقمع فيها الحريات، تفقد شرعيتها. والتاريخ يُعلّمنا أن الأنظمة التي تُغلق الفضاء العام، تُراكم الاحتقان، وتؤجل الانفجار، لكنها لا تمنعه.

في النهاية، لا يمكن بناء دولة قوية بقضاء ضعيف، ولا يمكن تحقيق الاستقرار بقمع الحريات. تونس اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن تعود إلى روح الثورة التي طالبت بالكرامة والعدالة، أو أن تستمر في مسارٍ يُحوّلها إلى نموذج جديد من السلطوية المقنّعة.

وما بين هذين الخيارين، يبقى السؤال معلقًا: هل ما يحدث هو نهاية حلم، أم بداية وعيٍ جديد؟


0 التعليقات: