الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، أبريل 12، 2026

عزلة دبلوماسية خانقة تضيق الخناق على البوليساريو: عبده حقي

 


في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي يعرفها ملف الصحراء، عادت واجهة جبهة البوليساريو وكيان ما يسمى الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية إلى دائرة الضوء، لكن هذه العودة لم تكن مدفوعة بمكاسب سياسية أو اقتصادية، بل بسلسلة من المؤشرات السلبية التي تكشف عمق الأزمة البنيوية التي تعاني منها هذه الحركة على مختلف المستويات.

على المستوى السياسي، يظهر جمود واضح في خطاب البوليساريو، الذي لا يزال رهين سرديات الحرب الباردة، في وقت يشهد فيه العالم تحولات نحو البراغماتية والتسويات الواقعية. فالتقارير الأممية، خاصة تلك الصادرة عن الأمم المتحدة، تؤكد استمرار حالة “اللا حل” نتيجة غياب مبادرات واقعية من طرف الجبهة، مقابل تنامي الاعتراف الدولي بمقترحات الحكم الذاتي. هذا الجمود السياسي جعل البوليساريو تبدو معزولة بشكل متزايد، خصوصا بعد تغير مواقف عدد من الدول الإفريقية والأوروبية التي باتت تميل إلى مقاربة أكثر واقعية للنزاع.

أما على المستوى الدبلوماسي، فقد تراجعت قدرة البوليساريو على التأثير في المحافل الدولية، حيث لم تعد تحظى بنفس الزخم الذي كانت تتمتع به خلال عقود سابقة. فقد شهدت السنوات الأخيرة انسحاب أو تجميد اعتراف عدة دول بالجمهورية الصحراوية، في مقابل توسع شبكة الدعم الدولي للمغرب، سواء من خلال فتح قنصليات في الأقاليم الجنوبية أو عبر دعم صريح لمبادرة الحكم الذاتي. هذا التحول يعكس فقدان البوليساريو لجزء كبير من شرعيتها الدولية، وهو ما يضعها في موقع دفاعي دائم.

اقتصاديا، تبدو الأوضاع أكثر قتامة داخل مخيمات تندوف، التي تقع فوق التراب الجزائري. فالتقارير الصادرة عن منظمات مثل المفوضية السامية لشؤون اللاجئين تشير إلى اعتماد شبه كلي على المساعدات الإنسانية، مع غياب أي نموذج اقتصادي مستدام. هذا الوضع خلق اقتصادا هشّا قائما على الإعانات، مما أدى إلى تفشي البطالة وغياب فرص التنمية، خاصة في صفوف الشباب.

ولا تقف الأزمة عند حدود الفقر، بل تمتد إلى شبهات متكررة حول تحويل المساعدات الإنسانية. فقد سبق أن أشار الاتحاد الأوروبي في تقارير رقابية إلى وجود اختلالات في توزيع المساعدات الموجهة للمخيمات، وهو ما يعمق أزمة الثقة ويطرح تساؤلات حول شفافية تدبير الموارد داخل هذه الفضاءات المغلقة.

اجتماعيا، تعيش ساكنة المخيمات وضعا إنسانيا معقدا، حيث تتداخل معاناة اللجوء مع غياب الأفق السياسي. فالأجيال الجديدة التي ولدت في المخيمات تجد نفسها محاصرة بين خطاب تعبوي تقليدي وواقع يومي يفتقر إلى أبسط مقومات العيش الكريم. كما تشير تقارير حقوقية إلى قيود على حرية التعبير والتنقل، ما يعزز صورة هذه المخيمات كفضاءات مغلقة تفتقر إلى الحد الأدنى من الحريات الفردية.

وفي السياق نفسه، تتزايد التحذيرات من مخاطر التطرف والجريمة المنظمة في منطقة الساحل، حيث يُخشى من استغلال هشاشة الأوضاع داخل المخيمات من طرف شبكات التهريب أو الجماعات المتطرفة. وقد ربطت بعض التقارير الأمنية بين غياب الأفق الاقتصادي والاجتماعي وبين قابلية بعض الشباب للانخراط في أنشطة غير قانونية، وهو ما يطرح تحديات أمنية إقليمية تتجاوز حدود النزاع نفسه.

من جهة أخرى، فإن استمرار اعتماد البوليساريو على الدعم الجزائري يجعل قرارها السياسي رهينا بحسابات إقليمية معقدة، خاصة في ظل التوتر المستمر بين الجزائر والمغرب. هذا الارتباط يحد من استقلالية القرار داخل الجبهة، ويجعلها جزءا من معادلة إقليمية أكبر، بدل أن تكون فاعلا مستقلا يسعى إلى حل واقعي للنزاع.

في المحصلة، تكشف مختلف المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية عن أزمة متعددة الأبعاد داخل البوليساريو والكيان الذي تمثله. فبين عزلة دبلوماسية متزايدة، ووضع اقتصادي هش، وأزمة اجتماعية خانقة، تبدو هذه الحركة أمام مفترق طرق حاسم: إما الانخراط في مسار واقعي يراعي التحولات الدولية، أو الاستمرار في خطاب تقليدي يزيد من تعميق أزمتها.

وفي ظل هذه المعطيات، يصبح السؤال المركزي ليس فقط حول مستقبل النزاع، بل حول مستقبل آلاف الأشخاص الذين يعيشون منذ عقود في وضعية انتظار مفتوح، بين خطاب سياسي جامد وواقع يومي يزداد صعوبة.


0 التعليقات: