الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، أبريل 12، 2026

الجزائر على حافة الإنهاك: صمت رسمي وضجيج اجتماعي: عبده حقي

 


في الجزائر، تتقاطع في المرحلة الراهنة مسارات متعددة من التوترات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لتكشف عن مشهد داخلي متشابك، تحكمه مفارقة لافتة: وفرة في الموارد الطبيعية مقابل ضيق متزايد في أفق التنمية المستدامة. هذه المفارقة لم تعد مجرد قراءة نظرية في تقارير الخبراء، بل تحولت إلى واقع يومي يلمسه المواطن في تفاصيل معيشته، ويترجمه الخطاب السياسي في صيغة دفاعية أكثر منها إصلاحية.

اقتصادياً، تبدو الجزائر، للوهلة الأولى، مستفيدة من الطفرة النسبية في أسعار الطاقة، خصوصاً الغاز الطبيعي، الذي يشكل العمود الفقري لاقتصادها. غير أن هذا “الانتعاش الظرفي” يخفي وراءه هشاشة بنيوية عميقة. فالعائدات الطاقوية، بدل أن تُستثمر في تنويع الاقتصاد وتحريره من التبعية الريعية، ما تزال تُستخدم في امتصاص التوترات الاجتماعية عبر آليات الدعم والإنفاق العمومي. وهنا تكمن المعضلة: فكلما ارتفعت مداخيل الطاقة، تأجلت الإصلاحات الهيكلية، وكلما انخفضت، ظهرت الأزمة في صورتها العارية.

هذا الوضع يزداد تعقيداً بفعل الضغط المزدوج الذي يواجهه قطاع الطاقة نفسه: من جهة، الطلب الخارجي المتزايد، خصوصاً من أوروبا الباحثة عن بدائل للغاز الروسي، ومن جهة أخرى، الاستهلاك الداخلي المتنامي بوتيرة سريعة. هذا التناقض يضع الجزائر أمام معادلة صعبة: هل تفضل الحفاظ على موقعها كمصدر موثوق للطاقة، أم تؤمّن حاجياتها الداخلية المتصاعدة؟ في الحالتين، يبدو أن هامش المناورة يضيق تدريجياً.

على المستوى الاجتماعي، لا تقل الصورة قتامة. فارتفاع أسعار المواد الغذائية وتآكل القدرة الشرائية أصبحا من أبرز مظاهر الأزمة اليومية. المواطن الجزائري يجد نفسه محاصراً بين دخل ثابت أو محدود، وسوق متقلبة تعرف زيادات متتالية في الأسعار. ورغم محاولات الدولة ضبط السوق عبر آليات الرقابة والدعم، فإن هذه الإجراءات تبدو في كثير من الأحيان ظرفية، لا تمس جوهر الاختلالات المرتبطة بسلاسل الإنتاج والتوزيع، ولا تعالج مشكل التضخم من جذوره.

الأخطر من ذلك هو الشعور المتنامي لدى فئات واسعة من المجتمع بانسداد الأفق. فالشباب، الذي يشكل النسبة الأكبر من السكان، يعاني من بطالة مزمنة أو من وظائف هشة لا توفر له الاستقرار ولا الكرامة المهنية. هذا الوضع يعيد إلى الواجهة ظاهرة الهجرة غير النظامية، التي لم تعد مجرد خيار فردي، بل أصبحت تعبيراً جماعياً عن فقدان الثقة في المستقبل المحلي. إن “قوارب الموت” هنا ليست فقط وسيلة للهروب، بل رسالة صامتة عن عمق الأزمة.

سياسياً، لا تبدو الأمور أكثر استقراراً. فرغم الخطاب الرسمي الذي يؤكد على مسار الإصلاح والتجديد، فإن الواقع يكشف عن استمرار منطق التحكم المركزي في الحياة السياسية. المعارضة، بمختلف أطيافها، تشتكي من تضييق المجال العام، ومن غياب شروط التنافس الحقيقي، فيما يرى مراقبون أن النظام السياسي لم ينجح بعد في الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء التوافقات.

إقرار ميزانيات ضخمة، في هذا السياق، لم ينهِ الجدل، بل زاده حدة. فالمعارضة تعتبر أن هذه الميزانيات تعكس منطق “الإنفاق دون رؤية”، وأنها لا تقدم حلولاً حقيقية لمشاكل البطالة أو التضخم أو ضعف الاستثمار. في المقابل، تدافع السلطة عن هذه الخيارات باعتبارها ضرورية للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، خصوصاً في ظل محيط إقليمي ودولي مضطرب. غير أن هذا التبرير، وإن كان مفهوماً في سياق الأزمات، لا يمكن أن يشكل بديلاً دائماً عن الإصلاحات العميقة.

في قلب هذا المشهد، يبرز سؤال جوهري: إلى أي مدى يمكن للنموذج الحالي أن يستمر؟ فالتاريخ الاقتصادي والسياسي للجزائر يُظهر أن الاعتماد المفرط على الريع الطاقوي غالباً ما يؤدي إلى دورات من الانتعاش المؤقت تليها أزمات حادة. ومع التحولات العالمية المتسارعة، خصوصاً في مجال الطاقة والاقتصاد الأخضر، قد تجد الجزائر نفسها أمام تحديات جديدة تتجاوز قدرتها التقليدية على التكيف.

إضافة إلى ذلك، فإن التحولات الاجتماعية والثقافية داخل المجتمع الجزائري تفرض بدورها إيقاعاً جديداً. فجيل اليوم أكثر اتصالاً بالعالم، وأكثر وعياً بحقوقه وتطلعاته، وأقل استعداداً لقبول الخطابات التقليدية. هذا التغير في الوعي الجماعي قد يشكل، في المستقبل القريب، عاملاً حاسماً في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع.

لا يمكن أيضاً إغفال البعد الإقليمي والدولي في فهم هذه الأزمات. فالجزائر تتحرك في بيئة جيوسياسية معقدة، تتسم بالتنافس على النفوذ في منطقة الساحل، وبالتحولات في العلاقات مع أوروبا، وبالتوترات مع بعض الجيران. هذه العوامل تضيف طبقة إضافية من التعقيد، وتجعل من الصعب الفصل بين الداخلي والخارجي في تحليل الوضع الجزائري.

في النهاية، تبدو الجزائر اليوم وكأنها تقف عند مفترق طرق حاسم. فإما أن تنجح في تحويل أزماتها إلى فرصة لإطلاق إصلاحات حقيقية وشاملة، أو تستمر في إدارة التوازنات الهشة التي قد لا تصمد طويلاً أمام ضغوط الواقع. وبين هذين الخيارين، يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف، ينتظر حلولاً لا تأتي، أو تأتي متأخرة، في زمن لم يعد يعترف بتأجيل الأسئلة الكبرى.


0 التعليقات: