الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، أبريل 12، 2026

تونس بين الاستبداد والفوضى… شعب يبحث عن مخرج: عبده حقي

 


لم تعد تونس، التي كانت تُقدَّم قبل سنوات قليلة كنموذج ديمقراطي ناشئ في العالم العربي بعد الثورة التونسية، سوى ساحة مفتوحة على أزمات متراكمة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في عهد قيس سعيد. فمنذ الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها في صيف 2021، دخلت البلاد مرحلة جديدة تتسم بتركيز السلطة وتراجع الحريات وتدهور المؤشرات الاقتصادية، في مشهد يثير قلقاً داخلياً ودولياً متزايداً.

سياسياً، يُنظر إلى مسار الحكم في تونس اليوم باعتباره انتقالاً من التعددية إلى الحكم الفردي. فقد قام الرئيس بحل البرلمان وتعليق العمل بالدستور السابق، ثم صياغة دستور جديد عزز من صلاحياته بشكل غير مسبوق. هذا التحول لم يكن مجرد تعديل مؤسساتي، بل أعاد تشكيل الحياة السياسية برمتها، حيث تم تهميش الأحزاب السياسية وإضعاف دور الهيئات الوسيطة. وفي هذا السياق، شهدت البلاد موجة من الاعتقالات طالت سياسيين معارضين، قضاة، ونشطاء، إضافة إلى صحفيين، ما أثار مخاوف جدية بشأن حرية التعبير واستقلال القضاء.

وتُعد قضية التضييق على الإعلام واحدة من أبرز مظاهر هذا التراجع. فقد أصبحت العديد من وسائل الإعلام تعمل في مناخ من الرقابة غير المعلنة، حيث يخشى الصحفيون من الملاحقات القضائية أو التهم الجاهزة مثل “التآمر على أمن الدولة”. هذا المناخ خلق حالة من الصمت القسري، وأدى إلى تراجع دور الصحافة كسلطة رابعة، وهو ما يهدد بتفريغ المجال العام من أي نقاش حقيقي.

أما اقتصادياً، فتبدو الصورة أكثر قتامة. تعاني تونس من أزمة مالية خانقة تتمثل في ارتفاع الدين العمومي، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع معدلات التضخم، خاصة في المواد الأساسية. كما تواجه البلاد صعوبات كبيرة في التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، بسبب رفض السلطة تنفيذ إصلاحات هيكلية حساسة، مثل رفع الدعم عن بعض المواد أو إصلاح المؤسسات العمومية.

هذا التعثر في المفاوضات زاد من عزلة تونس المالية، وجعلها تعتمد بشكل متزايد على حلول ظرفية، مثل الاقتراض الداخلي أو الدعم المحدود من بعض الشركاء. وفي ظل هذا الوضع، تفاقمت أزمة البطالة، خاصة في صفوف الشباب، مما أدى إلى تصاعد موجات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، في مؤشر واضح على فقدان الأمل لدى فئات واسعة من المجتمع.

اجتماعياً، تعكس الاحتجاجات المتفرقة التي تشهدها عدة مناطق تونسية حجم الاحتقان الشعبي. فالمواطن التونسي يواجه يومياً صعوبات في الحصول على مواد أساسية مثل الخبز والحليب، نتيجة اضطرابات في سلاسل التوريد ونقص في التمويل. كما أن تدهور الخدمات العمومية، خاصة في مجالي الصحة والتعليم، يزيد من شعور المواطنين بالتهميش والإقصاء.

في هذا السياق، لم تعد الأزمة التونسية مجرد أزمة سياسية أو اقتصادية منفصلة، بل أصبحت أزمة شاملة تمس بنية الدولة والمجتمع. فغياب التوازن بين السلطات، وتراجع الحريات، وتدهور الاقتصاد، كلها عوامل تتغذى على بعضها البعض، وتدفع البلاد نحو حالة من الانسداد.

ورغم الخطاب الرسمي الذي يركز على “تصحيح المسار” ومحاربة الفساد، إلا أن النتائج على الأرض لا تعكس تحسناً ملموساً. بل على العكس، يرى العديد من المراقبين أن السياسات الحالية قد عمّقت الأزمة بدل حلها، خاصة في ظل غياب رؤية اقتصادية واضحة، واعتماد مقاربة أمنية في التعامل مع المعارضة.

إقليمياً، أثرت هذه الأوضاع على مكانة تونس، التي كانت تُعتبر جسراً بين أوروبا وإفريقيا، ونموذجاً للإصلاح السياسي. اليوم، تبدو البلاد أكثر انغلاقاً، وأقل قدرة على جذب الاستثمارات أو لعب دور إقليمي فاعل. كما أن علاقاتها مع بعض الشركاء الدوليين تشهد توتراً، خاصة بسبب ملف الهجرة وحقوق الإنسان.

في المحصلة، تعيش تونس اليوم مرحلة دقيقة من تاريخها، حيث تتقاطع الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مشهد معقد. وإذا لم يتم فتح حوار وطني شامل يعيد التوازن للمؤسسات، ويضع خارطة طريق واضحة للإصلاح، فإن البلاد قد تواجه مزيداً من التدهور، وربما انفجارات اجتماعية يصعب احتواؤها.

إن التجربة التونسية، التي ألهمت شعوباً كثيرة قبل عقد من الزمن، تقف اليوم على مفترق طرق: إما العودة إلى روح الديمقراطية والتعددية، أو الاستمرار في مسار الانغلاق، بكل ما يحمله من مخاطر على مستقبل الدولة والمجتمع.


0 التعليقات: