الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أبريل 17، 2026

تونس عندما يصبح الصوت جريمة والصمت قانوناً: عبده حقي


في تونس، لا تُسمع الأصوات كما هي، بل كما تريد لها المحاكم أن تكون. الكلمات التي كانت يوماً شعارات في الشوارع، أصبحت اليوم ملفات في قاعات مغلقة. الصحفيون الذين كانوا يكتبون عن الحرية، يكتبون الآن دفاعاتهم، كأنهم تحولوا من شهود إلى متهمين.

القضية التي طالت بعض الأسماء ليست مجرد حدث قضائي، بل مشهد من مسرح أكبر، حيث تتداخل السياسة بالقضاء، والسلطة بالخوف. في هذا المسرح، لا أحد يعرف دوره الحقيقي: القاضي، الصحفي، المتظاهر… الجميع يبدو كأنه يؤدي نصاً كُتب سلفاً.

في الشوارع، يرفع الناس صوراً، يرددون شعارات، لكن الصوت يبدو كأنه يأتي من بعيد، كأنه صدى لشيء كان أقوى في الماضي. الثورة التي كانت يوماً وعداً، أصبحت الآن سؤالاً معلقاً: ماذا حدث؟

في المشهد السريالي، يمكن تخيل الكلمات وهي تُحاكم. “حرية”، “عدالة”، “كرامة”… تقف أمام القاضي، تُسأل عن نواياها، عن معناها، عن خطرها. بعض الكلمات تُدان، وبعضها يُفرج عنه بشروط. لكن في النهاية، يبقى المعنى هو الضحية.

الصحفي، في هذا السياق، لم يعد ناقلاً للخبر، بل أصبح جزءاً منه. حياته، كتاباته، مواقفه… كلها تتحول إلى أدلة. وكأن الحقيقة نفسها أصبحت شيئاً مشبوهاً، يحتاج إلى ترخيص.

لكن رغم هذا، ثمة شيء يقاوم. في كل مقال يُكتب، في كل صوت يُرفع، في كل صورة تُلتقط، هناك محاولة لاستعادة المعنى. محاولة لقول: ما زلنا هنا.

تونس، التي كانت مرآة للأمل، أصبحت مرآة للقلق. لكنها أيضاً مرآة للقدرة على الصمود. لأن الشعوب، مثل الكلمات، قد تُقمع، لكنها لا تختفي.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً، معلقاً بين السماء والأرض: هل يمكن للصوت أن يجد طريقه من جديد؟ أم أن الصمت سيتحول إلى اللغة الوحيدة الممكنة؟

في هذا الفراغ، حيث تختلط الحقيقة بالخيال، والسياسة بالأحلام، تظل تونس تكتب نفسها، جملة جملة، في كتاب لم يُغلق بعد.


0 التعليقات: