تَظَلُّ قَضِيَّةُ الْهِجْرَةِ مِنْ أَكْثَرِ الْقَضَايَا الْإِنْسَانِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ حُضُورًا فِي الْعَالَمِ الْمُعَاصِرِ، لِأَنَّهَا تَمَسُّ مَصَائِرَ مِلَايِينِ الْبَشَرِ الَّذِينَ يُغَادِرُونَ أَوْطَانَهُمْ بَحْثًا عَنْ الْأَمْنِ أَوِ الْعَمَلِ أَوِ الْكَرَامَةِ أَوِ الْفُرَصِ الْجَدِيدَةِ. وَفِي الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ، أَظْهَرَتِ التَّقَارِيرُ الصَّادِرَةُ عَنِ الْمُنَظَّمَةِ الدَّوْلِيَّةِ لِلْهِجْرَةِ، وَالْمُفَوَّضِيَّةِ السَّامِيَةِ لِلْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ لِشُؤُونِ اللَّاجِئِينَ، وَبَوَّابَةِ بَيَانَاتِ الْهِجْرَةِ، وَعَدَدٍ مِنَ الْمَرَاصِدِ وَالْمَرَاكِزِ الْمُتَخَصِّصَةِ، أَنَّ تَدَفُّقَاتِ الْهِجْرَةِ مَا زَالَتْ تَشْهَدُ تَحَوُّلَاتٍ مُتَسَارِعَةً عَلَى مُسْتَوَى الْعَالَمِ كُلِّهِ.
وَتُبَيِّنُ أَحْدَثُ الْإِحْصَائِيَّاتِ أَنَّ عَدَدَ الْمُهَاجِرِينَ الدَّوْلِيِّينَ فِي الْعَالَمِ بَلَغَ حَوَالَيْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَأَرْبَعَةِ مَلَايِينِ شَخْصٍ، وَهُوَ رَقْمٌ يَعْكِسُ الْمَكَانَةَ الْمُتَزَايِدَةَ لِلْهِجْرَةِ فِي الِاقْتِصَادِ الْعَالَمِيِّ وَفِي حَرَكَةِ الْعَمَلِ وَالِاسْتِثْمَارِ وَالتَّحْوِيلَاتِ الْمَالِيَّةِ. وَمَا يَلْفِتُ الِانْتِبَاهَ أَنَّ الْعَالَمَ يَعْرِفُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ ارْتِفَاعًا فِي أَعْدَادِ اللَّاجِئِينَ وَالنَّازِحِينَ وَطَالِبِي اللُّجُوءِ بِسَبَبِ النِّزَاعَاتِ وَالْأَزَمَاتِ الِاقْتِصَادِيَّةِ وَالْكَوَارِثِ الْمُنَاخِيَّةِ.
وَبِالنِّسْبَةِ لِلْمُهَاجِرِينَ الْمَغَارِبَةِ، تَسْتَمِرُّ الْجَالِيَّةُ الْمَغْرِبِيَّةُ فِي الْخَارِجِ فِي تَأْكِيدِ دَوْرِهَا الِاقْتِصَادِيِّ وَالِاجْتِمَاعِيِّ، خَاصَّةً فِي بُلْدَانِ أُورُوبَّا. فَالْمُغَارِبَةُ الْمُقِيمُونَ فِي إِسْبَانِيَا وَفَرَنْسَا وَبَلْجِيكَا وَهُولَنْدَا يَشَارِكُونَ فِي قِطَاعَاتٍ حَيَوِيَّةٍ مِثْلَ الزِّرَاعَةِ وَالصِّنَاعَةِ وَالْخَدَمَاتِ وَالتِّكْنُولُوجِيَا. كَمَا تُشَكِّلُ التَّحْوِيلَاتُ الْمَالِيَّةُ الَّتِي يُرْسِلُونَهَا إِلَى أُسَرِهِمْ فِي الْمَغْرِبِ أَحَدَ أَهَمِّ الرَّوَافِدِ الِاقْتِصَادِيَّةِ، وَهِيَ ظَاهِرَةٌ تُؤَكِّدُهَا تَقَارِيرُ الْهِجْرَةِ الدَّوْلِيَّةِ الَّتِي تُشِيرُ إِلَى الِارْتِفَاعِ الْمُسْتَمِرِّ لِلتَّحْوِيلَاتِ عَلَى الصَّعِيدِ الْعَالَمِيِّ.
أَمَّا فِي الْعَالَمِ الْعَرَبِيِّ، فَتُظْهِرُ الْمُعْطَيَاتُ أَنَّ الْهِجْرَةَ مَا زَالَتْ مُرْتَبِطَةً بِالْبَحْثِ عَنِ الِاسْتِقْرَارِ وَالْعَمَلِ. فَالْآلَافُ مِنَ الشَّبَابِ الْعَرَبِيِّ يُوَاصِلُونَ مُحَاوَلَاتِهِمْ لِلْوُصُولِ إِلَى أُورُوبَّا أَوْ أَمْرِيكَا الشَّمَالِيَّةِ، بَيْنَمَا يَتَّجِهُ آخَرُونَ إِلَى بُلْدَانِ الْخَلِيجِ الْعَرَبِيِّ لِلْعَمَلِ فِي قِطَاعَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ. وَفِي الْمُقَابِلِ، تَسْتَقْبِلُ دُوَلٌ عَرَبِيَّةٌ عَدَدًا كَبِيرًا مِنَ اللَّاجِئِينَ الْفَارِّينَ مِنَ الْحُرُوبِ وَالِاضْطِرَابَاتِ، مِمَّا يَجْعَلُ الْمِنْطَقَةَ وَاحِدَةً مِنْ أَكْثَرِ مَنَاطِقِ الْعَالَمِ تَعَقِيدًا فِي مَجَالِ التَّنَقُّلِ الْبَشَرِيِّ.
وَفِي إِفْرِيقِيَا، تُؤَكِّدُ أَحْدَثُ التَّقَارِيرِ أَنَّ الْقَارَّةَ لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ مَنْطِقَةِ عُبُورٍ، بَلْ أَصْبَحَتْ فَضَاءً وَاسِعًا لِلْهِجْرَةِ الدَّاخِلِيَّةِ بَيْنَ الدُّوَلِ الْإِفْرِيقِيَّةِ نَفْسِهَا. وَيُقَدَّرُ عَدَدُ الْأَفَارِقَةِ الَّذِينَ يَعِيشُونَ فِي دُوَلٍ إِفْرِيقِيَّةٍ غَيْرِ أَوْطَانِهِمْ بِعَشَرَاتِ الْمَلَايِينِ، وَهُوَ مَا يَعْكِسُ تَطَوُّرًا مُهِمًّا فِي أَنْمَاطِ التَّنَقُّلِ عَلَى مُسْتَوَى الْقَارَّةِ. وَتَرْتَبِطُ هَذِهِ الْحَرَكَةُ بِالْعَمَلِ وَالتِّجَارَةِ وَالتَّغَيُّرَاتِ الْمُنَاخِيَّةِ وَالْبَحْثِ عَنِ الِاسْتِقْرَارِ السِّيَاسِيِّ.
غَيْرَ أَنَّ الصُّورَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ الْأَكْثَرَ إِيلَامًا مَا زَالَتْ تَتَجَلَّى فِي طَرِيقِ الْبَحْرِ الْمُتَوَسِّطِ. فَقَدْ شَهِدَتِ الْأَيَّامُ الْمَاضِيَةُ حَادِثَةَ غَرَقِ قَارِبِ مُهَاجِرِينَ قُرْبَ مَالْطَا، أَدَّتْ إِلَى وَفَاةِ عَدَدٍ مِنَ الْأَشْخَاصِ وَفَقْدَانِ آخَرِينَ، فِي مَشْهَدٍ يُعِيدُ إِلَى الْوَاجِهَةِ الْمَخَاطِرَ الْهَائِلَةَ الَّتِي يَتَعَرَّضُ لَهَا الْمُهَاجِرُونَ فِي الْمَسَالِكِ الْبَحْرِيَّةِ. وَتُشِيرُ بَيَانَاتُ الْمُنَظَّمَةِ الدَّوْلِيَّةِ لِلْهِجْرَةِ إِلَى أَنَّ مِئَاتِ الْأَشْخَاصِ فَقَدُوا حَيَاتَهُمْ خِلَالَ الْأَشْهُرِ الْأُولَى مِنْ هَذَا الْعَامِ فِي هَذَا الْمَسَارِ وَحْدَهُ.
وَفِي لِيبْيَا، الَّتِي تُعَدُّ مِنْ أَهَمِّ نُقَاطِ الْعُبُورِ نَحْوَ أُورُوبَّا، عَادَتْ قَضِيَّةُ الْهِجْرَةِ إِلَى صَدَارَةِ النِّقَاشِ الْعَامِّ بَعْدَ احْتِجَاجَاتٍ شَهِدَتْهَا الْعَاصِمَةُ طَرَابُلُسُ أَمَامَ مَقَرِّ الْمُفَوَّضِيَّةِ السَّامِيَةِ لِلْأُمَمِ الْمُتَّحِدَةِ لِشُؤُونِ اللَّاجِئِينَ. وَتُظْهِرُ هَذِهِ الْأَحْدَاثُ حَجْمَ التَّحَدِّيَاتِ الَّتِي تُوَاجِهُهَا الدُّوَلُ الْمُسْتَقْبِلَةُ لِلْمُهَاجِرِينَ وَاللَّاجِئِينَ، خُصُوصًا فِي ظِلِّ الضُّغُوطِ الِاقْتِصَادِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ الَّتِي تَعْرِفُهَا الْمِنْطَقَةُ.
وَتُجْمِعُ التَّقَارِيرُ الصَّادِرَةُ عَنِ الْمَرَاكِزِ الدَّوْلِيَّةِ الْمُتَخَصِّصَةِ، مِثْلَ مَرْكَزِ الْهِجْرَةِ الْمُخْتَلَطَةِ، وَمَعْهَدِ سِيَاسَاتِ الْهِجْرَةِ، وَالْمَجْلِسِ الْأُورُوبِّيِّ لِلَّاجِئِينَ وَالْمَنْفِيِّينَ، عَلَى أَنَّ الْحَلَّ لَا يَكْمُنُ فِي التَّشْدِيدِ الْأَمْنِيِّ فَقَطْ، بَلْ فِي تَوْسِيعِ مَسَالِكِ الْهِجْرَةِ النِّظَامِيَّةِ وَحِمَايَةِ الْحُقُوقِ الْأَسَاسِيَّةِ لِلْمُهَاجِرِينَ وَاللَّاجِئِينَ، وَمُعَالَجَةِ الْأَسْبَابِ الْجَذْرِيَّةِ الَّتِي تَدْفَعُهُمْ إِلَى الْمُغَادَرَةِ. وَتَشْمَلُ هَذِهِ الْأَسْبَابُ الْفَقْرَ وَالْبِطَالَةَ وَالنِّزَاعَاتِ وَآثَارَ التَّغَيُّرِ الْمُنَاخِيِّ.
وَإِذَا كَانَتِ الْهِجْرَةُ تُمَثِّلُ تَحَدِّيًا كَبِيرًا لِلدُّوَلِ، فَإِنَّهَا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ تُمَثِّلُ قِصَّةَ أَمَلٍ لِمِلَايِينِ الْبَشَرِ. فَالْمُهَاجِرُونَ الْمَغَارِبَةُ وَالْعَرَبُ وَالْأَفَارِقَةُ يُسَاهِمُونَ فِي تَنْشِيطِ الِاقْتِصَادَاتِ وَبِنَاءِ الْجُسُورِ بَيْنَ الثَّقَافَاتِ وَنَقْلِ الْمَعَارِفِ وَالْخِبْرَاتِ. وَمِنْ هُنَا تَبْقَى الْحَاجَةُ مُلِحَّةً إِلَى سِيَاسَاتٍ إِنْسَانِيَّةٍ وَمُتَوَازِنَةٍ تَضْمَنُ أَمْنَ الدُّوَلِ مِنْ جِهَةٍ وَكَرَامَةَ الْمُهَاجِرِينَ وَحُقُوقَهُمْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، حَتَّى تَتَحَوَّلَ الْهِجْرَةُ مِنْ مَصْدَرٍ لِلْمَخَاوِفِ وَالْمَآسِي إِلَى فُرْصَةٍ لِلتَّنْمِيَةِ وَالتَّقَارُبِ بَيْنَ الشُّعُوبِ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق