الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، يونيو 05، 2026

كاثي بيتسKathy Bates ... حين ينتصر الزمن على المرايا: عبده حقي


منذ سنوات طويلة وأنا أتابع أعمال الممثلة الأمريكية كاثي بيتس، ليس فقط لأنها ممثلة استثنائية تمتلك قدرة نادرة على التقمص والإقناع، بل لأنها تنتمي إلى ذلك الجيل من الفنانين الذين جعلوا من الموهبة جواز سفرهم الحقيقي إلى قلوب الجمهور. لم تكن كاثي بيتس يوماً من نجمات هوليوود اللواتي يعتمدن على الجمال التقليدي أو على إغراءات الصورة العابرة، بل كانت دائماً تراهن على شيء أعمق وأكثر دواماً: قوة الأداء وصدق التعبير.

وحين وقعت عيناي على الصورتين، القديمة والجديدة، شعرت بدهشة حقيقية لا تشبه دهشة المتفرج العادي، بل دهشة كاتب يتأمل ما تفعله السنوات في الوجوه، وما تفعله الإرادة في الإنسان. في الصورة القديمة تبدو كاثي بيتس كما عرفها الملايين لسنوات طويلة؛ امرأة ممتلئة الملامح، تحمل في وجهها تلك الطيبة الممزوجة بالحزم، وفي ابتسامتها شيئاً من العفوية الأمريكية التي جعلتها قريبة من الناس. أما في الصورة الحديثة فإن المشهد يكاد يكون مختلفاً تماماً. الوجه نفسه ما زال هناك، والابتسامة ذاتها لم تغادر مكانها، لكن الجسد تغير بشكل لافت، وكأن الزمن قرر أن يعيد رسم بعض التفاصيل دون أن يمس الجوهر.

ما أدهشني في هذا التحول ليس فقدان الوزن في حد ذاته، فالعالم مليء بقصص الحميات الغذائية وبرامج اللياقة البدنية، وإنما ذلك الانسجام الهادئ الذي يطبع ملامحها الجديدة. ثمة شيء من الصفاء يبدو أكثر حضوراً، وثمة ثقة بالنفس تنبعث من الصورة الحديثة كما ينبعث الضوء من نافذة مفتوحة على صباح جديد.



وأنا أتأمل الصورتين تذكرت حقيقة كثيراً ما نتجاهلها: الإنسان ليس كائناً ثابتاً. نحن نحب أن نحبس الآخرين في صور قديمة، وفي ذكريات جامدة، وفي انطباعات تشكلت منذ سنوات، ثم نفاجأ عندما يقررون أن يتغيروا. كأننا نمنح أنفسنا حق التطور ونحرمهم منه. غير أن كاثي بيتس تذكرنا بأن التحول جزء من الحياة، وأن الهوية ليست قالباً من الإسمنت، بل نهر يتجدد باستمرار.

لقد رأيتها في عشرات الأدوار التي حفرت اسمها في تاريخ السينما والتلفزيون. كانت قادرة على أن تكون مخيفة ومؤثرة ومضحكة ومؤلمة في الوقت نفسه. وحين أفكر في مسيرتها الفنية أجد أن هذا التحول الجسدي ليس سوى فصل جديد من قصة أطول عنوانها الإصرار. فالفنان الحقيقي لا يتوقف عن إعادة اكتشاف نفسه، سواء أمام الكاميرا أو بعيداً عنها.

أعترف أنني شعرت بشيء من التأثر وأنا أقارن بين الصورتين. ليس لأنني أرى فيهما مجرد اختلاف في الشكل، بل لأنهما تختصران رحلة إنسانية كاملة. الصورة الأولى تتحدث عن سنوات من النجاح والتجارب والانتصارات والانكسارات، والصورة الثانية تروي قصة امرأة قررت أن تواجه الزمن بطريقة مختلفة، وأن تفتح صفحة جديدة دون أن تتنكر لماضيها.

في عالم أصبح مهووساً بالشباب الأبدي وبالفلاتر الرقمية وبالصور المعدلة، تبدو كاثي بيتس استثناءً جميلاً. فهي لا تحاول أن تبدو فتاة في العشرين من عمرها، ولا تخوض حرباً عبثية ضد الزمن، بل تظهر كما هي: امرأة ناضجة تحمل تاريخاً طويلاً من الخبرة والحكمة، لكنها في الوقت نفسه تمتلك شجاعة التغيير.

وربما لهذا السبب بالذات يزداد إعجابي بها كلما تقدمت في العمر. فهناك فنانون يبهتون مع الزمن لأن بريقهم كان قائماً على المظهر وحده، وهناك فنانون يزدادون إشراقاً لأن الضوء الحقيقي يأتي من الداخل. وكاثي بيتس تنتمي بلا شك إلى الفئة الثانية.

وأنا أكتب هذه السطور أتذكر أن الجمال ليس في ثبات الصورة، بل في قدرتها على أن تحكي قصة. والصورتان اللتان أمامي تحكيان قصة امرأة لم تستسلم لتعريف واحد لنفسها، ولم تسمح للعمر أن يتحول إلى قيد. إنهما ترويان حكاية انتصار الإرادة على العادة، وانتصار التجدد على الجمود.

لهذا لم يكن اندهاشي نابعاً من التغير في الملامح وحده، بل من الرسالة الإنسانية الكامنة وراء هذا التحول. رسالة تقول إن الإنسان قادر دائماً على أن يبدأ من جديد، مهما تقدم به العمر، ومهما ظن الآخرون أنهم عرفوه بالكامل. فالحياة، في النهاية، ليست ما كنا عليه بالأمس، بل ما نمتلك الشجاعة لنصبحه غداً.

وإذا كان إعجابي بكاثي بيتس قد ترسخ عبر عقود من متابعتي لأعمالها المختلفة، فإن الدور الذي لا يزال يسكن ذاكرتي حتى اليوم هو دورها المذهل في فيلم "ميزري". هناك اكتشفت لأول مرة حجم الموهبة الاستثنائية التي تمتلكها هذه الممثلة. لم تكن تؤدي شخصية عادية، بل كانت تبني عالماً كاملاً من التوتر والخوف والاضطراب النفسي. كانت تنتقل في لحظة واحدة من ابتسامة ودودة إلى نظرة مرعبة، ومن حنان ظاهري إلى عنف لا يمكن التنبؤ به. وقد وجدت نفسي، وأنا أشاهد الفيلم، مأخوذاً بذلك الأداء النادر الذي يجعل المتفرج ينسى أنه أمام ممثلة ويصدق أنه أمام شخصية حقيقية من لحم ودم. لقد جسدت شخصية آني ويلكس بعبقرية جعلتها واحدة من أكثر الشخصيات رسوخاً في تاريخ السينما الحديثة. ومنذ ذلك الفيلم أدركت أن كاثي بيتس ليست مجرد ممثلة موهوبة، بل فنانة قادرة على اقتحام المناطق المظلمة في النفس البشرية والكشف عنها بجرأة وإتقان. وربما لهذا السبب تحديداً لم أفاجأ بنجاحها اللاحق في عشرات الأعمال الأخرى، لأن من يستطيع أن يقدم أداءً بتلك القوة في "ميزري" يمتلك بلا شك مفاتيح الخلود الفني. وما يزيد من إعجابي بها اليوم أنني كلما نظرت إلى صورتها الجديدة أتذكر تلك المرأة المخيفة والمربكة التي ظهرت على الشاشة قبل سنوات طويلة، فأشعر باندهاش مضاعف؛ اندهاش من قدرتها على التحول داخل الأدوار الفنية، واندهاش آخر من قدرتها على التحول في حياتها الشخصية دون أن تفقد شيئاً من حضورها الإنساني الآسر.


0 التعليقات: