الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، يوليو 19، 2026

حصيلة السينما : شاشات تبحث عن جمهور جديد وذاكرة لا تنطفئ: إعداد عبده حقي


لا تبدو السينما، في حصيلة الأيام الماضية، مجرد صناعة تُقاس بعدد التذاكر أو بحجم الجوائز والإيرادات، بل تبدو فضاءً عالميًّا تتقاطع داخله الذاكرة والسياسة والاقتصاد والتكنولوجيا. فمن الدار البيضاء، التي فتحت أبوابها أمام صور عربية متنوعة، إلى البندقية التي تستعد لاستقبال فيلم جديد لداني بويل، ومن استعادة تاريخ الوحدة الإفريقية في لندن إلى الأرقام الضخمة التي يحققها فيلم «الأوديسة» في شباك التذاكر الأمريكي، تتشكل أمامنا خريطة سينمائية تتنازعها رغبة الإبداع وضغط السوق، وحاجة الشعوب إلى أن ترى ذواتها فوق الشاشة الكبيرة.

في المغرب، تصدّر المشهد انطلاق الدورة السابعة لمهرجان الدار البيضاء للفيلم العربي، الممتدة من 17 إلى 24 يوليوز 2026، بمشاركة أفلام روائية ووثائقية وقصيرة تمثل اتجاهات مختلفة داخل السينما العربية. ولا تكمن أهمية المهرجان في العروض وحدها، بل في كونه يعيد وضع الدار البيضاء داخل شبكة العواصم العربية المستقبلة للنقاش السينمائي، ويفتح قاعات العرض أمام الجمهور بدل حصر الفيلم في الدوائر المهنية المغلقة. إن مدينة كبيرة مثل الدار البيضاء تحتاج إلى مهرجان يجعل السينما جزءًا من حركتها اليومية، ويمنح الشباب فرصة اكتشاف أفلام لا تصل عادة إلى شبكات التوزيع التجارية. 

ويأتي هذا الموعد بينما فتح المهرجان الدولي للفيلم بمراكش باب التسجيل أمام الأفلام الراغبة في المشاركة في دورته الثالثة والعشرين، المقرر تنظيمها من 20 إلى 28 نونبر 2026، مع تحديد 31 يوليوز موعدًا أخيرًا لاستقبال الترشيحات. وتكشف هذه الخطوة عن بداية مبكرة لبناء دورة تحاول تثبيت موقع مراكش ضمن المهرجانات الدولية الكبرى، ليس فقط عبر النجوم والاحتفاءات، بل من خلال اكتشاف الأفلام والمخرجين الجدد. ويظل التحدي الحقيقي أمام السينما المغربية هو تحويل وهج المهرجانات إلى دورة إنتاج وتوزيع منتظمة، حتى لا تظل الأفلام ناجحة في الخارج وغائبة عن الجمهور داخل المدن المغربية. 

كما أعلن المركز السينمائي المغربي اقتراب الدورة السادسة والعشرين للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة، التي ستعرض أحدث الإنتاجات المغربية إلى جانب لقاءات وأنشطة مهنية. ويمثل هذا المهرجان المرآة الأوضح لقياس الحالة الداخلية للسينما الوطنية، لأنه يجمع أفلام السنة الواحدة ويتيح مقارنتها فنيًّا وموضوعيًّا. فالمطلوب اليوم ليس فقط ارتفاع عدد الإنتاجات، وإنما ظهور كتابة سينمائية قادرة على مساءلة تحولات المجتمع المغربي، والوصول إلى الجمهور بلغته وأسئلته ومخاوفه. 

وفي العالم العربي، حملت الأيام الماضية خبر اختيار مشروعين سعوديين للمشاركة في الدورة الرابعة والأربعين من ورشة «جنوب للكتابة» الدولية، بالشراكة مع صندوق البحر الأحمر. يتعلق الأمر بمشروع «الرجل القادم من كوبنهاغن» للمخرجة ندى الوابل، و«الركض مع قطط الشوارع» لزهرة زهير، ضمن خمسة مشروعات اختيرت من السعودية والمغرب والسنغال وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وتؤكد هذه المشاركة انتقال الصناعة السعودية تدريجيًّا من تمويل العروض والبنية التحتية إلى الاستثمار في السيناريو، وهو الجزء الأكثر هشاشة في الصناعات السينمائية العربية. 

وجاء هذا الإعلان بعد اختتام الدورة الثانية عشرة للمهرجان السعودي للأفلام، الذي عرض خمسين فيلمًا، من بينها عشرون عرضًا عالميًّا أول، وخصص نافذة للسينما الكورية. ويشير هذا العدد إلى أن السينما السعودية لم تعد مجرد مشروع مؤسساتي ناشئ، بل أصبحت مجالًا تتكون داخله أجيال جديدة من المخرجين والكتاب والممثلين. غير أن كثرة الإنتاج ينبغي أن ترافقها حرية أكبر في اختيار الموضوعات، وتطوير النقد السينمائي، وتوسيع التوزيع العربي، حتى لا تبقى الأفلام حبيسة المهرجانات المحلية. 

أما في إفريقيا، فقد عادت السينما إلى مساءلة تاريخ القارة من خلال برنامج «مشروع كوكب أسود» في مركز باربيكان بلندن، الذي يستعيد مهرجان الجزائر الثقافي الإفريقي لسنة 1969 ويعرض أفلامًا مرتبطة بحركات التحرر والوحدة الإفريقية ومقاومة الاستعمار. ويبرز البرنامج أعمال أسماء مثل جيبريل ديوب مامبيتي وسارة مالدورور، مستعيدًا مرحلة كانت الكاميرا الإفريقية فيها امتدادًا لمعركة الاستقلال، وليست أداة ترفيه محايدة. 

إن استعادة هذا التراث تكتسب معناها في لحظة يتعزز فيها حضور السينما الإفريقية داخل المهرجانات العالمية. فقد أبرزت قراءات حديثة لنتائج مهرجان كان 2026 توسع حضور الأفلام الإفريقية والإفريقية الجذور، مع تنوع واضح في موضوعاتها بين الحياة الحضرية والذاكرة السياسية والهجرة والعلاقات العائلية. وهذا التحول يعني أن الفيلم الإفريقي بدأ يتحرر من الصورة الفولكلورية التي فرضها عليه المتلقي الغربي، ليقدم القارة باعتبارها فضاءً معاصرًا للصراع الاجتماعي والتجريب الجمالي. 

وفي أوروبا، أعلن مهرجان البندقية أن فيلم «حبر» للمخرج البريطاني داني بويل سيفتتح دورته الثالثة والثمانين، المقررة بين 2 و12 شتنبر 2026. ويتناول الفيلم استحواذ روبرت مردوخ على صحيفة «ذا صن» سنة 1969 وتحويلها إلى قوة جماهيرية مؤثرة، بمشاركة غاي بيرس وكلير فوي وجاك أوكونيل. واختيار فيلم عن الإعلام والسلطة لافتتاح مهرجان كبير يكشف عودة السينما الأوروبية إلى تفكيك المؤسسات التي تصنع الرأي العام، في وقت تتداخل فيه الصحافة بالمال والسياسة وصناعة التضليل. 

وفي باريس، تتواصل خلال الصيف عروض السينما في الهواء الطلق، من ساحة متحف اللوفر إلى حديقة لا فيليت ومواقع ثقافية أخرى. ويعيد هذا التقليد للفيلم بعده الجماعي، فيخرج من القاعات التجارية إلى الحدائق والساحات، ويصبح مناسبة لالتقاء أجيال مختلفة حول أفلام كلاسيكية ومعاصرة. إنه نموذج ثقافي جدير بالتأمل، لأن أزمة السينما لا تُحل دائمًا بإنتاج أفلام أكثر، بل بابتكار طرق جديدة للوصول إلى الجمهور. 

وفي أمريكا، فرض فيلم «الأوديسة» لكريستوفر نولان نفسه بوصفه الحدث التجاري الأبرز، بعدما حقق نحو 51 مليون دولار في يومه الافتتاحي، واتجه إلى تجاوز 120 مليون دولار في افتتاحه بأمريكا الشمالية، مع انطلاقة عالمية قدرت بأكثر من 257 مليون دولار. ويؤكد نجاحه أن الجمهور لا يرفض الأفلام الطويلة والطموحة كما يقال، بل يقبل عليها عندما تتحول التجربة البصرية إلى حدث سينمائي حقيقي. 

وفي الجهة المقابلة، لم يحقق فيلم «موانا» الحي النتائج المنتظرة، إذ افتتح بنحو 43 مليون دولار أمريكي رغم ميزانية ضخمة قدرت بنحو 250 مليونًا. ويكشف هذا التعثر حدود سياسة إعادة إنتاج أفلام الرسوم المتحركة في نسخ حية، بعدما بدأ الجمهور يشعر بأن الحنين وحده لا يكفي لصناعة نجاح مضمون. وهكذا تختصر حصيلة الأيام الماضية مفارقة السينما المعاصرة: أفلام تنجح لأنها تخاطر وتبني عالمًا جديدًا، وأخرى تتعثر لأنها تكرر وصفة قديمة تحت أضواء أكثر تكلفة.



0 التعليقات: