شهد الأسبوع الممتد من 12 إلى 19 يوليوز 2026 نشاطاً لافتاً في مجال الرسم والفنون التشكيلية، اتسم بتزايد حضور التجارب الغامرة والوسائط الرقمية، واستعادة أعمال فنانين من القرن العشرين ضمن قراءات اجتماعية وبيئية جديدة. وبينما واصلت الساحة المغربية انفتاحها على التكنولوجيا والحوار الثقافي الدولي، بدت المعارض العربية أكثر اهتماماً بتقاطع الفن مع البحث والمعرفة والهوية، في حين انشغلت المتاحف الأوروبية بالجسد والطبيعة والذاكرة العمالية وحدود تعريف العمل الفني.لم تعد حصيلة المعارض التشكيلية في الأيام الماضية مجرد قائمة من الافتتاحات والأسماء والأروقة، بل بدت أشبه بخريطة واسعة لتحولات الفن المعاصر نفسه. ففي المغرب، انتقلت اللوحة نحو العرض الغامر والتفاعل الرقمي والحوار بين الثقافات. وفي العالم العربي، اتخذت المعارض من البحث والمعرفة والتراث موضوعات مركزية. أما في أوروبا، فقد عادت المتاحف إلى أعمال فنانين كبار أو مهمشين، لا لتعرضها باعتبارها آثاراً ساكنة، بل لتعيد طرح أسئلتها حول الجسد والطبيعة والعمل والهوية والذاكرة.
المغرب: البحر يدخل قاعة العرض في طنجة
كان من أبرز أحداث الأسبوع في المغرب افتتاح معرض الفنانة المغربية هند العريشي بعنوان «عبور أطلسي لحياة» في قصر الفنون والثقافة بمدينة طنجة. ولا يقوم هذا المعرض على تعليق اللوحات على الجدران فقط، بل يقدم تجربة بصرية وسمعية غامرة، تمزج بين الرسم والإسقاطات الرقمية والموسيقى والتصميم الصوتي.
استلهمت الفنانة مشروعها من تجربة عبور المحيط الأطلسي على متن قارب شراعي، محولة الرحلة البحرية إلى استعارة عن التحول الشخصي ومواجهة الخوف والبحث عن بداية جديدة. ففي أرضية قاعة العرض تظهر أمواج متحركة تتقلب بين الهدوء والاضطراب، بينما يتحول السقف من سماء عاصفة إلى فضاء أكثر صفاء، في محاكاة للمسار الداخلي الذي تقترحه الأعمال.
تكمن أهمية هذا المعرض في كونه يعيد النظر في العلاقة بين اللوحة والمتلقي. فالزائر لا يقف أمام العمل من الخارج، بل يجد نفسه محاطاً بالصورة والصوت والحركة. وبهذا المعنى، تعكس تجربة هند العريشي اتجاهاً يتنامى في الساحة التشكيلية المغربية، حيث لم تعد التقنيات الرقمية مجرد أدوات تزيينية، بل أصبحت جزءاً من بنية العمل الفني ومن طريقة إنتاج المعنى.
ومن الأحداث التي أُعلن عنها خلال الفترة القريبة من هذا الأسبوع استعداد مدينة الصويرة لاحتضان المعرض الجماعي الدولي «خيلوطا» ما بين 23 يوليوز و10 غشت 2026، داخل الأقبية الحجرية التاريخية لبرج باب مراكش. ويجمع المعرض خمسة فنانين دوليين يشتغلون في الرسم والنحت والتصوير الفوتوغرافي وتصميم الأزياء وفنون الأداء.
ورغم أن افتتاحه يأتي بعد نهاية الأسبوع موضوع هذه الحصيلة، فإن الإعلان عنه يمثل مؤشراً مهماً على توجه عدد من المدن المغربية نحو تحويل المواقع التاريخية إلى فضاءات للفن المعاصر. فاختيار برج قديم في الصويرة ليس مجرد قرار معماري، بل محاولة لخلق حوار بين ذاكرة المكان والممارسات الفنية الجديدة، وبين الموروث الحجري والأجساد والصور والمواد المعاصرة.
كما تواصلت في الدار البيضاء معارض تستعيد مسارات فنية طويلة، ومن بينها معرض الفنان عبد الله الحريري بعنوان «ملحمة، تراكم الآثار»، المفتوح في فضاء «أرتوريوم» إلى غاية 31 يوليوز. ويجمع المعرض أعمالاً تنتمي إلى مراحل مختلفة من تجربة الفنان، إلى جانب صور توثق محطات أساسية من مسيرته الممتدة لنحو نصف قرن.
يمثل هذا المعرض فرصة لإعادة قراءة علاقة الحريري بالحروفية والخط والتجريد. فالعلامة في أعماله لا تؤدي وظيفة لغوية مباشرة، بل تتحول إلى أثر بصري يحمل بقايا الذاكرة والحركة والزمن. ومن هنا يصبح عنوان «تراكم الآثار» وصفاً لمسار فني كامل، تتجاور داخله التجارب القديمة والجديدة كما تتجاور طبقات الكتابة على سطح اللوحة.
العالم العربي: الفن بوصفه بحثاً ومعرفة
في المملكة العربية السعودية، احتضنت الرياض الدورة الرابعة من معرض صيف 2026 في قاعة الأمير فيصل بن فهد للفنون، الذي ينظمه معهد مسك للفنون تحت شعار «طرائق المعرفة: الفن بوصفه بحثاً متعدد التخصصات». وقد ضم المعرض أكثر من أربعين عملاً أنجزها أكثر من ثلاثين فناناً سعودياً ومقيماً، ويستمر إلى الأول من غشت.
تتوزع الأعمال بين الفنون البصرية والتصوير والفيديو والوسائط المتعددة والتجهيزات الفنية. ويكشف هذا التنوع أن منظمي المعرض لا يتعاملون مع الفن باعتباره منتجاً جمالياً منفصلاً عن بقية مجالات المعرفة، بل باعتباره وسيلة للبحث والتجريب وإنتاج الأسئلة.
ويعكس المعرض اتجاهاً متزايداً في المؤسسات الفنية الخليجية نحو تجاوز الفصل التقليدي بين الفنان والباحث. فالصورة والصوت والحركة والنص والوسيط الرقمي تلتقي داخل الأعمال، لتقديم رؤية ترى أن التجربة الفنية تستطيع أن تنتج معرفة لا تقل أهمية عن المعرفة الأكاديمية المكتوبة.
وفي الإمارات العربية المتحدة، افتتح متحف الأطفال في اللوفر أبوظبي يوم 18 يوليوز معرضاً بعنوان «مغامرة ألعاب الطاولة»، يتتبع تاريخ هذه الألعاب على امتداد أكثر من خمسة آلاف سنة، من مصر القديمة وبلاد ما بين النهرين وصولاً إلى لاعب صُمم بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وعلى الرغم من الطابع التعليمي للمعرض، فإنه يندرج في صميم الفنون المتحفية المعاصرة، لأنه يعتمد على العرض التفاعلي والتصميم البصري وإعادة تركيب القطع التاريخية ضمن مسار حكائي. كما يكشف أن اللعبة ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل مرآة للتحولات الاجتماعية والعلاقات الإنسانية وطرق التفكير واتخاذ القرار.
ويبرز إدخال الذكاء الاصطناعي إلى نهاية المسار التاريخي رغبة واضحة في وصل الماضي الرقمي البسيط، ممثلاً في أحجار اللعب ورقعها، بالمستقبل الخوارزمي الذي يمكن فيه للآلة أن تصبح منافساً ومشاركاً في النشاط الإبداعي والذهني.
ومن أبرز أخبار الحضور العربي في المؤسسات الأوروبية، افتتاح معرض الفنان والمصور المصري الفرنسي يوسف نبيل في متحف أورسي بباريس. ويحمل المعرض عنوان «أن نحلم من جديد»، ويعد أول معرض لفنان معاصر يقام داخل قاعات الاستشراق في المتحف.
يضع يوسف نبيل صوره الملونة يدوياً في مواجهة لوحات أوروبية تاريخية صاغت الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من منظور خارجي قائم، في كثير من الأحيان، على الخيال والرغبة والتنميط. أما الفنان المصري، فيقترح نظرة ذاتية تنبع من تجربته مع الوطن والمنفى والذاكرة والسينما.
لا تكمن أهمية المعرض في حضور فنان عربي داخل متحف أوروبي كبير فحسب، بل في إدخال صوته إلى قلب الأرشيف الاستشراقي ذاته. فبدلاً من إلغاء اللوحات القديمة أو إخفائها، يُنشئ المتحف بينها وبين أعمال يوسف نبيل مواجهة هادئة تسمح للذات التي كانت موضوعاً للنظر بأن تصبح صاحبة نظرة وسرد وتمثيل.
أوروبا: الجسد والطبيعة وذاكرة العمل
في لندن، افتتح متحف تيت مودرن في 15 يوليوز أكبر معرض بريطاني حتى الآن مخصص للفنانة الكوبية الأمريكية آنا مندييتا. ويضم المعرض أكثر من 120 عملاً تتنوع بين النحت والأفلام وفنون الأداء والتصوير والرسم، ويستمر إلى 17 يناير 2027.
اشتهرت مندييتا بأعمال «الجسد ـ الأرض»، التي كانت ترسم فيها حدود جسدها أو تترك آثاره في الرمل والتراب والعشب والماء. وقد جعلت من الجسد مادة عابرة تمتزج بالطبيعة بدلاً من أن تهيمن عليها، وطرحت من خلاله أسئلة المنفى والهوية والعنف ضد النساء والروحانية والموت والتحول.
يسعى المعرض إلى تحرير تجربتها من الحكاية المأساوية المتعلقة بوفاتها سنة 1985، والتي طغت طويلاً على قراءة منجزها. كما أعيد تنفيذ بعض أعمالها المؤقتة بالتعاون مع ابنة أختها والمشرفة على تركتها، كي يختبر الزائر حضورها المادي بدلاً من الاكتفاء بالصور الوثائقية.
وفي أوسلو، أقام متحف مونك معرضاً يعيد قراءة الإفريز الذي أنجزه الفنان النرويجي إدفارد مونك سنة 1922 لمطعم العاملات في مصنع «فريا» للشوكولاتة. ويتكون الإفريز من اثنتي عشرة لوحة تصور مشاهد خارجية مشرقة، لكنها تعرض هذه المرة ضمن سياق اجتماعي وتاريخي يكشف أوضاع العاملات وتاريخ الحركة العمالية والمساواة بين الجنسين ومصادر الكاكاو المرتبطة بالاستغلال الاستعماري.
المعرض لا يكتفي بالاحتفاء بجمال لوحات مونك، بل يضعها في مواجهة الظروف التي أحاطت بإنتاجها. فبينما تصور الأعمال نساء يتنزهن ويسبحن ويستمتعن بالطبيعة، كانت العاملات في المصنع يعشن واقعاً أكثر قسوة، ولم يكن كثير منهن قادرات على الوصول إلى مثل تلك الحياة.
وتلك القراءة تحول العمل الفني من صورة جميلة إلى وثيقة مركبة، تحمل آثار التفاوت الاجتماعي ومفهوم «الفن الموجه إلى العمال» وحدود المبادرات الثقافية التي تتبناها الشركات. ويستمر المعرض إلى 11 أكتوبر 2026.
أما في برشلونة، فقد قدم «كازا باتيو» تجربة بعنوان «غاودي ـ ميرو ـ غوميس: تفكيك»، تجمع بين أعمال أنطوني غاودي وجوان ميرو وصور المصور يواكيم غوميس، مستفيدة من التقنيات الرقمية لكشف التفاصيل الخفية واللغة الإبداعية المشتركة بين الشخصيات الكتالونية الثلاث.
تقوم أهمية المشروع على أن الرقمنة لا تستخدم بديلاً عن العمل الأصلي، بل أداة للنظر إليه من مسافات وزوايا جديدة. فالتكبير والحركة والإسقاط الضوئي تسمح بدراسة الأشكال والخطوط والعلاقات بين العمارة والرسم والتصوير الفوتوغرافي.
ويؤكد هذا المعرض أن مستقبل المتاحف الأوروبية لن يقوم على عرض القطع وحدها، بل على بناء تجارب معرفية تساعد الجمهور على تفكيك العمل وإعادة تركيبه بصرياً، من دون أن تفقد القطعة الأصلية قيمتها أو خصوصيتها.
وفي هولندا، أعاد متحف بويمانز فان بونينغن في روتردام تنفيذ عمل الفنان الهولندي الراحل فيم تي. شيبرز المعروف باسم «أرضية زبدة الفول السوداني». وقد استُخدم نحو 360 كيلوغراماً من زبدة الفول السوداني لتغطية مساحة تبلغ خمسة وعشرين متراً مربعاً، تكريماً للفنان الذي توفي في يونيو الماضي.
ظهر العمل أول مرة سنة 1969، وكان يهدف إلى تحدي التصورات التقليدية حول ماهية الفن وقيمة المواد المستخدمة فيه. فبدلاً من الرخام أو البرونز أو الألوان الزيتية، اختار الفنان مادة غذائية يومية سريعة التلف، ودعا الجمهور إلى مواجهة التناقض بين عبثية المشهد ودقة تنفيذه.
ويستمر عرض العمل إلى 6 شتنبر، مع تحذيرات للزوار الذين يعانون حساسية من الفول السوداني. وقد تحول بذلك إلى تجربة بصرية وشمية معاً، تؤكد أن الفن المعاصر قد يبدأ من أكثر المواد ابتذالاً، لكنه يستطيع أن يعيد تشكيل علاقتنا بالمكان والمتحف والمعنى.
تكشف حصيلة الأسبوع الماضي أن الفنون التشكيلية تتحرك بسرعة خارج حدود اللوحة التقليدية. في طنجة، امتزج الرسم بالصوت والإسقاط الرقمي. وفي الرياض أصبح الفن ممارسة بحثية متعددة التخصصات. وفي أبوظبي دخل الذكاء الاصطناعي إلى تاريخ الألعاب والمتاحف التفاعلية. أما في لندن وأوسلو وبرشلونة وروتردام، فقد تحولت المعارض إلى فضاءات لإعادة قراءة الجسد والطبيعة والعمل والتكنولوجيا والمواد اليومية.
ولعل القاسم المشترك بين هذه الأحداث هو أن المتحف والرواق لم يعودا مكانين للفرجة الصامتة. إنهما يتحولان إلى مختبرين للذاكرة والأسئلة، وإلى فضاءين يشارك فيهما الزائر بحواسه وخبرته وموقفه. وهكذا تغادر اللوحة إطارها القديم، لا لكي تفقد هويتها، بل لكي تدخل بصورة أعمق في صميم الحياة المعاصرة.







0 التعليقات:
إرسال تعليق