لم تَعُدِ الخريطة الثقافية المغربية، خلال فصل الصيف، مقتصرةً على المهرجانات الكبرى التي تستأثر بالأضواء والمنصات الإعلامية، بل أصبحت تتشكّل من شبكة واسعة من الحفلات والمعارض والمبادرات المحلية والملتقيات الشبابية التي تمتدّ من الدار البيضاء والرباط إلى مراكش وتطوان وإفران والداخلة. وقد كشفت الأنشطة المعلنة أو المنظمة خلال الأيام الماضية من شهر يوليوز 2026 عن حركية فنية لافتة، تجمع بين تشجيع المواهب المحلية، وإعادة تقديم التراث الموسيقي المغربي، واستضافة التعبيرات الفنية العالمية، وربط الثقافة بالسياحة والتنمية المجالية.
ولا تكمن أهمية هذه الحصيلة في كثرة المواعيد وحدها، بل في تنوعها الجغرافي والفني؛ فإلى جانب الحفلات الجماهيرية، حضرت الموسيقى التراثية، والفنون الشبابية، والكتاب المستعمل، والفنون التشكيلية، والثقافة البيئية. غير أن هذا الازدهار الموسمي يطرح، في المقابل، سؤال الاستمرارية: هل تتحول هذه المبادرات إلى سياسات ثقافية دائمة، أم تظل مرتبطة بحرارة الصيف ووفرة الجمهور السياحي؟
مهرجان مواهب الدار البيضاء: الثقافة المحلية تبحث عن منصتها
شهدت الدار البيضاء، يوم 19 يوليوز 2026، تنظيم النسخة الثانية من مهرجان مواهب الدار البيضاء للثقافة والفنون المحلية، وهي مبادرة أعلنت جماعة المدينة أنها تهدف من خلالها إلى الاحتفاء بالإبداع الشبابي وتشجيع الطاقات الفنية الصاعدة. ويسعى المهرجان إلى إتاحة فضاء للتعبير أمام شباب العاصمة الاقتصادية في مختلف المجالات الفنية والثقافية، بعد النجاح الذي عرفته دورته الأولى. ويمكن الاطلاع على تفاصيل النشاط من خلال الصفحة الرسمية لجماعة الدار البيضاء. (Casablanca City)
تكتسب هذه المبادرة أهميتها من كونها تنقل الثقافة من منطق استضافة النجوم المعروفين إلى منطق اكتشاف الفنانين الذين لم يجدوا بعد طريقهم إلى المسارح والمؤسسات الإنتاجية. فالدار البيضاء، رغم كثافة سكانها وتعدد أحيائها، لا تزال تعاني تفاوتًا واضحًا في الوصول إلى الأنشطة الفنية؛ إذ تتركز أغلب العروض في وسط المدينة وبعض الفضاءات الكبرى، بينما تبقى مواهب الأحياء الهامشية بعيدة عن الضوء. ومن شأن مهرجان محلي منتظم أن يتحول إلى مختبر حقيقي لاكتشاف الموسيقيين والمسرحيين والتشكيليين وصناع الأفلام الشباب.
لكن نجاح المهرجان لن يُقاس بعدد المشاركين أو حجم الحضور فقط، وإنما بقدرته على إنشاء مسار مستمر لمرافقة المواهب بعد انتهاء العروض. فالشباب يحتاجون إلى التكوين والاستوديوهات وفرص الإنتاج والترويج، لا إلى منصة مؤقتة فحسب. لذلك تبدو الخطوة التالية الضرورية هي ربط المهرجان بمراكز ثقافية محلية، وإقامة مسابقات وبرامج إقامة فنية، وتوفير منح صغيرة تساعد المشاريع الفائزة على الانتقال من مرحلة الهواية إلى الاحتراف.
جولة نسيم حداد: العيطة تغادر صورتها التقليدية
كان الجمهور المغربي خلال الأيام الماضية على موعد مع عدد من محطات جولة الفنان نسيم حداد، الذي قدّم عرضه في مراكش يوم 18 يوليوز، قبل الإعلان عن محطات أخرى في الرباط وأكادير وتطوان وطنجة. وتقدم الجولة مشروعًا يقوم على إعادة صياغة فن العيطة في قالب مسرحي وموسيقي حديث، من خلال توزيع معاصر وإخراج بصري يراد له أن يمنح هذا التراث قابلية للعرض على المسارح الوطنية والدولية. وتشير برمجة المسرح الوطني محمد الخامس إلى أن مشروع نسيم حداد يسعى إلى منح العيطة بُعدًا ركحيًا حديثًا من دون التخلي عن جذورها التراثية. (Théâtre Mohammed V)
تكمن قوة هذه التجربة في أنها لا تتعامل مع التراث بوصفه مادة متحفية مجمدة، بل باعتباره لغة فنية قابلة لإعادة القراءة. فالعيطة ليست مجرد نمط غنائي مرتبط بالمناسبات الشعبية، وإنما سجل شفهي يحتفظ بجوانب من الذاكرة الاجتماعية والوجدانية المغربية، ويعبّر عن المقاومة والحب والفقدان والاحتجاج. وعندما تنتقل العيطة إلى مسارح حديثة، مصحوبة بتوزيع موسيقي وإضاءة وسينوغرافيا، فإنها تستعيد قدرتها على مخاطبة جمهور لم يعد بالضرورة مرتبطًا ببيئتها الأصلية.
ومع ذلك، يظل تحديث التراث عملية دقيقة؛ إذ يمكن أن تتحول الرغبة في جعله أكثر جماهيرية إلى تجريد له من لغته وإيقاعه وروحه المحلية. والتحدي الحقيقي الذي يواجه هذه الجولة هو تحقيق التوازن بين الوفاء للأصوات والقصائد الأصلية وبين متطلبات العرض الحديث. فإذا نجحت التجربة في ذلك، فقد تفتح الباب أمام حضور أوسع للعيطة في المهرجانات العالمية، كما حدث سابقًا مع موسيقى كناوة.
حاتم عمور وسامي باي: تعدد الأذواق فوق مسارح الشمال والرباط
عرف مساء 18 يوليوز تنظيم حفلات موسيقية متزامنة في عدد من المدن؛ فقد أحيا حاتم عمور حفلاً في سينما إسبانيول بتطوان، بينما استضاف مسرح المنصور بالرباط حفلاً لمغني الراي سامي باي، قُدّم بوصفه عودة إلى أجواء الراي الكلاسيكي. ويكشف تزامن هذه الحفلات عن كثافة العرض الموسيقي الصيفي، وعن وجود جمهور متنوع يتوزع بين الأغنية المغربية العصرية والراي والموسيقى الشعبية. وتتوفر تفاصيل هذه العروض ومواعيدها على منصة التذاكر المغربية. (Guichet)
يعكس حفل حاتم عمور استمرار هيمنة الأغنية الجماهيرية الحديثة التي تجمع بين الإيقاعات المغربية والتوزيع الموسيقي العربي والدولي. كما أن اختيار تطوان لتنظيم الحفل يساهم في تخفيف المركزية الفنية التي كانت تجعل الرباط والدار البيضاء ومراكش الوجهات الأساسية للعروض الكبرى. فمدن الشمال تمتلك جمهورًا واسعًا، وتعرف خلال فصل الصيف تدفقًا سياحيًا يتيح تحويل الفعل الفني إلى مكوّن من مكونات الاقتصاد المحلي.
أما استعادة «الراي القديم» في حفل سامي باي، فتدل على تنامي ثقافة الحنين الموسيقي لدى الجمهور. فالتجارب التي تستعيد أغاني الثمانينيات والتسعينيات لا تبيع الموسيقى وحدها، بل تستثمر في الذاكرة الشخصية والجماعية. غير أن هذا الحنين يحتاج إلى رؤية فنية تبتعد عن التقليد المباشر، وتمنح الأعمال القديمة حياة جديدة من خلال التوزيع والتأويل، حتى لا تتحول الحفلات إلى مجرد استنساخ لصيغ نجحت في الماضي.
«صحراء فست» بالداخلة: الموسيقى الإلكترونية تدخل الكثبان
احتضنت الداخلة، يومي 17 و18 يوليوز، تظاهرة «صحراء فست»، وهي فعالية موسيقية إلكترونية أُقيمت في فضاء صحراوي قريب من الكثبان، وقدمت تجربة تجمع بين الموسيقى الليلية والطبيعة الصحراوية والسياحة. ووفق برنامج التظاهرة المنشور، امتدت العروض من الثامنة مساءً إلى الثالثة صباحًا، في صيغة تستهدف جمهور الموسيقى الإلكترونية والمسافرين الباحثين عن تجارب غير تقليدية. (Guichet)
يمثل هذا النوع من المهرجانات تحولًا في علاقة الفنون بالمجال الصحراوي؛ فالداخلة لم تعد تُقدّم فقط باعتبارها وجهة لرياضات البحر والرياح، بل بوصفها فضاءً قادرًا على احتضان أنماط موسيقية معاصرة. والمزج بين الموسيقى الإلكترونية والمشهد الطبيعي يمكن أن يمنح المدينة صورة ثقافية دولية، ويجذب فئة جديدة من السياح الشباب، خصوصًا أن المهرجانات الصحراوية أصبحت جزءًا من الاقتصاد الإبداعي في عدة دول.
لكن إقامة حفلات إلكترونية في بيئة طبيعية حساسة تستدعي ضوابط صارمة تتعلق بالنفايات والتلوث الصوتي وحماية الكثبان. فالثقافة التي تُقدّم تحت عنوان الاحتفاء بالصحراء مطالبة بأن تكون مسؤولة تجاهها. ومن ثم فإن نجاح «صحراء فست» ينبغي أن يقاس كذلك بقدرته على تطبيق مبادئ الاستدامة، وإشراك الفنانين والمقاولين المحليين، وتجنب تحويل الصحراء إلى مجرد ديكور استهلاكي.
معرض الكتاب المستعمل: المعرفة تبحث عن قرّاء جدد
أُعلن في الدار البيضاء عن تنظيم الدورة الرابعة عشرة للمعرض الوطني للكتاب المستعمل، خلال الفترة الممتدة من 20 يوليوز إلى 10 غشت 2026. ويشكّل هذا الموعد واحدًا من أبرز الأنشطة الثقافية الشعبية في المدينة، لأنه يتيح للقراء اقتناء كتب بأسعار أقل من أسعار الكتب الجديدة، ويمنح المؤلفات القديمة والنادرة فرصة جديدة للتداول. وقد أدرجت الأجندة الثقافية لـ«الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة» موعد المعرض ومكان تنظيمه ضمن أبرز أنشطة الفترة الصيفية. (SNRTnews)
تتجاوز أهمية الكتاب المستعمل البعد الاقتصادي؛ فهو يحمل آثار قرائه السابقين، وتعليقاتهم وتوقيعاتهم وأحيانًا رسائلهم، مما يحوله إلى وثيقة ثقافية واجتماعية. كما أن هذه المعارض تساهم في إعادة توزيع الكتب بين الأجيال، وتتيح للطلبة والباحثين الوصول إلى مؤلفات نفدت طبعاتها أو يصعب العثور عليها في المكتبات التجارية. وفي ظل ارتفاع أسعار الورق والنشر، يصبح الكتاب المستعمل أداة من أدوات دمقرطة القراءة.
غير أن المعرض يحتاج إلى تطوير بنيته الثقافية حتى لا يظل مجرد سوق موسمي. ويمكن أن ترافق عملية البيع لقاءات مع الكتّاب، وورشات للأطفال، وجلسات لتبادل الكتب، وفضاءات لتقييم المخطوطات القديمة وحفظها. كما ينبغي الاهتمام بتنظيم الأروقة وتصنيف الكتب وحماية الزوار والعارضين من ظروف الصيف، حتى يتحول المعرض إلى مهرجان حقيقي للقراءة وليس إلى تجمّع تجاري عابر.
معرض سمية جلال: حضور الفن التشكيلي خارج ضجيج المهرجانات
تواصل فيلا الفنون بالدار البيضاء، إلى غاية 31 يوليوز 2026، احتضان معرض للفنانة سمية جلال، وهو من بين المعارض التشكيلية المستمرة خلال الموسم الصيفي. ويمثل استمرار المعرض طوال عدة أسابيع نموذجًا مغايرًا للحفلات والمهرجانات التي تنتهي خلال ليلة أو ليلتين، إذ يتيح للجمهور زيارة الأعمال في أوقات متعددة والتفاعل معها في فضاء هادئ. (SNRTnews)
تكتسب المعارض الفردية أهميتها من قدرتها على تقديم مسار الفنان لا مجرد لوحات متفرقة. فهي تتيح بناء علاقة تأملية بين المتلقي والعمل، وتمنح النقد الفني فرصة لفهم التحولات التقنية والموضوعات التي تشتغل عليها الفنانة. وفي مدينة سريعة الإيقاع مثل الدار البيضاء، تصبح فيلا الفنون واحدة من المساحات القليلة التي تسمح باستعادة البطء الضروري لمشاهدة اللوحة والتفكير فيها.
لكن ضعف التغطية الإعلامية للفنون التشكيلية مقارنة بالموسيقى والسينما يظل عائقًا أمام توسيع جمهور المعارض. فكثير من هذه الأنشطة لا يصل خبرها إلا إلى دوائر محدودة من الفنانين والمهتمين. ولذلك تبدو الحاجة ملحة إلى ربط المعارض ببرامج تربوية وزيارات مدرسية وجولات مصحوبة بمرشدين، إلى جانب إنتاج محتوى رقمي يشرح الأعمال ويقربها من الجمهور غير المتخصص.
مهرجان إفران الدولي: الثقافة في خدمة المجال والبيئة
أُعلن خلال الأيام الماضية عن استعداد مدينة إفران لاحتضان الدورة الثامنة من مهرجان إفران الدولي، خلال الفترة من 25 إلى 28 يوليوز 2026. وتنظم التظاهرة جمعية منتدى إفران للثقافة والتنمية بشراكة مع السلطات الإقليمية وشركاء محليين وجهويين ووطنيين، في دورة تسعى إلى الجمع بين الإبداع الفني وجمالية الطبيعة وقضايا التنمية المستدامة. (جريدة العالم الأمازيغي)
يحمل تنظيم مهرجان فني في إفران معنى يتجاوز الترفيه؛ فالمدينة ترتبط في المخيال المغربي بالغابات والثلوج والسياحة الجبلية، ويمكن للثقافة أن تضيف إلى هذه الصورة بعدًا إبداعيًا جديدًا. كما يسمح المهرجان بدعم الحرفيين والمنتجين المحليين والفنانين الأمازيغ، ويمنح المنطقة فرصة لاستقطاب الزوار خارج المواسم السياحية التقليدية.
غير أن رفع شعار التنمية المستدامة يفرض أن ينعكس ذلك على تفاصيل التنظيم، من تدبير النفايات إلى النقل واستهلاك الطاقة وحماية الغابات. كما ينبغي ألا يقتصر الحضور المحلي على الفلكلور الموازي للحفلات، بل يجب أن يكون سكان المنطقة وفنانوها جزءًا من وضع البرنامج وصناعة القرار الثقافي. فالمهرجان الناجح هو الذي يترك أثرًا بعد إسدال الستار، سواء عبر تكوين الشباب أو دعم المشاريع المحلية أو تحسين البنية الثقافية للمدينة.
موسيقى الجاز احتفاءً بعيد العرش: الفن السيمفوني يخرج إلى الجمهور
أعلن المسرح الوطني محمد الخامس، يوم 17 يوليوز، عن جولة موسيقية مجانية لفرقة الجاز التابعة للأوركسترا السيمفونية الملكية، بمناسبة عيد العرش. ويتضمن البرنامج تقديم مختارات من أشهر مقطوعات الجاز تحت قيادة المايسترو أوليغ ريشيتكين، ومن بين المواعيد المعلنة حفل يوم 28 يوليوز في المسرح الوطني محمد الخامس بالرباط. (Théâtre Mohammed V)
تكمن أهمية هذه المبادرة في الجمع بين المؤسسة الموسيقية الرسمية وفن نشأ تاريخيًا بوصفه تعبيرًا عن الحرية والارتجال والتعدد الثقافي. كما أن مجانية بعض العروض تفتح المجال أمام فئات لا تستطيع عادةً حضور الحفلات السيمفونية، وتساعد على توسيع قاعدة الجمهور وتعريفه بموسيقى الجاز بعيدًا عن صورتها النخبوية.
ويمكن لهذه المبادرة أن تصبح أكثر تأثيرًا إذا رافقتها لقاءات تربوية تشرح تاريخ الجاز وآلاته وعلاقته بالموسيقى الإفريقية. فالمغرب، بما يمتلكه من تراث إيقاعي غني، قادر على إنتاج حوار موسيقي خصب بين الجاز وكناوة والعيطة والملحون والموسيقى الأمازيغية، بدل الاكتفاء بأداء المعايير العالمية المعروفة.
مهرجان الفادو المغربي: الرباط تستعد لاستقبال ذاكرة لشبونة
أعلن المسرح الوطني محمد الخامس خلال الأيام الماضية عن عودة مهرجان الفادو إلى الرباط يومي 10 و11 شتنبر 2026، في دورته المغربية الثامنة. ويستضيف المهرجان فنانين من البرتغال، من بينهم تيريزينيا لانديرو، ويأتي ضمن جولة دولية تشمل مدنًا في أوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا. (Théâtre Mohammed V)
يمثل الفادو واحدًا من أكثر الأشكال الموسيقية ارتباطًا بالحنين والفقدان والبحر والهجرة، وهي موضوعات تتقاطع في جوانب كثيرة مع الذاكرة الموسيقية المغربية. واستضافة هذا الفن في الرباط ليست مجرد استيراد لعرض أجنبي، بل فرصة لاستكشاف الروابط التاريخية والوجدانية بين ضفتي الأطلسي والمتوسط، خصوصًا أن المغرب والبرتغال تجمعهما ذاكرة جغرافية وثقافية طويلة.
ومن المفيد أن يتجاوز المهرجان صيغة الحفلات المنفردة إلى إنتاج لقاءات مشتركة بين فناني الفادو والموسيقيين المغاربة. فالحوار بين الفادو والملحون أو الموسيقى الأندلسية يمكن أن ينتج أعمالًا جديدة، ويحول التبادل الثقافي من الاستضافة المؤقتة إلى التعاون والإبداع المشترك.
حركية واضحة وأسئلة حول العدالة الثقافية
تُظهر حصيلة الأيام الماضية أن المغرب يعيش موسمًا ثقافيًا وفنيًا غنيًا، تتجاور فيه الموسيقى الشعبية والراي والعيطة والجاز والفادو والفنون التشكيلية والكتاب المستعمل. كما يتضح اتساع دائرة المدن المنظمة للتظاهرات، فلم يعد النشاط مقتصرًا على الرباط والدار البيضاء ومراكش، بل امتد إلى تطوان والداخلة وإفران ومدن أخرى. وتشير هذه الحركية إلى تنامي وعي المؤسسات والجماعات والفاعلين الخواص بأهمية الثقافة في تنشيط المدن وجذب السياح وصناعة صورتها.
لكن الازدهار العددي لا ينبغي أن يحجب الفوارق القائمة بين المدن والمناطق. فبعض الجهات ما تزال تفتقر إلى المسارح والمعارض ودور السينما والمكتبات، بينما تستفيد مدن محددة من أغلب الاستثمارات الثقافية. كما أن ارتفاع أثمان بعض الحفلات يجعل جزءًا من العرض الفني خارج قدرة شرائح واسعة من المواطنين، وهو ما يبرز قيمة المبادرات المجانية والمعارض المفتوحة والمهرجانات المحلية.
إن التحدي الأكبر أمام السياسة الثقافية المغربية لا يتمثل في تنظيم مزيد من الحفلات فحسب، بل في تحويل هذه الحيوية الصيفية إلى ممارسة دائمة تمتد طوال السنة. ويتطلب ذلك بناء قاعات محلية، ودعم الفرق والفنانين الشباب، وتطوير التربية الفنية في المدارس، وتشجيع الإعلام الثقافي والنقد، وربط المهرجانات ببرامج تكوين وإنتاج واضحة. عندها فقط يمكن للمغرب أن ينتقل من بلد ينظم تظاهرات ثقافية ناجحة إلى مجتمع تصبح فيه الثقافة حقًا يوميًا وأداة للتنمية والمعرفة والحوار.







0 التعليقات:
إرسال تعليق