الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، يوليو 18، 2026

الَّتي تسْكُنُنِي لَا تعْرِفُ اسْمِي: عبده حقي


لَمْ أَخْرُجْ مِنْ بَيْتِي، بَلْ خَرَجَ الْبَيْتُ مِنِّي، وَمَضَى يُجَرْجِرُ أَبْوَابَهُ كَمَا تَجُرُّ السَّلَاحِفُ أَعْمَارَهَا عَلَى رَمْلٍ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ. وَكَانَ الصَّيْفُ يَنْتَظِرُنِي عِنْدَ أَوَّلِ انْعِطَافَةٍ، مُتَّكِئًا عَلَى ظِلِّ شَمْسٍ نَسِيَتْ أَنْ تَغْرُبَ. نَظَرَ إِلَيَّ بِعَيْنَيْنِ مِنْ قَمْحٍ، وَقَالَ: «إِنَّ الْفَصُولَ تَمُوتُ، وَلَكِنَّ الضَّوْءَ يَبْقَى يَتَنَقَّلُ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ.»

فَحَمَلْتُ اسْمِي عَلَى كَتِفِي، وَمَشَيْتُ.

لَمْ أَكُنْ أَمْشِي فِي طَرِيقٍ، بَلْ كَانَتِ الطُّرُقُ هِيَ الَّتِي تَعْبُرُنِي، وَكُلُّ طَرِيقٍ يُخَلِّفُ فِي ضُلُوعِي شَجَرَةً، وَكُلُّ شَجَرَةٍ تُخَلِّفُ فِي دَمِي طَائِرًا، وَكُلُّ طَائِرٍ يَتَرُكُ فِي لِسَانِي نُقْطَةَ مَاءِ. وَعِنْدَمَا تَكْثُرُ النِّقَاطُ، يَتَحَوَّلُ الْكَلَامُ إِلَى نَهْرٍ، وَيَصِيرُ النَّهْرُ مِرْآةً لِسَمَاءٍ لَا تَعْرِفُ الْغُيُومَ.

رَأَيْتُ الْحُقُولَ تَرْتَدِي فَسَاتِينَ مِنَ الرِّيحِ، وَرَأَيْتُ الزُّهُورَ تُصَفِّفُ شَعْرَهَا بِأَمْشَاطٍ مِنَ النَّحْلِ، وَرَأَيْتُ الْجِبَالَ تُرَبِّي فِي جُيُوبِهَا أَطْفَالًا مِنَ الصَّخْرِ، يَضْحَكُونَ كُلَّمَا سَقَطَتْ نَجْمَةٌ فِي بِئْرٍ قَدِيمٍ.

وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي الْوَحِيدُ الَّذِي يَرَى، ثُمَّ اكْتَشَفْتُ أَنَّ الْأَعْشَابَ كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَيَّ أَيْضًا، وَأَنَّ الظِّلَالَ تَكْتُبُ سِيرَتِي الذَّاتِيَّةَ عَلَى ظَهْرِ النُّورِ، وَأَنَّ الرِّيحَ تُصَحِّحُ أَخْطَاءَ ذَاكِرَتِي كُلَّمَا أَثْقَلَتْهَا السِّنُونَ.

ثُمَّ بَلَغْتُ بُحَيْرَةً لَا مَاءَ فِيهَا، بَلْ امْتَلَأَتْ بِالْمَرَايَا. كُلُّ مِرْآةٍ كَانَتْ تَعْكِسُ وُجُوهًا لَمْ أَعِشْهَا، وَأَعْمَارًا لَمْ أَلْبَسْهَا، وَأُمَّهَاتٍ يَنْسُجْنَ الْغُرُوبَ مِنْ صُوفِ الْحَنِينِ. وَكُلَّمَا اقْتَرَبْتُ مِنْ وَجْهٍ، ابْتَعَدَ عَنِّي زَمَنٌ كَامِلٌ.

فَسَأَلْتُ الْبُحَيْرَةَ:

مَنْ أَنَا؟

فَقَالَتْ:

أَنْتَ الْمَاءِ إِذَا تَذَكَّرَ أَنَّهُ كَانَ غَيْمَةً.

وَمَضَيْتُ.

كَانَتِ الْأَشْجَارُ تُصْغِي إِلَى أَقْدَامِي، وَتُسَجِّلُ خَطَوَاتِي فِي حَلَقَاتِهَا السَّنَوِيَّةِ، حَتَّى إِنَّ إِحْدَى السَّنَوَاتِ اخْتَلَطَتْ بِأُخْتِهَا، فَوُلِدَ خَرِيفٌ فِي وَسَطِ الصَّيْفِ، وَلَكِنَّ الْفَرَاشَاتِ لَمْ تَحْتَجَّ؛ لِأَنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّ الْأَلْوَانَ لَا تُطِيعُ التَّقْوِيمَ.

وَصَادَفْتُ شَاخًا يَحْمِلُ عَلَى ظَهْرِهِ سُلَّمًا مِنَ الضَّوْءِ.

سَأَلْتُهُ:

إِلَى أَيْنَ يَقُودُ هَذَا السُّلَّمُ؟

فَقَالَ:

إِلَى الْأَمْسِ، إِذَا اشْتَقْتَ إِلَيْهِ، وَإِلَى الْغَدِ، إِذَا سَامَحْتَهُ.

فَصَعِدْتُ.

وَفِي كُلِّ دَرَجَةٍ كَانَتْ شَمْسٌ صَغِيرَةٌ تَنَامُ، وَفِي كُلِّ شَمْسٍ كَانَ طِفْلٌ يُلَوِّحُ لِي بِمِنْدِيلٍ مِنْ نُورٍ، وَيَقُولُ:

«لَا تَتْرُكْنِي فِي الْمَسَاءِ.»

فَجَمَعْتُ الشَّمْسَ تِلْوَ الشَّمْسِ، وَخَبَّأْتُهَا فِي جَيْبٍ خُلِقَ مِنْ أَغَانِي الْعَصَافِيرِ.

وَعِنْدَمَا ثَقُلَ الْجَيْبُ، شَعَرْتُ أَنَّ الْكَوْنَ أَخَفُّ مِنْ رِيشَةٍ.

وَكَانَتِ الْقُرَى تَمُرُّ بِي كَأَنَّهَا سُفُنٌ بَرِّيَّةٌ، وَكَانَ النَّاسُ يَبْتَسِمُونَ لِلرِّيحِ قَبْلَ أَنْ يَبْتَسِمُوا لِبَعْضِهِمْ، وَكَانَتِ الْأَبْوَابُ تَفْتَحُ نَفْسَهَا لِلْعَابِرِينَ، لِأَنَّهَا تَعِبَتْ مِنَ الِانْتِظَارِ.

هُنَاكَ فَهِمْتُ أَنَّ الْوَطَنَ لَيْسَ تُرَابًا، بَلْ ضَوْءٌ يَعْرِفُ اسْمَكَ قَبْلَ أَنْ تَنْطِقَهُ.

وَلَمَّا أَقْبَلَ الْمَسَاءُ، جَاءَتِ الظِّلَالُ تُطَالِبُنِي بِالشَّمْسِ.

قَالَتْ:

أَعِدْهَا إِلَى السَّمَاءِ.

قُلْتُ:

لَنْ أُعِيدَهَا.

قَالُوا:

وَلِمَاذَا؟

قُلْتُ:

لِأَنَّ الْبَشَرَ تَعِبُوا مِنْ حِرَاسَةِ الظَّلَامِ، وَآنَ لِلضَّوْءِ أَنْ يَسْكُنَ فِي قُلُوبِهِمْ.

فَانْحَنَتِ السَّمَاءُ قَلِيلًا، وَابْتَسَمَ الْقَمَرُ كَمَنْ وَجَدَ أَخًا كَانَ قَدْ فَقَدَهُ مُنْذُ أَوَّلِ الْخَلْقِ.

وَعِنْدَمَا عُدْتُ، لَمْ أَجِدْ بَيْتِي؛ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى شَجَرَةٍ، وَلَمْ أَجِدِ الْبَابَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ نَهْرًا، وَلَمْ أَجِدِ الْمِفْتَاحَ؛ لِأَنَّهُ تَحَوَّلَ إِلَى زَقْزَقَةٍ تَطِيرُ فَوْقَ الرُّءُوسِ.

فَعَرَفْتُ أَنَّ الرِّحْلَاتِ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تُغَيِّرُ الْأَمَاكِنَ، بَلْ تُغَيِّرُ الْأَسْمَاءَ الَّتِي نُطْلِقُهَا عَلَى أَرْوَاحِنَا.

وَمِنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، كُلَّمَا سَأَلَنِي أَحَدٌ:

«أَيْنَ ذَهَبَ الصَّيْفُ؟»

أَبْتَسِمُ، وَأُرَبِّتُ عَلَى جَيْبِي الْخَفِيِّ، وَأَقُولُ:

لَمْ يَرْحَلِ الصَّيْفُ... إِنَّنَا نَحْنُ الَّذِينَ احْتَفَظْنَا بِالشَّمْسِ.


0 التعليقات: