لقد نجح بيدرو سانشيز، الرجل القوي في إسبانيا، في الحصول على وعود والتزامات غير مسبوقة في تاريخ العلاقات الاقتصادية بين الجزائر وإسبانيا. وانتزع سانشيز من الجزائر تسوية لم يُعلَن عنها رسميًّا، وما تزال إلى اليوم سرية، ولا ترغب السلطات الجزائرية في الحديث عنها.
لماذا؟ لأن الجزائر التزمت بتزويد إسبانيا بكميات إضافية كبيرة من الغاز، مع ما قد يترتب على ذلك من مخاطر تمس استهلاكها الوطني. فالجزائر هي المورّد الأول للغاز الطبيعي إلى إسبانيا، غير أن مدريد تريد الحصول على كميات أكبر من تلك التي تبيعها لها الجزائر حاليًّا.
وبحسب التحقيقات التي أجريناها، سنكشف في هذا
البرنامج كيف نجح بيدرو سانشيز في إقناع الجزائر بالموافقة على زيادة إمدادات
الغاز الطبيعي عبر خط أنابيب «ميدغاز» بنسبة 12.5 في المائة. كما نجح في التفاوض
مع الرئيس عبد المجيد تبون بشأن زيادة تقارب 50 في المائة في شحنات الغاز الطبيعي
المسال، أي ما يعادل تقريبًا مضاعفة الكميات التي ستسلّمها الجزائر خلال السنة
المقبلة.
ويتعلق الأمر بكميات إضافية مهمة من الغاز
الطبيعي المسال، وهو الغاز الذي يُحوَّل إلى سائل، ثم يُنقل على متن ناقلات الغاز
إلى الموانئ الإسبانية.
الأرقام التي سنكشف عنها اليوم مهمة، وهي
ثمرة تحقيق أجريناه بالاعتماد على عدد من المصادر الدبلوماسية، التي أكدت لنا أن
الموضوع الأساسي في المحادثات بين عبد المجيد تبون وبيدرو سانشيز كان، كما حدث في
المباحثات مع ألمانيا، هو الغاز.
ما الذي جاء سانشيز للبحث عنه في الجزائر؟
لم يأت فقط من أجل المصالحة مع الجزائر، أو
من أجل إرضاء تبون أو سعيد شنقريحة وغيرهما من المسؤولين الجزائريين. لقد جاء إلى
الجزائر للدفاع عن المصالح العليا لبلاده، والمصلحة العليا لإسبانيا في هذه
المرحلة هي الغاز.
تريد إسبانيا من الجزائر زيادة إمدادات الغاز
الطبيعي عبر خط «ميدغاز» بنسبة 12.5 في المائة. ويُعد «ميدغاز» خط الأنابيب الذي
يربط الجزائر مباشرة بإسبانيا من دون المرور عبر المغرب، خلافًا لخط أنابيب الغاز
المغاربي الأوروبي الذي أوقفته الجزائر في أكتوبر/تشرين الأول 2021.
ويربط خط «ميدغاز» مدينة بني صاف الجزائرية
بمدينة ألمرية الإسبانية مباشرة، وهو خط أنابيب استراتيجي تبلغ طاقته الرسمية نحو
عشرة مليارات متر مكعب سنويًّا. غير أن إسبانيا ترغب في رفع طاقته إلى 11.7 مليار
متر مكعب سنويًّا، أي زيادة الإمدادات اليومية من 28 مليون متر مكعب إلى 32 مليون
متر مكعب.
لقد طلبت إسبانيا ذلك من الجزائر ونجحت في
إقناعها به، إلا أنه لم يجرِ حتى الآن توقيع اتفاق رسمي أو الإعلان عنه. وفي الوقت
الراهن، يظل الأمر اتفاقًا غير رسمي، ولذلك بقي سرًّا ولم تؤكده بعدُ السلطات
الجزائرية أو الإسبانية، لأن الموضوع يتعلق بمصالح تجارية حساسة وبزيادة قدرة خط
«ميدغاز» على نقل الغاز الطبيعي.
ومن المفترض أن ترتفع الكميات المنقولة عبر
الخط من 10.2 مليارات متر مكعب إلى 11.7 مليار متر مكعب سنويًّا. وهذا يعني أن
الجزائر، بدل أن تسلّم إسبانيا 28 مليون متر مكعب يوميًّا، ستسلّمها 32 مليون متر
مكعب يوميًّا، وهي كمية تتجاوز القدرة الاسمية التاريخية لخط «ميدغاز».
والهدف هو تشغيل الخط بأقصى طاقته، وربما
الشروع في أشغال لتوسيعه وتعزيز قدرته على نقل الغاز.
وبالتوازي مع ذلك، تفاوض بيدرو سانشيز مع
السلطات الجزائرية بشأن هدف أكثر طموحًا، يتمثل في مضاعفة إمدادات الغاز الطبيعي
المسال. ولا يتعلق الأمر هنا بالغاز المنقول عبر الأنابيب، بل بالغاز الطبيعي
المسال الذي يصل إلى الموانئ الإسبانية على متن ناقلات الغاز.
كانت الجزائر تبيع إسبانيا نحو 0.8 مليار متر
مكعب من الغاز الطبيعي المسال سنويًّا، بينما ترغب إسبانيا في شراء نحو 1.8 مليار
متر مكعب سنويًّا.
وفي المجموع، تطمح مدريد إلى شراء ما بين 13
و13.5 مليار متر مكعب من الغاز الجزائري سنويًّا، في حين أنها تشتري حاليًّا ما
بين عشرة مليارات واثني عشر مليار متر مكعب في أقصى الحالات.
وهذا يعني أن الجزائر مطالبة ببيع إسبانيا ما
بين مليار ومليار ونصف مليار متر مكعب إضافي من الغاز. فإسبانيا تريد كميات أكبر،
بينما لا تتوفر الجزائر على فائض كافٍ في قدراتها الإنتاجية، ولذلك كان من الضروري
التوصل إلى تسوية تمنح الأولوية للغاز المنقول عبر الأنابيب، لأنه أقل تكلفة من
الغاز الطبيعي المسال الذي سيكون ثمنه أعلى بالنسبة إلى إسبانيا.
ولهذا السبب سعت إسبانيا بكل الوسائل إلى
إقناع النظام الجزائري بإجراء أشغال جديدة في خط «ميدغاز» ورفع قدرته على نقل
الغاز. فإذا اضطرت مدريد إلى شراء جميع الكميات الإضافية في صورة غاز طبيعي مسال،
فستتحمل تكاليف باهظة للغاية.
وقد توصلت إسبانيا إلى تسوية ذكية، لكن
السؤال المطروح الآن هو: من أين ستأتي الجزائر بهذه الكميات الإضافية من الغاز؟
إن إنتاج الغاز في الجزائر يتراجع من سنة إلى
أخرى. وحتى إذا سجل أحيانًا زيادات طفيفة، فإن القدرة على التصدير تتراجع بسبب
ارتفاع الاحتياجات الوطنية.
ينبغي التذكير بأن نحو 65 في المائة من الغاز
الجزائري يُستهلك محليًّا، وأن الاستهلاك الوطني يواصل الارتفاع. فالجزائر بلد
يقترب عدد سكانه من خمسين مليون نسمة، وقد يبلغ هذا الرقم أو يتجاوزه.
وإذا اعتمدنا التوقعات التي وضعتها شركة
سوناطراك ووزارة الطاقة، فإن أكثر من 70 في المائة من الغاز الذي ستنتجه الجزائر
سيُستهلك محليًّا.
والطريقة الوحيدة التي تسمح بتصدير كميات
إضافية من الغاز الطبيعي نحو ألمانيا أو إسبانيا هي الحد من الاستهلاك الداخلي، أو
إدخال حقول ومكامن جديدة مرحلةَ الإنتاج.
غير أن ذلك ليس أمرًا سهلًا، لأن استغلال
الغاز في الجزائر بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي، بل تعود بعض أنشطته إلى ما قبل
الاستقلال تقريبًا، وخصوصًا في حقل حاسي الرمل، الذي يُعد من أقدم حقول الغاز
الكبرى في العالم.
ولحقول الغاز الطبيعي عمر افتراضي محدود،
فالغاز ليس طاقة متجددة. وتمتلك الجزائر حقلين كبيرين، هما رورد النوس وحاسي
الرمل، اللذان يمثلان معًا نحو 70 في المائة من الإنتاج الوطني للغاز.
وهذان الحقلان يتقدمان في العمر، وقد بدأ
تراجعهما الطبيعي. لذلك فإن الحل الوحيد المتاح أمام الجزائر لتوفير كميات إضافية
للتصدير هو تقليص استهلاكها الوطني.
فهل سيقرر النظام إعطاء الأولوية للطاقات
المتجددة لتلبية الاستهلاك المحلي؟
إن الدول الأوروبية مستعدة لتمويل مشروعات
الطاقات المتجددة في الجزائر، غير أن هذه المشروعات لم تُطلَق بعدُ بالحجم
المطلوب، كما أن قدراتها التشغيلية ما تزال ضعيفة.
لقد رأينا، من خلال انقطاعات الكهرباء، أن
الجزائر تعتمد بنسبة تقارب 99 في المائة على الغاز لإنتاج الطاقة الكهربائية.
ولذلك، فإن تقليص استهلاك الغاز يتطلب إيجاد مصادر أخرى للطاقة من أجل إنتاج
الكهرباء وتشغيل الصناعة والاقتصاد، بينما لا تزال الطاقات المتجددة في مرحلة تطور
محدودة جدًّا.
وقد تكون هناك تخفيضات في الاستهلاك، أو
تقليص للكميات المخصصة للسوق المحلية، أو تراجع في عمليات ربط المنازل بشبكات غاز
المدينة، وذلك لتمكين الصادرات من بلوغ الأهداف التي جرى تحديدها أو التفاوض
بشأنها مع ألمانيا وإسبانيا.
وفي جميع الأحوال، يظل هذا موضوع تحقيق نواصل
البحث فيه.
ومن اللافت أن الجزائر لا تتوقف عن تقديم
التزامات جديدة، وتكرر أن لديها غازًا للبيع، بينما يظل الإنتاج في حالة ركود
حقيقية. وقد يسجل الإنتاج نموًّا يتراوح بين اثنين وثلاثة في المائة، لكن هذه
النسبة لا تعكس توسعًا كبيرًا، بل تبقى أقرب إلى الركود، فضلًا عن أن بعض الأرقام
نفسها ليست مؤكدة.
وفي الوقت ذاته، تتراجع القدرة على التصدير.
ومع ذلك، فإن الجزائر حققت مكسبًا مهمًّا، إذ
نجحت في تحويل الغاز إلى أداة للنفوذ. فالكميات محدودة، والأسعار ارتفعت، والمكانة
السياسية للجزائر عادت إلى الواجهة.
ستربح الجزائر أموالًا من بيع كميات إضافية
من الغاز إلى إسبانيا، وهذا أمر واضح. وقد يؤثر ذلك في الطلب الوطني والاستهلاك
الداخلي، لكنها ستحقق إيرادات مالية، وستعزز قيمتها السياسية، لأنها ستصبح دولة لا
يمكن الاستغناء عنها في سوق الطاقة.
أما إسبانيا، فتسعى إلى شراء أمن إمداداتها
في سوق عالمية مضطربة بفعل الحروب في الشرق الأوسط والحرب في أوكرانيا، كما شهدنا
خلال السنوات الماضية.
وتتجه العلاقات بين إسبانيا والجزائر إلى
مزيد من التنوع والتعزيز. فإسبانيا تريد الاستثمار في الجزائر، ومساعدتها على
تطوير الطاقات المتجددة، وتحسين التعاون الاقتصادي المتعدد الأبعاد بما يسمح
للجزائر بالاستفادة منه.
وعند النظر إلى الأرقام، يتضح أن الغاز يشكل
فعلًا الإسمنت الذي يربط العلاقات الجزائرية الإسبانية.
فخلال النصف الأول من سنة 2026، سلّمت
الجزائر لإسبانيا نحو ستة مليارات متر مكعب من الغاز، وهو رقم قياسي. وقد نُقل نحو
5.6 مليارات متر مكعب عبر خط «ميدغاز» الذي يربط بني صاف بألمرية مباشرة، فيما
نُقل نحو 0.4 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال على متن ناقلات الغاز.
وبهذه الكميات، غطت الجزائر خلال النصف الأول
من سنة 2026 نحو 33.9 في المائة، أي قرابة 34 في المائة، من واردات إسبانيا من
الغاز خلال الفترة نفسها.
وفي يونيو/حزيران 2026 وحده، ارتفعت حصة
الجزائر إلى 40.3 في المائة من إجمالي احتياجات إسبانيا من الغاز، بحسب الإحصاءات
التي حصلنا عليها.
وهذا ما يجعل الجزائر المورّد الأول للغاز
الطبيعي إلى إسبانيا، متقدمة على الولايات المتحدة. فقد سبقت الولايات المتحدة
الجزائر خلال بعض السنوات بفضل شحنات الغاز الصخري، إلا أن الجزائر استعادت موقعها
في هذه المنافسة، وأصبحت مجددًا المورّد الأول الذي لا يمكن الاستغناء عنه.
لقد تفاوض بيدرو سانشيز في الجزائر بشأن
اتفاق سياسي سيمهد لتقديم إمدادات جديدة من الغاز، وستُعرف الأرقام الدقيقة لاحقًا
على الأرجح.
وهكذا تم تجاوز مرحلة الاضطراب وسوء التفاهم
والتوترات التي طبعت العلاقات بين الجزائر وإسبانيا، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى الغاز.
فحتى في ذروة الأزمة السياسية والدبلوماسية بين عامي 2022 و2024، لم يستطع نظام
تبون قطع إمدادات الغاز عن إسبانيا.
والسبب هو أن الجزائر تحتاج إلى إسبانيا وإلى
الأموال الإسبانية. فإسبانيا هي ثاني أكبر زبون للغاز الجزائري بعد إيطاليا، ولا
يمكن للجزائر الاستغناء عن ثاني أكبر عملائها، لأن مليارات الدولارات على المحك،
كما أن النزاعات الدولية قد تكون مكلفة جدًّا بالنسبة إليها.
وبما أن إسبانيا زبون جيد ومشترٍ كبير للغاز
الجزائري، فقد دفع ذلك النظام الجزائري إلى مراجعة سياسته، والتقرب من مدريد،
والقبول بالتفاوض بشأن تسوية أو صفقة تؤدي إلى تطبيع العلاقات.
لقد أنقذ الغاز، بطريقة ما، العلاقات
الجزائرية الإسبانية. وسمح للجزائر وإسبانيا بتجاوز أزمتهما الدبلوماسية والسياسية
واستئناف التقارب بينهما.
ويبدو أننا لسنا في نهاية هذا التقارب، بل في
بداية شهر عسل جديد.
وأختم هذا البرنامج ببعض الأرقام المهمة التي
تبين أننا عدنا من بعيد.
فقد كانت الصادرات الإسبانية إلى الجزائر
تبلغ نحو 2.9 مليار يورو، ثم تراجعت إلى 332 مليون يورو فقط سنة 2023. كما فقدت
8934 شركة إسبانية إمكانية الوصول إلى السوق الجزائرية.
واستؤنفت المبادلات التجارية بصورة محتشمة في
نوفمبر/تشرين الثاني 2024، لكن سنة 2026 تشهد عودة كاملة للعلاقات الاقتصادية.
وقد بلغ حجم المبادلات الاقتصادية نحو 8.5
مليارات يورو سنة 2025، فيما ارتفعت الصادرات الإسبانية إلى الجزائر بنسبة 270 في
المائة خلال عام واحد، لتقترب قيمتها من ملياري يورو.
وهكذا يعود الإسبان بقوة إلى السوق الجزائرية.







0 التعليقات:
إرسال تعليق