رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل من مكاتب الاتصال إلى السفارات ليس بالنسبة إلي مجرد تغيير في اليافطة المعلقة على باب بعثة دبلوماسية. إنه انتقال سياسي له دلالته، لأنه يجعل العلاقة أكثر وضوحًا وأكثر رسمية، وينقلها من مساحة يمكن وصفها بالمرحلية أو القابلة للتراجع إلى مستوى مؤسساتي يحتاج إلى حسابات أدق في الداخل والخارج.
وأنا أقرأ هذه الخطوة انطلاقًا من سؤال مغربي بسيط: ماذا يريد المغرب وملايين المغاربة منها؟ لا أسأل هنا عما تريده إسرائيل، ولا عما تتمناه الولايات المتحدة، بل عن الربح السياسي الذي تبحث عنه الرباط وهي تعرف جيدًا أن علاقتها بإسرائيل تظل واحدة من أكثر ملفات سياستها الخارجية حساسية داخل المجتمع المغربي.
المغرب لا يتحرك، في تقديري، بمنطق المغامرة. دبلوماسيته خلال السنوات الأخيرة أصبحت أكثر التصاقًا بفكرة المصلحة المباشرة، وبمحاولة تحويل كل علاقة خارجية إلى قيمة مضافة في الملفات الكبرى للدولة. ولهذا يصعب فصل هذه الخطوة عن قضية الصحراء، وعن التحولات التي عرفها الموقف الدولي من المقترح المغربي للحكم الذاتي، وعن الرغبة المغربية في تثبيت ما تحقق دبلوماسيًا وتوسيعه.
منذ الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء، أصبحت واشنطن عنصرًا محوريًا في حسابات الرباط. المغرب يعرف أن المواقف الدولية لا تصبح ثابتة لمجرد إعلانها مرة واحدة، بل تحتاج إلى صيانة سياسية مستمرة، وإلى شبكة مصالح تجعل التراجع عنها أكثر كلفة. ومن هنا تبدو العلاقة مع إسرائيل، جزئيًا على الأقل، جزءًا من هندسة أوسع تشمل واشنطن ومراكز التأثير في الغرب وشبكات الاقتصاد والأمن والدبلوماسية.
لكنني لا أختزل هذا المسار في الصحراء وحدها. المغرب يبحث أيضًا عن موقع داخل التحولات الجديدة في المنطقة. العالم العربي لم يعد يتحرك وفق الاصطفافات القديمة نفسها، كما أن مفهوم التحالف أصبح أكثر مرونة. دولة قد تختلف مع أخرى في ملف، وتتعاون معها في ملف ثان، وتنافسها في ملف ثالث. وفي هذا العالم، يحاول المغرب أن يوسع دائرة خياراته بدل أن يبقى أسير محور واحد.
العلاقة مع إسرائيل تمنح الرباط إمكانات في قطاعات متعددة، من التكنولوجيا إلى الأمن السيبراني والزراعة وإدارة المياه والاستثمار والسياحة وبعض الصناعات المتقدمة. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الإمكانات لا تُقاس بحجم الاتفاقات المعلنة، بل بما يصل فعليًا إلى الاقتصاد المغربي، وإلى المقاولة المغربية، وإلى فرص الشغل، وإلى نقل المعرفة. فلا معنى سياسيًا لعلاقة يقال إنها استراتيجية إذا ظلت مكاسبها حبيسة البيانات الرسمية والزيارات البروتوكولية.
التحدي الحقيقي أمام المغرب: كيف يحافظ على علاقة رسمية متقدمة مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه يستمر في الدفاع عن قيام دولة فلسطينية وعن وضع القدس وعن الحقوق الأساسية للفلسطينيين؟ هذا التوازن ليس مستحيلًا نظريًا، لكنه صعب عمليًا. فالرأي العام لا يكتفي عادة بالبيانات الدبلوماسية، بل ينظر إلى الأحداث والنتائج والمواقف الملموسة.
أعتقد أن الرباط تراهن على فكرة أن وجود قناة مباشرة مع إسرائيل قد يكون أكثر فائدة من القطيعة الكاملة. ومن وجهة نظر دبلوماسية، هذه حجة لها منطقها: الدولة التي تتحدث مع طرف ما تستطيع أن تنقل إليه موقفها مباشرة، وقد تمتلك مساحة تأثير أكبر من دولة لا توجد بينها وبينه أي علاقة. لكن هذه الفكرة تحتاج إلى اختبار مستمر، لأن المواطن المغربي من حقه أن يتساءل عن مقدار التأثير الحقيقي الذي يمكن أن تمارسه الرباط، وعن الحدود التي قد تضعها عندما تتعارض المصلحة الدبلوماسية مع الموقف من القضية الفلسطينية.
أما الجزائر، فلا يمكن إخراجها من التحليل. التوتر بين الرباط والجزائر يجعل أي تحرك دبلوماسي مغربي في المنطقة يُقرأ أيضًا من زاوية التنافس بين البلدين. الجزائر تنظر إلى العلاقات المغربية الإسرائيلية بقدر كبير من الريبة، بينما ينظر المغرب إلى الدعم الجزائري لجبهة البوليساريو باعتباره أحد أبرز مصادر التهديد لمصالحه الترابية..
لقد أصبح الصراع المغربي الجزائري معقدًا بما يكفي، وأي إدخال إضافي لمنطق المحاور العسكرية والأمنية فيه قد يجعل المنطقة أكثر هشاشة. لهذا تبدو لي السياسة الأكثر عقلانية هي تلك التي تستفيد من العلاقات الجديدة من دون أن تحولها إلى وقود لتوتر جديد في المغرب الكبير.
الولايات المتحدة من جهتها تبقى عنصرًا أساسيًا في هذه المعادلة. واشنطن ترى في توسيع العلاقات العربية الإسرائيلية جزءًا من تصورها لترتيب المنطقة، والمغرب بدوره ينظر إلى العلاقة الأمريكية باعتبارها شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد. هنا تتقاطع المصالح من دون أن تتطابق بالكامل. أمريكا تريد توسيع دائرة الاندماج الإقليمي لإسرائيل، والمغرب يريد تثبيت شراكته مع واشنطن وتوسيع هامش حركته وتعزيز موقفه في ملف الصحراء.
وهذه بالضبط إحدى خصائص الدبلوماسية الذكية: ألا تتحول الدولة إلى مجرد منفذ لرغبات حلفائها، بل أن تعرف كيف تستخدم تقاطع المصالح للحصول على مكاسبها الخاصة.
داخليًا، أرى أن أصعب ملف أمام الرباط ليس السفارة نفسها، بل تفسيرها للمغاربة. السياسة الخارجية لم تعد حكرًا على وزارات الخارجية والنخب المغلقة. المواطن يتابع الحرب مباشرة على هاتفه، ويرى صور الضحايا، ويقارنها بالتصريحات الرسمية، ويبني موقفه بسرعة. شبكات التواصل جعلت الهوة بين القرار الدبلوماسي والشعور الشعبي أكثر وضوحًا.
لهذا سيكون من الخطأ افتراض أن المغاربة سيتعاملون مع رفع مستوى العلاقات بوصفه تفصيلًا تقنيًا. جزء من المجتمع سيقرأ الخطوة من منظور فلسطين، وجزء آخر سيقرأها من زاوية الصحراء والمصلحة الوطنية، وآخرون سيهتمون بما يمكن أن تحققه اقتصاديًا أو أمنيًا. وهذه التعددية في المواقف طبيعية.
ما يحتاجه المغرب في هذه المرحلة هو خطاب واضح لا يبالغ في تجميل العلاقة ولا يتعامل مع المنتقدين باعتبارهم خارج منطق الدولة. المصلحة الوطنية تصبح أكثر قوة عندما يمكن تفسيرها والدفاع عنها بالحجة والنتيجة، لا بالشعارات.
أنا أرى أن الانتقال إلى السفارات يضع المغرب أمام اختبار جديد أكثر مما يمنحه انتصارًا جاهزًا. الاختبار هو القدرة على إدارة علاقة شديدة الحساسية من دون أن تصبح عبئًا داخليًا، والاستفادة منها في ملف الصحراء من دون اختزال السياسة الخارجية كلها فيه، والحفاظ على العلاقة مع الولايات المتحدة من دون فقدان استقلال القرار، والتعامل مع الجزائر من موقع الثقة لا من موقع التصعيد، ثم إثبات أن دعم فلسطين ليس مجرد فقرة ثابتة في البلاغات الرسمية.
المغرب يريد من هذه الخطوة، كما أفهمها، توسيع أدوات قوته. يريد مزيدًا من الحضور، ومزيدًا من الشركاء، ومزيدًا من الخيارات. لكنه يعرف أيضًا أن القوة الدبلوماسية ليست عدد السفارات فقط، وإنما القدرة على جعل العلاقات الخارجية تعمل لصالح الدولة والمجتمع.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا أصبحت هناك سفارات، بل ماذا سيصنع المغرب بهذه السفارات؟ هل ستتحول إلى رافعة لمصالحه الاستراتيجية والاقتصادية؟ هل ستقوي موقعه في ملف الصحراء؟ هل ستمنحه قناة مؤثرة في القضايا الإقليمية؟ وهل يستطيع في الوقت نفسه أن يحافظ على موقف ذي مصداقية من فلسطين؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد بعد سنوات ما إذا كان قرار اليوم خطوة محسوبة حقًا، أم مجرد توسع دبلوماسي أكبر من العائد الذي حققه.







0 التعليقات:
إرسال تعليق