الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، سبتمبر 17، 2026

ألعاب الفيديو ودماغ المراهق: هل تصنع الشاشة جيلاً مختلفًا عصبيًا؟


ثمة شيء يتغير في غرفة المراهق المعاصر من دون أن نسمع له صوتًا. أصابعه تتحرك فوق لوحة المفاتيح أو جهاز التحكم، عيناه تلاحقان عوالم متحركة بسرعة مذهلة، ودماغه يتعلم، في الوقت نفسه، أن يتعامل مع منظومة من المكافآت والمخاطر والقرارات والإشارات البصرية التي لم تكن جزءًا من طفولة الأجيال السابقة. لذلك لا أرى أن السؤال الحقيقي هو عدد الساعات التي يقضيها أبناؤنا أمام ألعاب الفيديو، بل طبيعة الإنسان الذي يتشكل داخل هذه الساعات. فالشاشة لم تعد نافذة ننظر عبرها إلى العالم؛ لقد أصبحت بيئة ذهنية ندخل إليها، ونعيش بعض الوقت وفق قوانينها وإيقاعاتها ومكافآتها.

هذا السؤال اكتسب بعدًا جديدًا بعد دراسة حديثة نُشرت في مجلة NeuroImage، حللت بيانات 5686 مراهقًا يبلغ متوسط أعمارهم نحو 14.2 سنة ضمن مشروع أمريكي واسع لدراسة نمو الدماغ والقدرات المعرفية. الباحثون قارنوا أنماط ممارسة ألعاب الفيديو بصور الرنين المغناطيسي لبنية القشرة الدماغية، ووجدوا أن قضاء وقت أطول في اللعب ارتبط بانخفاض في سماكة القشرة ومساحتها السطحية في مناطق متعددة من الدماغ. كما ظهرت اختلافات بين اللعب الفردي والجماعي وبين المراهقين الذين يستخدمون بكثرة ألعابًا مصنفة للفئات الأكبر سنًا. 

قد يكون من السهل بعد قراءة هذه النتائج أن نقفز فورًا إلى العبارة الأكثر إثارة: ألعاب الفيديو تغيّر دماغ المراهق. لكنني أعتقد أن مثل هذه العبارة تختصر العلم إلى حد تشويهه. الدراسة تتحدث عن ارتباطات بين أنماط اللعب وبعض الخصائص التشريحية للدماغ، ولا تقول إن اللعبة أمسكت بالقشرة الدماغية وأعادت تشكيلها مباشرة. بل إن الباحثين أنفسهم يؤكدون أن انخفاض سماكة القشرة ومساحتها خلال المراهقة يمكن أن يكون جزءًا من التطور الطبيعي للدماغ، وأن الدراسات المستقبلية مطالبة بتحديد ما إذا كانت الاختلافات المرصودة تتجاوز المسار الطبيعي للنمو، والأهم من ذلك تحديد اتجاه العلاقة السببية.

وهنا، في رأيي، تكمن أهمية الدراسة الحقيقية. فهي لا تعطينا حكمًا جاهزًا بقدر ما تضع أمامنا سؤالًا تربويًا وعصبيًا جديدًا: ماذا يحدث عندما يصبح جزء معتبر من عملية نمو الدماغ مرتبطًا ببيئات مصممة لجذب الانتباه لأطول مدة ممكنة؟

دماغ المراهق ليس دماغًا بالغًا بحجم أصغر. إنه ورشة عصبية مفتوحة، تتحول فيها شبكات الانتباه والتحكم واتخاذ القرار والاستجابة للمكافأة والتفاعل الاجتماعي. وما يدخل إلى هذه الورشة يوميًا ليس بلا أثر. القراءة تؤثر، الموسيقى تؤثر، الرياضة تؤثر، العلاقات الاجتماعية تؤثر، النوم يؤثر، وكذلك البيئة الرقمية. المسألة إذن ليست في كون ألعاب الفيديو قادرة على التأثير في الدماغ، فهذا أمر يكاد يكون بديهيًا بالنسبة إلى أي نشاط متكرر، بل في طبيعة ذلك التأثير واتجاهه ومداه.

وما يلفتني أكثر هو أن الألعاب لم تعد نشاطًا واحدًا يمكن وضعه داخل سلة واحدة. ثمة فرق هائل بين لعبة استراتيجية تتطلب التخطيط والصبر، ولعبة تنافسية سريعة، وتجربة تعاونية يتواصل فيها اللاعب مع أصدقاء، ولعبة فردية غارقة في السرد، ومنظومة تجارية مصممة حول الجوائز المتكررة والمشتريات والمكافآت الفورية. الدراسة نفسها رصدت أنماطًا مختلفة بحسب نوع اللعب، إذ ارتبط اللعب الفردي بتغيرات في مناطق ذات صلة بمعالجة اللغة والإدراك الاجتماعي، بينما لم تظهر العلاقة نفسها بالطريقة ذاتها لدى اللعب الجماعي. 

لهذا أرفض وضع عبارة «ألعاب الفيديو» في خانة تشخيصية واحدة، كما لو أننا نتحدث عن مادة كيميائية ذات تأثير ثابت. اللعبة محتوى، وتصميم، وسلوك، وسياق اجتماعي، ومدة استعمال، وعمر مستخدم، وحالة نفسية في الوقت نفسه.

المشكلة تبدأ في نظري عندما يتحول اللعب من نشاط يملأ جزءًا من اليوم إلى بنية يعاد ترتيب اليوم كله من أجلها. هنا لا تعود المسألة متعلقة فقط بما يجري أثناء اللعب، بل بما يختفي بسببه: ساعة النوم التي تقل، الحركة الجسدية التي تتراجع، الكتاب الذي لا يُفتح، الحديث العائلي الذي يقصر، الصديق الحقيقي الذي يصبح أقل حضورًا، والملل الطبيعي الذي لم نعد نسمح للمراهق بتجربته.

والملل، على عكس ما نتصور، ليس فراغًا عديم القيمة. إنه مساحة يتعلم فيها الإنسان إنتاج الدافع من داخله بدل انتظاره من الخارج. أما بعض البيئات الرقمية فتوفر تدفقًا متواصلًا من الأهداف والنقاط والتنبيهات والمنافسة والمفاجآت. وبهذا ينتقل المراهق بسرعة من مكافأة إلى أخرى قبل أن يختبر الفراغ الذي يولد التفكير أو التأمل أو الإبداع.

لكنني لا أريد السقوط في خطاب آخر لا يقل تبسيطًا: شيطنة الألعاب. منظمة الصحة العالمية نفسها تشير إلى أن اللعب الرقمي نشاط شائع ولا يؤدي لدى معظم المستخدمين إلى اضطراب صحي، بينما يظهر «اضطراب اللعب» لدى نسبة محدودة عندما تصبح السيطرة على السلوك ضعيفة ويحتل اللعب الأولوية على أنشطة الحياة الأخرى رغم نتائجه السلبية. 

وتظهر بيانات للمنظمة من دراسة واسعة شملت مراهقين في عشرات البلدان والمناطق أن 34 في المئة كانوا يلعبون ألعابًا رقمية يوميًا، وأن 22 في المئة ممن يلعبون كانوا يقضون أربع ساعات أو أكثر في أيام اللعب، بينما قُدّرت نسبة المعرضين لخطر الاستخدام الإشكالي للألعاب بنحو 12 في المئة. الأرقام مهمة هنا لأنها تذكّرني بأننا أمام ظاهرة ثقافية جماهيرية، لا أمام سلوك هامشي يمكن التعامل معه بمنطق المنع البسيط. 

بل إن الأدلة العلمية الأوسع بشأن التكنولوجيا وصحة الشباب لا تسير في اتجاه واحد. منظمة الصحة العالمية تؤكد أن العلاقة بين البيئات الرقمية والصحة النفسية للشباب معقدة ومتبادلة الاتجاه، وأن التكنولوجيا يمكن أن تنتج فوائد ومخاطر في الوقت نفسه، وأن الظروف الشخصية والاجتماعية المحيطة بالمراهق تؤثر بقوة في النتائج. 

وهذا يقودني إلى السؤال الذي أراه أكثر أهمية من عدد الساعات: ما الذي يفعله المراهق بالشاشة، وما الذي تمنعه الشاشة من فعله خارجها؟

قد يلعب طفل ساعتين بعد إنهاء واجباته وممارسة الرياضة وتناول العشاء مع أسرته والنوم بصورة منتظمة، وقد يلعب آخر الساعتين نفسيهما في منتصف الليل وهو محروم من النوم ومنقطع عن أصدقائه. الرقم واحد، لكن التجربتين ليستا واحدة. ولهذا فإن قياس الخطر بالساعة وحدها يشبه قياس أثر الطعام بعدد الدقائق التي نقضيها على المائدة.

وأعتقد أن الأسرة مطالبة هنا بتغيير لغتها. السؤال التقليدي «كم ساعة لعبت اليوم؟» ينبغي أن يرافقه: هل نمت جيدًا؟ هل تحركت؟ هل درست؟ هل ما زلت تستمتع بأشياء أخرى؟ هل تستطيع إيقاف اللعبة من دون توتر شديد؟ هل أصبحت علاقاتك أضيق؟ وهل تتحكم أنت في اللعبة أم بدأت اللعبة تتحكم في برنامج حياتك؟

هذه الأسئلة أقرب إلى جوهر المشكلة من مصادرة جهاز التحكم.

وفي مستوى أوسع، نحن أمام مسؤولية لا تخص الأسرة وحدها. صناعة الألعاب تعرف عن سيكولوجية الانتباه والمكافأة أكثر مما يعرفه كثير من الآباء، وبعض المنصات تعتمد على اقتصاد هدفه الأساسي إبقاء المستخدم أطول مدة ممكنة داخل النظام. لهذا فإن الحديث عن «انضباط المراهق» وحده قد يكون هروبًا من نقاش تصميم المنتجات الرقمية نفسها، وطرق تحقيقها للأرباح، وآليات حماية القاصرين، والتصنيفات العمرية، والمشتريات داخل الألعاب.

أنا لا أخشى جيلاً يلعب ألعاب الفيديو لمجرد أنه يلعبها. ما يستحق القلق حقًا هو احتمال أن نسمح للسوق الرقمي بأن يصبح أحد أقوى المهندسين الخفيين لزمن الطفولة والمراهقة من دون أن نسأل من يضع قواعد هذه الهندسة ولمصلحة من.

الدراسة الجديدة لا تسمح لنا بأن نقول إن ألعاب الفيديو تدمر دماغ المراهقين، كما أنها لا تسمح لنا بأن نطمئن إلى أن آلاف الساعات داخل العوالم الرقمية تمر من دون معنى عصبي أو نفسي. إنها تفتح نافذة على منطقة ما تزال مليئة بالأسئلة، وتذكرنا بأن الدماغ يتعلم من البيئة التي نضعه فيها.

لقد أمضت أجيال سابقة مراهقتها في الأزقة والملاعب والمكتبات والمقاهي والحدائق والبيوت. أما جزء متزايد من المراهقين اليوم فيبني ذاكرته ومهاراته وعلاقاته وانفعالاته أيضًا داخل عوالم افتراضية فائقة التصميم.

لذلك فإن الجيل المختلف عصبيًا، إن كان يتشكل بالفعل، لن تصنعه الشاشة وحدها.

سنصنعه نحن أيضًا بالطريقة التي نسمح بها للشاشة بأن تحتل مكانها في حياته.


0 التعليقات: