تكشف التطورات الحقوقية المسجلة خلال الأيام القليلة الماضية في شمال إفريقيا والعالم العربي وأوروبا عن مشهد تتقاطع فيه ثلاث أزمات كبرى: التضييق على حرية التعبير والعمل المدني، وتغليب المقاربة الأمنية في التعامل مع المهاجرين واللاجئين، واستمرار سقوط المدنيين في النزاعات المسلحة دون تحقيق تقدم كافٍ في مجال المساءلة. ورغم اختلاف الأنظمة السياسية والظروف الاجتماعية بين هذه المناطق، فإن الانتهاكات الموثقة تُظهر أن الإنسان غالبًا ما يصبح الحلقة الأضعف عندما تتقدم اعتبارات الأمن والهجرة والحرب على ضمانات القانون والكرامة الإنسانية.
شمال إفريقيا: المهاجرون والمدافعون عن الحقوق في دائرة الخطر
تصدرت تونس التقارير الحقوقية الأخيرة بعدما حذرت منظمات دولية من استمرار الانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون واللاجئون وطالبو اللجوء، ولا سيما في المناطق القريبة من الحدود التونسية الليبية. فقد تحدث خبراء تابعون للأمم المتحدة عن معلومات تصف وجود منظومة من الاعتقال التعسفي والإساءة والمعاملة المهينة والطرد الجماعي والاتجار بالأشخاص على جانبي الحدود. وتكتسب هذه الاتهامات خطورتها من كونها لا تتعلق بحوادث منفردة، بل بممارسات يشتبه في تحولها إلى نمط متكرر يطال أشخاصًا لا تتوافر لهم في الغالب وسائل الطعن أو الحماية القضائية.
وفي السادس عشر من يوليو/تموز 2026، قالت منظمة العفو الدولية إن الدعم الأوروبي غير المشروط لعمليات مراقبة الحدود في تونس ما يزال يسهم في انتهاكات خطيرة بحق المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء. وأشارت المنظمة إلى عمليات اعتراض خطرة في البحر، وغياب التقييم الفردي لاحتياجات الحماية، وعمليات طرد جماعي غير قانونية تضمنت، وفق شهاداتها، التعذيب وسوء المعاملة والاغتصاب. كما اعتبرت المنظمة أن تونس لا يمكن أن تُعامل بوصفها بلدًا آمنًا لإعادة المهاجرين في ظل غياب منظومة لجوء فعالة وضمانات مستقلة للمراقبة والمحاسبة.
وتثير هذه المعطيات مسؤولية مزدوجة: مسؤولية السلطات التونسية عن حماية جميع الأشخاص الموجودين فوق أراضيها بصرف النظر عن أوضاعهم القانونية، ومسؤولية الاتحاد الأوروبي عن التأكد من أن الأموال والمعدات والتدريب المقدم في إطار التعاون الحدودي لا تُستخدم في عمليات تنتهي بالتعذيب أو الطرد القسري أو الإعادة إلى مناطق الخطر.
أما في ليبيا، فقد شهد ملف العدالة تطورًا مهمًا يوم السادس عشر من يوليو/تموز، عندما مهدت المحكمة الجنائية الدولية الطريق لمحاكمة خالد محمد علي الهشري، المتهم بالمسؤولية عن إدارة أحد أكثر مراكز الاحتجاز الليبية إثارة للجدل. ويواجه الهشري سبع عشرة تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تشمل الاضطهاد والاستعباد والتعذيب والاغتصاب والقتل، وهي اتهامات مرتبطة بما يُقال إنه جرى داخل مركز احتجاز معيتيقة بين عامي 2014 و2020. وقد نفى المتهم هذه الاتهامات، لتبقى مسؤولية إثباتها أمام المحكمة.
وتتجاوز أهمية هذه القضية الشخص المتهم، لأنها تمثل أول انتقال حقيقي لملف ليبي من التحقيقات الطويلة إلى مرحلة المحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية. كما تعيد تسليط الضوء على أوضاع آلاف المحتجزين الذين قيل إنهم حُرموا من حريتهم دون سند قانوني وتعرض بعضهم للتعذيب والعنف الجنسي والمعاملة اللاإنسانية.
وفي المغرب، أثار توقيف الصحافي والمعلق السياسي علي لمرابط عند وصوله إلى مطار طنجة نقاشًا متجددًا حول حدود حرية التعبير وعلاقة القانون الجنائي بالنشر الرقمي. وأعلنت النيابة العامة في الخامس عشر من يوليو/تموز إطلاق سراحه بعد استجوابه، مع استمرار التحقيق بشأن شكايات مرتبطة بالتشهير والقذف ومحتويات منشورة على الإنترنت. ولا يمكن اعتبار القضية انتهاكًا مثبتًا قبل استكمال التحقيق، إلا أنها تؤكد الحاجة إلى ضمان التناسب بين حماية سمعة الأفراد والمؤسسات وبين عدم تحويل قوانين القذف والتشهير إلى أدوات تفرض رقابة غير مباشرة على الصحافة والنقد السياسي.
العالم العربي: الاعتقال بسبب التعبير واستمرار استهداف المدنيين
في مصر، كشفت منظمة العفو الدولية في الحادي والعشرين من يوليو/تموز عن اعتقال ما لا يقل عن خمسين شخصًا، من بينهم تسع نساء، بسبب ارتباطهم بمجموعة رقمية تحمل اسم «الجيل زد 002» على منصة «ديسكورد»، كانت تناقش الأوضاع السياسية والاقتصادية وتنشر محتويات تنتقد الحكومة.
ووثقت المنظمة اعتقال ستة رجال من منازلهم أو أماكن عملهم، ثم إخفاءهم قسرًا لمدد تراوحت بين ستة وأربعين يومًا، مع تعرض واحد منهم على الأقل للتعذيب أو غيره من ضروب سوء المعاملة. ويخضع المعتقلون للتحقيق أمام نيابة أمن الدولة العليا بتهم مرتبطة بالإرهاب ونشر أخبار كاذبة، بينما قالت المنظمة إن بعض الاستجوابات ركزت على منشورات تنتقد ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء أو تناقش الصعوبات اليومية للمواطنين.
تكشف هذه القضية عن تحول الفضاء الرقمي من مجال للنقاش والتواصل إلى مصدر محتمل للملاحقة الأمنية. فالانضمام إلى مجموعة إلكترونية أو إعادة نشر موقف سياسي لا ينبغي أن يُعامل تلقائيًا بوصفه نشاطًا إرهابيًا. كما أن الإخفاء القسري والتعذيب، متى ثبتا، لا يمكن تبريرهما بطبيعة الاتهامات، لأن حظر التعذيب حق مطلق لا يجوز تعليقه تحت أي ظرف.
وفي الأراضي الفلسطينية، استمرت الخسائر المدنية رغم الحديث عن وقف لإطلاق النار. ففي الحادي والعشرين من يوليو/تموز، قُتل أب وزوجته وأطفالهما الأربعة في غارة إسرائيلية استهدفت منزلًا في حي الصبرة بمدينة غزة، وفق ما أفاد به مسعفون ومسؤولون صحيون. وقال الجيش الإسرائيلي إن الغارة كانت تستهدف عنصرًا من حركة حماس وإنه ما يزال يحقق في نتائجها. كما أدت غارات أخرى في اليوم نفسه إلى ارتفاع عدد القتلى إلى اثني عشر شخصًا، وفق المصادر الطبية الفلسطينية.
وتفرض هذه الواقعة ضرورة إجراء تحقيق مستقل وشفاف يحدد طبيعة الهدف العسكري المفترض، ومدى الالتزام بمبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين. فوجود هدف عسكري محتمل لا يعفي أي طرف من واجبه في تجنب هجمات يُتوقع أن تسبب خسائر مدنية مفرطة مقارنة بالميزة العسكرية المباشرة المتوقعة.
وفي الضفة الغربية، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن هجمات المستوطنين أصبحت من الأسباب الرئيسية لإصابة الفلسطينيين خلال سنة 2026، إذ ارتبط بها نحو 55 في المائة من مجموع الإصابات الفلسطينية المسجلة. ومنذ بداية السنة، أُصيب نحو 850 فلسطينيًا في سياق هذه الهجمات؛ نحو 690 منهم على أيدي مستوطنين والبقية خلال تدخلات للقوات الإسرائيلية. كما أدت الهجمات والقيود المفروضة على الوصول إلى تهجير تجمعات فلسطينية كاملة، خصوصًا التجمعات البدوية والرعوية.
ولا تقف الانتهاكات عند حدود الإصابة الجسدية، بل تشمل تدمير الممتلكات والمدارس والمنشآت الزراعية، ومنع الوصول إلى الأراضي ومصادر المياه، وهي ممارسات تؤدي تدريجيًا إلى جعل البقاء في بعض المناطق مستحيلًا، بما يفتح الباب أمام تهجير قسري بحكم الأمر الواقع.
وفي السودان، أعادت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير نشر في الحادي والعشرين من يوليو/تموز، التذكير بالانتهاكات الواسعة التي ارتكبها طرفا الحرب. فقد وثقت المنظمة هجمات على المدنيين من جانب قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية، إلى جانب انتشار العنف الجنسي المنسوب إلى قوات الدعم السريع، ووجود أدلة على عمليات تطهير عرقي نفذتها هذه القوات في غرب دارفور.
وتؤكد المأساة السودانية أن غياب الضغط الدولي الفعال والمساءلة السريعة يسمح باستمرار الجرائم وتوسعها. كما أن حماية المدنيين لا يمكن اختزالها في إرسال المساعدات، بل تتطلب وقف تدفق السلاح إلى الأطراف المتورطة في الانتهاكات، وتوثيق الجرائم، وضمان وصول المحققين والمنظمات الإنسانية إلى الضحايا.
أوروبا: عنف الشرطة ومخاطر مراكز الإعادة الخارجية
في إيطاليا، أثارت وفاة المواطن الإيطالي من أصل مغربي عبد الرحيم فقير خلال محاولة توقيفه في مدينة بولونيا احتجاجات ونقاشًا واسعًا حول استخدام القوة من جانب الشرطة. وأظهر تسجيل مصور فقير ممددًا على بطنه بينما كان شرطيان يثبتانه، وهو يطلب المساعدة ويقول إنه غير قادر على التنفس قبل أن تتوقف حركته تدريجيًا.
وقد فتحت النيابة العامة تحقيقًا، وأعلنت السلطات أن تسجيلات كاميرات أجساد عناصر الشرطة ستوضع رهن إشارة المحققين. ودعت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني إلى تحديد المسؤوليات بأقصى درجات الصرامة، مع إدانتها أعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات وأدت، وفق نقابة للشرطة، إلى إصابة عشرات العناصر.
ومن الضروري هنا الفصل بين مسارين: الأول هو التحقيق المستقل في أسباب الوفاة ومدى تناسب القوة المستخدمة، والثاني هو التحقيق في أعمال العنف التي وقعت خلال الاحتجاجات. فلا يجوز أن تستخدم الاضطرابات اللاحقة ذريعة لإهمال حقيقة الوفاة، كما لا يمكن اعتبار الغضب الشعبي مبررًا للاعتداء على رجال الشرطة أو الممتلكات العامة.
وعلى مستوى السياسات الأوروبية العامة، حذر مجلس أوروبا في السادس عشر من يوليو/تموز خمس دول هي النمسا والدنمارك وألمانيا واليونان وهولندا من المخاطر الحقوقية المرتبطة بإنشاء ما يسمى «مراكز الإعادة» في دول ثالثة. وتهدف هذه المراكز إلى احتجاز طالبي اللجوء المرفوضين والمهاجرين المقرر ترحيلهم خارج أراضي الاتحاد الأوروبي.
ورأى مفوض مجلس أوروبا لحقوق الإنسان أن هذه الترتيبات قد تؤدي إلى سوء المعاملة والاعتقال التعسفي، وطالب بإجراء تقييم شامل للمخاطر، وإبرام اتفاقيات ملزمة تتضمن ضمانات قابلة للتنفيذ، وإخضاع المراكز للرقابة القضائية والبرلمانية والعامة.
وتعيد هذه المشاريع إلى الواجهة إشكالية «تصدير الحدود»، أي نقل مسؤولية استقبال المهاجرين واحتجازهم إلى دول قد تكون أنظمتها القضائية ومؤسساتها الرقابية أضعف من مثيلاتها الأوروبية. ولا يكفي وصف المراكز بأنها موجودة خارج الاتحاد حتى تتخلص الدول الأوروبية من مسؤولياتها، لأن الدولة تظل مسؤولة عندما تمول العملية أو تديرها أو تنقل الأشخاص إليها وهي تعلم بوجود خطر حقيقي على سلامتهم.
أنماط مشتركة تتجاوز الحدود
تكشف الحالات السابقة عن أربعة أنماط مترابطة. أولها توسيع مفهوم الأمن ليشمل الاحتجاج السياسي والنشاط الرقمي والعمل الإنساني. وثانيها تجريم الهجرة بدل معالجة أسبابها وتوفير مسارات قانونية للحماية. وثالثها ضعف التحقيقات المستقلة في استخدام القوة والقتل أثناء الاحتجاز أو العمليات العسكرية. أما النمط الرابع فهو اتساع الفجوة بين الخطاب الدولي الداعي إلى احترام حقوق الإنسان وبين السياسات الفعلية المتعلقة بالتعاون الأمني وتجارة السلاح ومراقبة الحدود.
ولا يمكن تحسين الأوضاع الحقوقية بمجرد إصدار البيانات. المطلوب هو إلغاء الاعتقال بسبب التعبير السلمي، وتمكين المحتجزين من الاتصال بالمحامين والأسر، والتحقيق في ادعاءات التعذيب والإخفاء القسري، وضمان عدم إعادة المهاجرين إلى أماكن يتعرضون فيها للخطر، وحماية المدنيين أثناء النزاعات، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم بصرف النظر عن مواقعهم أو انتماءاتهم.
إن القيمة الحقيقية لمنظومة حقوق الإنسان لا تظهر في النصوص الدستورية أو المواثيق الدولية وحدها، بل في اللحظة التي يصبح فيها الشخص ضعيفًا أمام الدولة أو الجيش أو الشرطة أو الجماعات المسلحة. عندئذ يتحدد ما إذا كان القانون سياجًا يحمي الإنسان، أم مجرد لغة رسمية تُرفع في المؤتمرات بينما تستمر الانتهاكات خلف الحدود وفي السجون وتحت أنقاض الحروب.







0 التعليقات:
إرسال تعليق