كشفت الأخبار والتقارير الحقوقية المنشورة خلال الأسبوع الممتد من الثالث عشر إلى التاسع عشر من يوليو 2026 عن مشهد عالمي شديد الاضطراب، تتقاطع فيه الحروب مع التضييق على المجتمع المدني، وتتراجع فيه الحماية القانونية للمدافعين عن حقوق الإنسان، بينما يتحمل الأطفال والنساء والمهاجرون واللاجئون النصيب الأكبر من الخسائر. ومن المحكمة الجنائية الدولية والمحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان، مروراً بالسجون ومراكز احتجاز المهاجرين، وصولاً إلى مناطق النزاع في اليمن والسودان وأوكرانيا وأفغانستان، بدت الحقوق الأساسية محاصرة بين الحسابات السياسية والأزمات الاقتصادية والعسكرية.
العدالة الدولية في مواجهة الضغوط السياسية
وضعت منظمة العفو الدولية الدفاع عن المؤسسات القضائية الدولية في مقدمة اهتماماتها خلال الأسبوع الماضي، إذ نددت بما وصفته بحملة أمريكية تهدف إلى إضعاف المحكمة الجنائية الدولية وتعطيل قدرتها على التحقيق في الجرائم الدولية الخطيرة. ودعت المنظمة الدول الأطراف في نظام المحكمة إلى رفض العقوبات والضغوط السياسية، وتوفير الحماية القانونية والمالية للمؤسسة القضائية الدولية باعتبارها إحدى الآليات القليلة المتاحة لمحاسبة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
وتزامن هذا الموقف مع إعلان هيومن رايتس ووتش، أي المرصد الدولي لحقوق الإنسان، أن قضاة المحكمة الجنائية الدولية سمحوا بإحالة أول قضية مرتبطة بالأوضاع في ليبيا إلى المحاكمة. وتتضمن القضية سبعة عشر اتهاماً بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، من بينها القتل والتعذيب والاغتصاب والاستعباد والاضطهاد داخل سجن معيتيقة منذ سنة 2015. وتمثل هذه الخطوة، في نظر المنظمة، اختباراً حقيقياً لقدرة المحكمة على الانتقال من التحقيق وجمع الأدلة إلى المحاكمة الفعلية.
كما استغلت منظمة العفو الدولية الذكرى العشرين لإنشاء المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب لتسليط الضوء على محدودية انخراط الدول الإفريقية في نظامها. فمن أصل خمس وخمسين دولة عضواً في الاتحاد الإفريقي، صادقت أربع وثلاثون دولة فقط على البروتوكول المؤسس للمحكمة، بينما لا تسمح سوى سبع دول للأفراد والمنظمات غير الحكومية برفع الشكاوى مباشرة إليها. ودعت المنظمة إلى توفير دعم سياسي وقانوني ومالي أكبر للمحكمة حتى لا تبقى مؤسسة إقليمية محدودة التأثير.
المجتمع المدني بين تقليص التمويل وتشديد الرقابة
أطلقت الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، إلى جانب اثنتين وثلاثين شبكة أوروبية تمثل أكثر من ألفين وثمانمائة منظمة، نداءً إلى قادة الاتحاد الأوروبي لرفض مشروع خفض ميزانية برنامج «أغورا للاتحاد الأوروبي» بنحو ثلاثمائة مليون يورو. ورأت هذه الشبكات أن تقليص التمويل المخصص للمجتمع المدني في مرحلة تصاعد الشعبوية والاستبداد سيضعف قدرة الجمعيات على حماية سيادة القانون ومواجهة خطاب الكراهية والدفاع عن الفئات الهشة.
وفي السياق نفسه، حذرت الخدمة الدولية لحقوق الإنسان من قواعد هندية جديدة تتعلق بالتمويل الأجنبي، معتبرة أنها تمنح الحكومة صلاحيات واسعة لمراقبة المنظمات المستفيدة من الدعم الخارجي والتحكم في نشاطها. ويثير هذا التوجه مخاوف من استخدام الإجراءات الإدارية والمالية لإرهاق الجمعيات المستقلة أو دفعها إلى الإغلاق، بدلاً من حظرها بصورة مباشرة.
أما بيت الحرية فقد ركز خلال السابع عشر من يوليو على قضيتين متصلتين بحرية التعبير والقمع العابر للحدود. فقد رحب بإطلاق سراح الفنان والناشط الكوبي لويس مانويل أوتيرو ألكانتارا، مع مطالبته بالإفراج عن بقية السجناء السياسيين في كوبا. كما شارك في نداء عاجل إلى الحكومة التايلاندية لمنع الإعادة القسرية للصحافي باي تشاودونغ إلى الصين، بسبب المخاطر المحتملة التي قد يتعرض لها عند عودته.
المدافعون عن حقوق الإنسان خلف القضبان
قدمت منظمة المدافعين في الخط الأمامي خلال الأسبوع نماذج متعددة لما يتعرض له المدافعون عن الحقوق والحريات من ملاحقات قضائية واحتجاز طويل الأمد.
ففي مصر، أفادت المنظمة بأن محكمة الاستئناف أيدت حكماً بالسجن سنة واحدة في حق الناشط أحمد دومة، ورفضت الطعن المقدم ضد الحكم. واعتبرت أن استمرار القضايا القضائية في حقه يمثل شكلاً من أشكال المضايقة المرتبطة بنشاطه السياسي والحقوقي.
وفي بنين، ذكرت المنظمة أن الصحافي والمدافع عن حقوق الإنسان هوغ كوملان سوسوكبي أكمل عاماً كاملاً من الاحتجاز، بعد اختطافه في ساحل العاج ونقله إلى بنين في الرابع عشر من يوليو 2025. وأثارت قضيته أسئلة حول قانونية نقله وظروف احتجازه وضمانات المحاكمة العادلة وحقه في التواصل المنتظم مع محاميه.
كما أفادت الخدمة الدولية لحقوق الإنسان بأن الناشط نعام أسفاري دخل أسبوعه السادس من الإضراب عن الطعام داخل سجن القنيطرة بالمغرب، مشيرة إلى تدهور وضعه الصحي. ويظل هذا الملف من القضايا التي تستدعي، وفق المعايير الحقوقية الدولية، ضمان المراقبة الطبية المستقلة واحترام حقوق السجين وسلامته الجسدية.
الهجرة والحدود: انتهاكات تتكرر بعيداً عن الرقابة
خصصت منظمة العفو الدولية جزءاً مهماً من تغطيتها للتعاون الأوروبي التونسي في مجال الهجرة. واعتبرت أن استمرار الدعم الأوروبي لعمليات مراقبة الحدود، من دون ضمانات حقوقية فعالة، يساهم في الانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون وطالبو اللجوء واللاجئون في تونس. وطالبت بتعليق أوجه التعاون المرتبطة بمراقبة الهجرة عندما لا تتوافر آليات مستقلة للمساءلة والحماية.
وجاء هذا الموقف متزامناً مع تحذير خبراء تابعين إلى مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان من ادعاءات تتعلق بالاحتجاز الجماعي والطرد والاتجار بالبشر في المنطقة الحدودية بين تونس وليبيا. وتكشف هذه المعطيات عن تحول بعض المناطق الحدودية إلى فضاءات مغلقة يصعب على الصحافيين والمنظمات الحقوقية الوصول إليها، مما يزيد مخاطر الإفلات من العقاب.
وفي جنوب شرق آسيا، حذرت منظمة العفو الدولية من مأساة جديدة تعرض لها لاجئون من الروهينغا، بعدما أصبح أكثر من خمسمائة شخص في عداد المفقودين أو المتوفين، وفق التقديرات الأولية، في حادثي قاربين. وأعادت المنظمة التأكيد على ضرورة تعزيز عمليات البحث والإنقاذ وفتح طرق قانونية وآمنة أمام اللاجئين، بدلاً من إجبارهم على ركوب البحر في قوارب متهالكة.
الحروب المعاصرة وتآكل حماية المدنيين
أبرزت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في تقرير عن السودان أن ما سمته «اقتصاد الحرب» أصبح عاملاً رئيسياً في استمرار النزاع، بسبب استفادة شبكات مسلحة وتجارية من تجارة الموارد وتهريب السلع والأسلحة. ويعني ذلك أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى منظومة اقتصادية تحقق أرباحاً لبعض الأطراف بينما تدمر حياة السكان المدنيين.
ومن جهتها، تناولت اللجنة الدولية للصليب الأحمر استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، مؤكدة أن القانون الدولي الإنساني ينطبق على جميع استخدامات هذه التقنيات. وحددت اللجنة أبرز المخاطر في الأسلحة ذاتية التشغيل، والأنظمة المساعدة على اتخاذ القرارات العسكرية، والهجمات الرقمية، مشددة على أن المسؤولية البشرية لا يمكن تفويضها بالكامل إلى الآلات والخوارزميات.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة لأن سرعة الأنظمة الحاسوبية قد تدفع القادة العسكريين إلى اتخاذ قرارات قاتلة خلال ثوان قليلة، اعتماداً على بيانات غير كاملة أو متحيزة. لذلك يصبح الاحتفاظ بالحكم البشري والسيطرة الفعلية على استخدام القوة شرطاً أساسياً لمنع تحويل المدنيين إلى مجرد نقاط رقمية داخل نظام آلي.
الأطفال يدفعون ثمن الحروب والفقر
حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة، اليونيسف، في الخامس عشر من يوليو من أن الصراع في الشرق الأوسط وما نتج عنه من صدمة اقتصادية عالمية قد يدفع ما يصل إلى ثلاثة وعشرين مليوناً وأربعمائة ألف طفل إضافي إلى الفقر النقدي بحلول نهاية سنة 2026. ويرتبط ذلك بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للأسر وانخفاض الإنفاق الحكومي على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
أما منظمة أنقذوا الأطفال فقد نشرت خلال الأسبوع سلسلة تحذيرات تكشف اتساع دائرة الخطر. ففي اليمن، أعلنت أن عدد الأطفال الذين قتلوا بسبب الألغام الأرضية والقذائف غير المنفجرة خلال النصف الأول من سنة 2026 تجاوز مجموع الضحايا المسجلين طوال سنة 2025، إذ قتل عشرون طفلاً وأصيب خمسة وعشرون آخرون.
وفي أوكرانيا، سجل شهر يونيو 2026 مقتل سبعة أطفال وإصابة مائة وستة عشر آخرين، وهو أعلى عدد شهري لضحايا الأطفال منذ أبريل 2022. وتدل هذه الأرقام على أن مرور السنوات لا يجعل الحرب أقل خطراً على المدنيين، بل يؤدي إلى تراكم الأسلحة والذخائر وتوسع المناطق غير الآمنة.
وفي مدغشقر، حذرت المنظمة من أن نحو ثلاثة ملايين وسبعمائة وعشرين ألف شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي بين أكتوبر 2026 وفبراير 2027، بينما يتوقع أن يعاني أكثر من نصف مليون طفل دون الخامسة من سوء التغذية الحاد، بينهم ثمانية وسبعون ألفاً معرضون للحالات الأشد خطورة.
النساء بين القيود الاقتصادية والعنف القائم على النوع
سلطت هيئة الأمم المتحدة للمرأة الضوء على ما وصفته بالتهديد الثلاثي الذي يواجه النساء في أفغانستان، والمتمثل في خفض المساعدات الدولية، ومنع النساء من العمل في قطاعات متعددة، وفرض قيود صارمة على حركتهن. وينتج عن اجتماع هذه العوامل فقدان النساء لمصادر الدخل، وتراجع قدرتهن على الوصول إلى الخدمات الصحية والغذاء والحماية.
وفي بريطانيا، نشرت منصة الديمقراطية المفتوحة تحقيقاً كشف أن أكثر من مائة امرأة مسنة، تجاوزت أعمارهن السادسة والستين، قتلن على أيدي رجال منذ سنة 2020. وأظهر التحقيق أن العنف ضد النساء في المراحل المتقدمة من العمر لا يحظى بالاهتمام نفسه الذي تحظى به حالات العنف ضد النساء الأصغر سناً، رغم ارتباط كثير من الجرائم بالعنف الأسري والسيطرة والإهمال.
كما نشرت المنصة تقريراً عن نجاح ناشطين بلجيكيين في فرض حظر فعلي على شحنات الأسلحة المتجهة إلى إسرائيل عبر ميناء أنتويرب، من خلال الجمع بين البحث الميداني والضغط الشعبي واللجوء إلى القضاء. وتبرز هذه التجربة قدرة المجتمع المدني على التأثير في السياسات العامة عندما يمتلك المعلومات والآليات القانونية والتنظيم المستمر.
مجلس حقوق الإنسان وأسئلة الإصلاح المؤجل
شهدت جنيف بين الثالث عشر والسابع عشر من يوليو اجتماع آلية الخبراء المعنية بحقوق الشعوب الأصلية، التابعة لمنظومة مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، حيث نوقشت أوضاع الشعوب الأصلية في مناطق النزاع، إضافة إلى آثار الذكاء الاصطناعي والتقنيات الجديدة على حقوقها وثقافاتها وأراضيها.
غير أن الخدمة الدولية لحقوق الإنسان رأت أن الذكرى العشرين لإنشاء المجلس مرت من دون إصلاحات مؤسسية جوهرية، معتبرة أن الدول أضاعت فرصة لتعزيز مكانته وربط عمله بصورة أوضح بقضايا السلم والأمن والتمويل المستدام. ويعكس هذا النقد شعوراً متزايداً بأن كثرة الاجتماعات والقرارات لا تكفي ما لم تتبعها آليات لتنفيذ التوصيات ومحاسبة الدول التي ترفض التعاون.
ملاحظة حول بقية المواقع
لم تظهر، ضمن المواد العامة القابلة للتحقق والمفهرسة خلال الفترة المحددة، أخبار مستقلة واضحة يمكن نسبها بثقة إلى الصندوق العالمي للنساء والمساواة الآن والدفاع عن الأطفال دولياً وشبكة معلومات حقوق الإنسان والمنظمة العربية لحقوق الإنسان. لذلك جرى تجنب إدراج أخبار قديمة أو إعادة تقديم بيانات سابقة على أنها منشورة خلال الأسبوع الماضي.
أما الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان فقد علقت أنشطتها منذ يناير 2022 بسبب بيئة العمل القمعية التي قالت إنها واجهتها، ولهذا لا تصدر عنها تغطية أسبوعية حديثة يمكن إدراجها ضمن هذه الحصيلة.
خلاصة
تكشف حصيلة الأسبوع أن الأزمة الحقوقية العالمية لا تنتج فقط عن الحروب والانقلابات والأنظمة السلطوية، بل تتغذى أيضاً من إضعاف القضاء الدولي، وتقليص تمويل المجتمع المدني، وتشديد الرقابة على الجمعيات، وتحويل الحدود إلى مناطق مغلقة، وإدخال الذكاء الاصطناعي في القرارات العسكرية، وخفض المساعدات الموجهة إلى النساء والأطفال.
وتؤكد الأخبار كذلك أن حقوق الإنسان منظومة مترابطة؛ فعندما يضعف القضاء يزداد الإفلات من العقاب، وعندما يحاصر المجتمع المدني تقل قدرة الضحايا على الوصول إلى العدالة، وعندما تتراجع المساعدات تتحول الأزمات الاقتصادية إلى انتهاكات تمس الحق في الغذاء والصحة والتعليم والحياة. وفي قلب هذه الدائرة يبقى المدنيون، ولا سيما الأطفال والنساء والمهاجرون والمدافعون عن الحقوق، أول من يدفع الثمن وآخر من تصل إليه الحماية.







0 التعليقات:
إرسال تعليق