الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، يوليو 21، 2026

دبلوماسيةُ الواقعية تنتصر ومنطقُ الاندماج يترسّخ: عبده حقي


ليست التحولات المتسارعة التي يشهدها ملف الصحراء المغربية مجرد سلسلة من المواقف الدبلوماسية المنفصلة، ولا هي حصيلة ظرف دولي عابر يمكن أن يتغير بمجرد تبدل الحكومات والتحالفات، بل تبدو، في تقديري، نتيجة مباشرة لسياسة مغربية طويلة النفس، جمعت بين الثبات في المبادئ، والمرونة في التفاوض، والواقعية في تقديم الحلول، وربط الدفاع عن الوحدة الترابية بالتنمية والاستقرار والتعاون الإقليمي.

لقد نجح المغرب في نقل النقاش الدولي من دوامة الشعارات الجامدة إلى سؤال عملي واضح: ما الحل الواقعي والقابل للتطبيق الذي يضمن لسكان الصحراء تدبير شؤونهم المحلية، ويحفظ الاستقرار، ويُنهي نزاعاً إقليمياً استمر عقوداً؟ وكان الجواب المغربي منذ تقديم مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007 واضحاً: صلاحيات واسعة ومؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية محلية، في إطار السيادة المغربية والوحدة الوطنية والترابية للمملكة.

الحكم الذاتي يتحول إلى مرجعية دولية

أبرز ما يلفت الانتباه اليوم هو انتقال المبادرة المغربية من كونها مقترحاً وطنياً معروضاً على المجتمع الدولي إلى قاعدة تحظى بتأييد متزايد من دول ذات أوزان سياسية واقتصادية وقانونية مختلفة.

وتؤكد وزارة الخارجية المغربية أن أكثر من 120 دولة باتت تدعم حلاً دائماً يقوم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، من بينها 23 دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي، وهي أرقام تعبّر، وفق القراءة المغربية الرسمية، عن تحول عميق في موازين المواقف الدولية تجاه النزاع. 

كما تبنى الاتحاد الأوروبي في يناير 2026 موقفاً اعتبر فيه أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يكون من أكثر الحلول قابلية للتطبيق، ورحب بقرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025 وبالمفاوضات القائمة على المبادرة المغربية. ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة لأن أوروبا ظلت، لسنوات طويلة، تتعامل مع الملف بحذر شديد، قبل أن تدرك أن استمرار النزاع يهدد التعاون المغاربي والأمن المتوسطي ومصالح القارة في مجالات الطاقة والهجرة ومكافحة الإرهاب. 

ولم تعد المواقف المؤيدة مقتصرة على شركاء المغرب التقليديين؛ فقد أعلنت مالي سنة 2026 سحب اعترافها بالجمهورية التي أعلنتها جبهة البوليساريو، وأكدت دعمها للحكم الذاتي باعتباره الأساس الجدي والموثوق والواقعي لتسوية النزاع. وأشارت وكالة «أسوشيتد برس» إلى أن المبادرة تحظى بدعم متزايد من حلفاء أفارقة ومن الولايات المتحدة ومن معظم دول الاتحاد الأوروبي. 

وفي الاتجاه نفسه، جددت الإكوادور دعمها للمبادرة المغربية، ورحبت اليابان بالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، بينما أعلنت البرتغال دعمها الكامل للمبادرة باعتبارها الأساس الأكثر جدية ومصداقية وبناءً لتسوية النزاع. 

أما فرنسا، فقد انتقلت إلى موقف أكثر وضوحاً باعترافها بسيادة المغرب على الصحراء سنة 2024، ثم جدد رئيس وزرائها في الرباط، يوم 16 يوليو 2026، التأكيد أن هذا الموقف ثابت ولن يتغير. ولا تنفصل هذه القناعة السياسية عن توسيع الشراكة الاقتصادية والأمنية والاستراتيجية بين البلدين. 

انتصارٌ للتراكم لا للصدفة

من الخطأ الاعتقاد أن هذه النتائج تحققت بقرار دبلوماسي واحد أو بتحالف ظرفي. فالنجاعة المغربية تجلت في توزيع العمل على واجهات متعددة: دبلوماسية ملكية نشطة، وحضور حكومي مستمر، وتحرك برلماني وحزبي، وشراكات اقتصادية، وتعاون أمني، وانفتاح على إفريقيا وأوروبا والعالم العربي والأمريكيتين.

لقد اختار المغرب ألا يجعل قضيته الوطنية رهينة ردود الأفعال، بل بنى حولها رؤية استراتيجية تقوم على إقناع الشركاء بأن استقرار المملكة ووحدتها الترابية يخدمان استقرار شمال إفريقيا ومنطقة الساحل وحوض البحر الأبيض المتوسط.

وفي مقابل الأطروحات التي ظلت تكرر الخطاب نفسه، قدم المغرب مشروعاً سياسياً يمكن مناقشة تفاصيله وتطوير ضماناته وتحويله إلى مؤسسات فعلية. ولذلك أصبح الحكم الذاتي أكثر قدرة على مخاطبة لغة المجتمع الدولي، الذي يبحث عن الحلول التوافقية والقابلة للتنفيذ، لا عن مشاريع تؤدي إلى إنشاء كيان ضعيف في منطقة تعاني أصلاً من الإرهاب والتهريب والجريمة العابرة للحدود.

وقد وضع قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025 المبادرة المغربية في قلب الجهود الرامية إلى تسوية النزاع، وقدمها باعتبارها أساساً جدياً وواقعياً وذا مصداقية للوصول إلى حل سياسي. ومع ذلك، ومن باب الدقة الصحافية، فإن القرار لم يحسم الوضع النهائي للإقليم، بل جعل المبادرة أساساً مركزياً للتفاوض، وهو ما يزيد مسؤولية الأطراف المعنية في الانخراط الجدي في العملية السياسية. 

الإنسان الصحراوي في صميم المشروع

تكتسب السياسة المغربية قوتها أيضاً من كونها لم تكتف بالدفاع القانوني والدبلوماسي عن الصحراء، بل ربطت السيادة بالتنمية، وأطلقت في مدن العيون والداخلة والسمارة وبوجدور وأقاليم الجنوب مشروعات مرتبطة بالبنية التحتية والطرق والموانئ والطاقة المتجددة والتكوين والحماية الاجتماعية.

إن المواطن لا يعيش داخل البيانات الدبلوماسية، بل يحتاج إلى مدرسة ومستشفى وشغل وطريق وماء وكهرباء وفضاء لممارسة حقوقه السياسية والثقافية. ومن هذه الزاوية، يمثل النموذج التنموي للأقاليم الجنوبية وجهاً أساسياً من وجوه الإجابة المغربية.

وقد عرضت غلا باهية، بصفتها منتخبة عن جهة الداخلة–وادي الذهب، أمام لجنة تصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة في يونيو 2025، موقفاً يعتبر الحكم الذاتي طريقاً عملياً وكريماً، مشيرة إلى الاستثمارات في البنية التحتية والطاقة المتجددة والفلاحة والتنمية الاجتماعية وتحول الداخلة إلى قطب اقتصادي وبوابة إفريقية. وسجلت الأمم المتحدة، في الوقت ذاته، استمرار وجود مواقف مناقضة تطالب بالاستقلال، بما يعكس الانقسام السياسي القائم حول القضية. 

وهنا ينبغي للصحافي المسؤول ألا يدعي امتلاك صوت جميع الصحراويين، فالآراء ليست متطابقة، والنزاع ما زال قائماً داخل المؤسسات الدولية. لكن من المشروع أيضاً التأكيد أن مشاركة سكان الأقاليم الجنوبية في الانتخابات، ووجود ممثلين منتخبين عنها في المجالس المحلية والجهوية والبرلمان، وانخراط فئات واسعة في المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية، تشكل مؤشرات سياسية ملموسة على وجود إرادة قوية للعيش والمشاركة وصناعة المستقبل داخل المملكة المغربية.

وقد تضمنت اجتماعات الأمم المتحدة خلال السنوات الأخيرة شهادات لمنتخبين من العيون والداخلة اعتبروا مشاركتهم الانتخابية تعبيراً عن ارتباطهم بالمغرب، في مقابل متدخلين آخرين رفضوا اعتبار هؤلاء ممثلين شرعيين لجميع الصحراويين. وهذا الاختلاف نفسه يؤكد أن الدفاع عن الموقف المغربي يجب أن يقوم على الحجة والمؤسسات والتنمية، لا على إلغاء الأصوات المخالفة. 

الحكم الذاتي مصالحةٌ مع المستقبل

لا ينبغي النظر إلى الحكم الذاتي باعتباره انتصار طرف وإذلال طرف آخر، بل بوصفه إطاراً للمصالحة وعودة المحتجزين في مخيمات تندوف ولمّ شمل الأسر وتمكين جميع أبناء الصحراء من المشاركة في تدبير مستقبلهم على قدم المساواة مع باقي المواطنين المغاربة.

فالسيادة القوية ليست تلك التي تغلق الأبواب، وإنما التي تمنح الضمانات، وتوسع المشاركة، وتحترم الخصوصية الثقافية الحسانية، وتتيح لأبناء المنطقة انتخاب هيئاتهم وتدبير مواردهم المحلية في إطار دولة موحدة.

ومن هنا فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من الاكتفاء بتسجيل المكاسب الدبلوماسية إلى تقديم تفاصيل أكثر وضوحاً بشأن مؤسسات الحكم الذاتي وصلاحياتها ومواردها وضمانات المشاركة والمحاسبة. وكلما كان العرض المغربي دقيقاً وديمقراطياً ومنفتحاً، ازدادت قوته الإقناعية وسقطت الحجج التي تسعى إلى تصويره مجرد شعار سياسي.

سياسةٌ مغربية أثبتت نجاعتها

بصفتي صحافياً مغربياً، أرى أن ما حققته المملكة في هذا الملف يستحق الإشادة والتنويه والتثمين. فقد أثبت المغرب أنه قادر على الدفاع عن قضيته الوطنية دون أن يتخلى عن لغة السلام، وأنه يستطيع توسيع دائرة مؤيديه من دون الانجرار إلى المزايدات، وأن قوته الحقيقية تنبع من تلاحم الشعب ومؤسساته ومن صدقية المشروع الذي يعرضه على العالم.

إن تزايد الدول المؤيدة للحكم الذاتي ليس رقماً للاستهلاك الإعلامي، بل تحول سياسي يكشف أن المجتمع الدولي يتجه تدريجياً نحو الواقعية. كما أن استمرار التنمية والمشاركة السياسية في الأقاليم الجنوبية يمنح الموقف المغربي بعداً إنسانياً ومؤسساتياً لا يمكن اختزاله في البيانات الرسمية.

لقد اختار المغرب أن يجعل من الصحراء فضاءً للبناء، ومن الحكم الذاتي جسراً نحو التسوية، ومن الدبلوماسية أداة للإقناع، ومن الوحدة الترابية قاعدة للاستقرار. ولذلك يبدو المسار اليوم أكثر وضوحاً: حل سياسي متفاوض بشأنه، يقوم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ويحفظ كرامة جميع أبناء المنطقة، ويفتح أبواب العودة والمصالحة والتنمية المشتركة.

الصحراء بالنسبة إلى المغاربة ليست ملفاً خارجياً ولا ورقة تفاوض عابرة، بل امتداد تاريخي وإنساني ووطني. أما الانتصار الحقيقي فلن يكتمل فقط بزيادة عدد المواقف المؤيدة، وإنما بتحويل هذا التأييد إلى تسوية سلمية نهائية، يعيش في ظلها الصحراويون أحراراً وآمنين، ويسهمون بكامل حقوقهم في بناء مغرب موحد، ديمقراطي، متضامن وقوي.


0 التعليقات: