الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، يونيو 05، 2026

أفضل 200 رواية عبر التاريخ اليوم مع رِوَايَةُ «جِين إِير» لِلْكَاتِبَةِ الْبِرِيطَانِيَّةِ شَارْلُوت بْرُونْتِي. : إعداد عبده حقي

 


السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، وَمَرْحَبًا بِكُمْ أَعِزَّائِي الْمُسْتَمِعِينَ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بُودْكَاسْتِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ.

فِي هَذِهِ الْحَلْقَةِ نَصْحَبُكُمْ فِي رِحْلَةٍ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ فِي تَارِيخِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، رِوَايَةُ «جِين إِير» لِلْكَاتِبَةِ الْبِرِيطَانِيَّةِ شَارْلُوت بْرُونْتِي.

صَدَرَتِ الرِّوَايَةُ عَامَ 1847، وَكَانَتْ عِنْدَ نُشُورِهَا حَدَثًا أَدَبِيًّا لَافِتًا، إِذْ قَدَّمَتْ شَخْصِيَّةً نِسَائِيَّةً مُخْتَلِفَةً عَمَّا كَانَ سَائِدًا فِي الْأَدَبِ الْفِكْتُورِيِّ. لَمْ تَكُنْ جِين فَتَاةً جَمِيلَةً بِالْمَعْنَى التَّقْلِيدِيِّ، وَلَا بَطَلَةً أَرِسْتُقْرَاطِيَّةً، بَلْ كَانَتْ فَتَاةً فَقِيرَةً، يَتِيمَةً، تَبْحَثُ عَنْ كَرَامَتِهَا وَحُرِّيَّتِهَا وَحَقِّهَا فِي الْحُبِّ وَالِاخْتِيَارِ.

تَبْدَأُ الْقِصَّةُ بِطِفْلَةٍ يَتِيمَةٍ تُدْعَى جِين إِير، تَعِيشُ فِي بَيْتِ خَالَتِهَا الَّتِي تُعَامِلُهَا بِقَسْوَةٍ وَاحْتِقَارٍ. ثُمَّ تُرْسَلُ إِلَى مَدْرَسَةٍ دِينِيَّةٍ فَقِيرَةٍ، حَيْثُ تَتَعَرَّضُ لِلْحِرْمَانِ وَالْمَعَانَاةِ، لَكِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْهَا أَكْثَرَ صَلَابَةً وَإِيمَانًا بِنَفْسِهَا.

بَعْدَ ذَلِكَ تَعْمَلُ مُرَبِّيَةً فِي قَصْرِ ثُورْنْفِيلْد، وَهُنَاكَ تَلْتَقِي بِصَاحِبِ الْقَصْرِ السَّيِّدِ إِدْوَارْد رُوتْشِسْتَر، الرَّجُلِ الْغَامِضِ ذِي الشَّخْصِيَّةِ الْمُعَقَّدَةِ. تَنْشَأُ بَيْنَهُمَا عَاطِفَةٌ عَمِيقَةٌ، غَيْرَ أَنَّ أَسْرَارًا مُرَوِّعَةً تُخَفَّى فِي أَرْوِقَةِ الْقَصْرِ تُغَيِّرُ مَسَارَ الْحِكَايَةِ وَتَدْفَعُ جِين إِلَى اتِّخَاذِ قَرَارَاتٍ مُؤْلِمَةٍ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْمَبْدَأِ.

وَمَا يَجْعَلُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ آسِرَةً هُوَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قِصَّةِ حُبٍّ، بَلْ رِحْلَةُ بَحْثٍ عَنِ الذَّاتِ وَالْكَرَامَةِ وَالِاسْتِقْلَالِ. فَجِين تَرْفُضُ أَنْ تَكُونَ تَابِعَةً لِأَحَدٍ، وَتُصِرُّ عَلَى أَنْ تَحْتَفِظَ بِحُرِّيَّتِهَا وَإِنْ كَلَّفَهَا ذَلِكَ التَّضْحِيَةَ بِحُبِّهَا.

أَمَّا الْخَلْفِيَّةُ التَّارِيخِيَّةُ وَالْفِكْرِيَّةُ لِلرِّوَايَةِ، فَتَعُودُ إِلَى الْعَصْرِ الْفِكْتُورِيِّ فِي بَرِيطَانِيَا، وَهُوَ عَصْرٌ شَهِدَ تَغَيُّرَاتٍ اجْتِمَاعِيَّةً وَاقْتِصَادِيَّةً عَمِيقَةً. كَانَتِ الْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ تُقَاسُ بِمَكَانَتِهَا الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَثَرْوَتِهَا وَزَوَاجِهَا، لَكِنَّ شَارْلُوت بْرُونْتِي قَدَّمَتْ شَخْصِيَّةً تَرْفُضُ هَذِهِ الْقُيُودَ وَتُدَافِعُ عَنْ إِنْسَانِيَّتِهَا وَحَقِّهَا فِي الْمُسَاوَاةِ.

وَقَدِ اعْتُبِرَتِ الرِّوَايَةُ ثَوْرِيَّةً فِي زَمَانِهَا؛ لِأَنَّهَا مَنَحَتِ الْمَرْأَةَ صَوْتًا مُسْتَقِلًّا وَقُدْرَةً عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْ رَغَبَاتِهَا وَمَشَاعِرِهَا دُونَ خَوْفٍ أَوْ خُضُوعٍ.

وَلَعَلَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَطْرَحُ نَفْسَهُ هُوَ: لِمَاذَا بَقِيَتْ «جِين إِير» حَيَّةً حَتَّى الْيَوْمِ؟

الْجَوَابُ يَكْمُنُ فِي أَنَّ مَوْضُوعَاتِهَا إِنْسَانِيَّةٌ خَالِدَةٌ. فَالْبَشَرُ مَا زَالُوا يَبْحَثُونَ عَنِ الْحُبِّ وَالْعَدَالَةِ وَالْكَرَامَةِ وَالِاعْتِرَافِ بِالذَّاتِ. وَهِيَ قَضَايَا لَا يَمْحُوهَا الزَّمَنُ وَلَا تُلْغِيهَا التَّحَوُّلَاتُ التِّقْنِيَّةُ أَوِ الِاجْتِمَاعِيَّةُ.

لَقَدْ تَرَكَتِ الرِّوَايَةُ أَثَرًا عَمِيقًا فِي الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، وَأَلْهَمَتْ أَجْيَالًا مِنَ الرُّوَائِيِّينَ وَالنُّقَّادِ. كَمَا حُوِّلَتْ مِرَارًا إِلَى أَفْلَامٍ وَمَسْلَسَلَاتٍ تِلْفِزْيُونِيَّةٍ وَأَعْمَالٍ مَسْرَحِيَّةٍ. وَفِي الْفَلْسَفَةِ وَالدِّرَاسَاتِ النِّسْوِيَّةِ، أَصْبَحَتْ جِين إِير رَمْزًا لِلنِّضَالِ مِنْ أَجْلِ الِاسْتِقْلَالِ وَالِاعْتِرَافِ بِالذَّاتِ الْإِنْسَانِيَّةِ.

وَمِنْ أَشْهَرِ اقْتِبَاسَاتِ الرِّوَايَةِ قَوْلُ جِين:

«أَنَا لَيْسَتْ لِي شِبَاكٌ تَصِيدُنِي، وَلَا قُفْصٌ يَحْبِسُنِي، أَنَا كَائِنٌ إِنْسَانِيٌّ حُرٌّ ذُو إِرَادَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.»

وَهُوَ قَوْلٌ يُلَخِّصُ جَوْهَرَ الرِّوَايَةِ كُلَّهَا؛ فَالْحُرِّيَّةُ فِيهَا لَيْسَتْ شِعَارًا، بَلْ مِحْوَرُ الْوُجُودِ الْإِنْسَانِيِّ.

أَمَّا رَأْيِي الشَّخْصِيُّ كَكَاتِبٍ، فَإِنَّ «جِين إِير» مِنَ الرِّوَايَاتِ الَّتِي لَا تُقْرَأُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ، بَلْ تَتَجَدَّدُ مَعَ كُلِّ قِرَاءَةٍ. كُلَّمَا عُدْتُ إِلَيْهَا اكْتَشَفْتُ طَبَقَاتٍ جَدِيدَةً مِنَ الْمَعَانِي وَالْأَسْئِلَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْعَمِيقَةِ. إِنَّهَا رِوَايَةٌ تُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الْكَرَامَةَ لَيْسَتْ هِبَةً مِنْ أَحَدٍ، بَلْ حَقٌّ يَنْبُعُ مِنْ جَوْهَرِ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ.

وَإِلَى أَنْ نَلْتَقِيَ فِي حَلْقَةٍ قَادِمَةٍ مِنْ بُودْكَاسْتِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، سَنَفْتَحُ مَعًا صَفَحَاتِ عَمَلٍ أَدَبِيٍّ خَالِدٍ آخَرَ، وَنُوَاصِلُ رِحْلَتَنَا فِي عَوَالِمِ الْكُتُبِ الَّتِي غَيَّرَتْ وَجْهَ الثَّقَافَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ.

كَانَ مَعَكُمْ: الْكَاتِبُ الْمَغْرِبِيُّ عَبْدُو حَقِّي.



0 التعليقات: