كُنْتُ أَقْتاتُ مِنْ شَجَرَةٍ تَنْبُتُ فِي قَفَا الرِّيحِ، شَجَرَةٍ تَتَدَلَّى مِنْ أَغْصانِها أَجْرانُ النُّجُومِ اليَابِسَةِ، وَتَنْعِقُ فَوْقَها طُيُورٌ مِنْ فَصِيلَةِ السَّرابِ، لَها أَظْلافُ غِزْلانٍ وَعُيُونُ أَفاعٍ تَتَذَكَّرُ ما لَمْ يَحْدُثْ بَعْدُ، وَحِينَ كُنْتُ أَمُدُّ يَدِي إِلى ثَمَرَةٍ مِنْها كانَتِ الثَّمَرَةُ تَنْقَلِبُ إِلى خُرْءُوبٍ مِنْ ذَهَبٍ أَسْوَدَ، يَجُرُّ وَراءَهُ قافِلَةً مِنَ الظِّباءِ العُمْيانِ الَّتِي تُرْضِعُ أَبْناءَها مِنْ حَلِيبِ الرَّعْدِ.
وَكانَ اللَّيْلُ، ذَلِكَ الكائِنُ المُدَرْعَمُ بِأَنْيابِ الزَّمْهَرِيرِ، يَنامُ فِي جِرابِي مِثْلَ ضَبُعٍ أُسْطُورِيٍّ هارِبٍ مِنْ صَحائِفِ القَبائِلِ الأُولى، فَإِذا فَتَحْتُ الجِرابَ تَدَفَّقَتْ مِنْهُ أَنْهارٌ مِنَ الحَنْدَقُوقِ وَالآسِ وَالأَقاحِي المُذْعُورَةِ، وَخَرَجَتْ نِسْوَةٌ مِنْ نَسْلِ العَنْقاءِ الكُرْدِيَّةِ، يَضْفِرْنَ جَدائِلَ الغَيْمِ بِأَمْشاطٍ مِنْ عِظامِ السَّعالِي، وَيُنْشِدْنَ بِلُغاتٍ لَمْ يَعُدْ لَها فِي الأَرْضِ سِوَى صَدًى مُتَحَجِّرٍ فِي حَناجِرِ الصُّخُورِ.
وَأَنا أَمْشِي فِي فَلاةٍ كانَتِ الرِّمالُ فِيها تَتَنَفَّسُ مِنْ خَياشِيمِ اليَرابيعِ، رَأَيْتُ حِصانًا أَزْرَقَ يَقْتَلِعُ القَمَرَ مِنْ مِحْجَنِهِ، وَيَضَعُهُ فِي مِخْلاتِهِ مِثْلَ رَغِيفٍ لِلسَّفَرِ الطَّوِيلِ، ثُمَّ يَرْكُضُ نَحْوَ أُفُقٍ تَتَدَلَّى مِنْهُ سُرُوجُ المَجَرّاتِ كَأَعْشاشٍ لِلْبُومِ السَّماوِيِّ، وَكانَتْ خَلْفَهُ تَمْشِي ذِئابٌ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّعْفَرانِ، تَجُرُّ عَرَباتٍ مِنْ ضَوْءٍ مُتَقَادِمٍ، وَفِي العَرَباتِ أَطْفالٌ لَمْ يُولَدُوا بَعْدُ، يَحْمِلُونَ دَفاتِرَ مِنْ جُلُودِ السَّحابِ، وَيَكْتُبُونَ تارِيخَ الخَرائِبِ المُقْبِلَةِ.
هُناكَ، عِنْدَ مَهْيَعٍ مَنْسِيٍّ بَيْنَ نَوْمِ النِّيازَكِ وَيَقَظَةِ الأَعْشابِ، الْتَقَيْتُ بِجَدِّي السّابِعِ، وَكانَ رَأْسُهُ مِنْ طِينٍ مُفْصَحٍ، وَلِحْيَتُهُ مِنْ رِيشِ الحُبارَى، وَعَيْناهُ بِئْرانِ تَشْرَئِبُّ مِنْهُما أَسْماكٌ مِنَ الفَيْرُوزِ، فَقالَ لِي إِنَّ الثَّعابِينَ الَّتِي تَسْكُنُ فِي أَكْمامِ الوَقْتِ هِيَ الَّتِي تَخِيطُ الأَعْمارَ بِخُيُوطٍ مِنْ غُبارِ الكَواكِبِ، وَإِنَّ كُلَّ إِنْسانٍ يَحْمِلُ فِي ظِلِّهِ جَمَلًا خَفِيًّا، يَقْتاتُ مِنْ مُلُوحَةِ الذِّكْرَياتِ، فَإِذا ماتَ صاحِبُهُ ظَلَّ الجَمَلُ يَهِيمُ فِي بَرارِي البَرْزَخِ باحِثًا عَنْ بِئْرٍ لَمْ تَحْفِرْها يَدٌ.
ثُمَّ رَأَيْتُ الإِلَهَةَ الَّتِي كانَتِ البَوادِي تَنْساها كُلَّما ازْدادَ القَحْطُ فِي مَراياها؛ كانَتْ جالِسَةً فَوْقَ عَرْشٍ مِنْ عِظامِ اللَّقالِقِ، وَحَوْلَها نُسُورٌ مِنْ زُجاجٍ أَخْضَرَ، وَأَرانِبُ لَها قُرُونُ أَيْلٍ وَذُيُولُ عَقارِبَ، وَكانَتْ تُقَلِّبُ كِتابًا مِنْ صَهِيلٍ مُجَفَّفٍ، كُلُّ صَفْحَةٍ فِيهِ مَوْسِمٌ مِنْ مَواسِمِ الخَلْقِ، وَكُلُّ حَرْفٍ قافِلَةٌ مِنَ الرُّعاةِ الضّائِعِينَ بَيْنَ أَخادِيدِ السَّماءِ.
وَعِنْدَما هَمَمْتُ بِالعَوْدَةِ إِلى نَفْسِي، اكْتَشَفْتُ أَنَّ نَفْسِي قَدْ سَبَقَتْنِي إِلى مَكانٍ آخَرَ؛ وَجَدْتُها مُعَلَّقَةً عَلى وَتَدٍ مِنْ بَرْقٍ عِنْدَ حافَةِ العالَمِ، تَتَأَرْجَحُ كَقِنْدِيلٍ مِنْ حَنِينٍ مُتَحَجِّرٍ، وَتَحْرُسُها هامَةٌ بَيْضاءُ المِنْقارِ، سَوْداءُ الظِّلِّ، تَقْتاتُ مِنْ أَسْماءِ النَّباتاتِ المُنْقَرِضَةِ. وَحِينَ اقْتَرَبْتُ مِنْها تَفَتَّحَتِ الأَرْضُ عَنْ أَفْواهٍ مِنْ ياقُوتٍ وَعَقِيقٍ، وَخَرَجَتْ مِنْها حُرُوفٌ مَطْمُورَةٌ، مِنْ مِثْلِ: العُثْكُولِ، وَالقَهْبَسِ، وَالضُّراحِ، وَالسَّمْهَرِ، وَالهِجْرَعِ، تَدُورُ حَوْلِي كَأَنَّها سِرْبُ كَواكِبَ فَقَدَ مَدارَهُ.
فَأَدْرَكْتُ أَنَّنِي لَمْ أَكُنْ أَسِيرُ فِي الصَّحْراءِ، بَلْ كانَتِ الصَّحْراءُ هِيَ الَّتِي تَسِيرُ فِي دَمِي، وَأَنَّ النُّجُومَ لَيْسَتْ سِوَى رُعاةٍ هَرْمَى يَقُودُونَ قُطْعانَ الظَّلامِ بَيْنَ المَهاوِي، وَأَنَّ الرِّيحَ، تِلْكَ الأَرْمَلَةُ الأَزَلِيَّةُ، ما تَزالُ تَجْمَعُ فِي مِئْزَرِها بَقايا أَصْواتِ الأَنْبِياءِ وَالرُّحَّلِ وَالوُحُوشِ، ثُمَّ تَنْثُرُها عَلَى الجِهاتِ الأَرْبَعِ، لِكَيْ يَظَلَّ الكَوْنُ مَفْتُوحًا كَجُرْحٍ مِنْ نُورٍ، لا يَلْتَئِمُ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق