في عالم السياسة لا تكفي الشعارات لصناعة المواقف، ولا تصمد الخطابات طويلاً إذا لم تسندها الوقائع. ومن يتابع تطورات قضية الصحراء المغربية خلال السنوات الأخيرة يلاحظ أن الرباط اختارت طريقاً مختلفاً يقوم على تراكم الإنجازات الدبلوماسية، وتعزيز التنمية الميدانية، وتوسيع شبكة الشراكات الدولية، بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل أو الاكتفاء بالسجال السياسي.ومن موقع الصحافي المتابع لهذا الملف، تبدو السياسة المغربية في الصحراء نموذجاً لنهج يربط بين الدبلوماسية والعمل التنموي، ويعتبر أن كسب ثقة الشركاء الدوليين يمر عبر مشاريع ملموسة أكثر مما يمر عبر البيانات والخطب. فالمملكة لم تجعل من القضية مجرد ملف خارجي، بل حولتها إلى مشروع وطني متعدد الأبعاد، يجمع بين الاستثمار في الإنسان، والبنية التحتية، والانفتاح الاقتصادي، والحضور الدبلوماسي.
لقد شهدت السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في الدعم الدولي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، إذ اعتبرت دول عديدة هذا المقترح أساساً جاداً وذا مصداقية لتسوية النزاع في إطار الأمم المتحدة. وقد جاء هذا التطور نتيجة عمل دبلوماسي متواصل اعتمد الحوار مع مختلف العواصم، والحرص على بناء الثقة مع الشركاء، بعيداً عن لغة التصعيد.
وفي الوقت نفسه، اكتسبت مدينتا العيون والداخلة مكانة متزايدة في الخريطة الدبلوماسية والاقتصادية، مع افتتاح عدد من البعثات القنصلية الأجنبية، وهو ما يعكس، في نظر المغرب والدول التي اتخذت هذه الخطوة، تنامي العلاقات الثنائية والاهتمام بالمنطقة. كما أصبحت المدينتان فضاءً لاستقبال مؤتمرات اقتصادية واستثمارات في مجالات الطاقة المتجددة، والصيد البحري، والخدمات اللوجستية، والسياحة.
ولعل أبرز ما يميز المقاربة المغربية هو أنها لم تفصل بين الأمن والتنمية. فالمشاريع الكبرى التي أطلقت في الأقاليم الجنوبية، من طرق وموانئ ومناطق صناعية ومؤسسات جامعية ومستشفيات ومرافق اجتماعية، تعكس تصوراً يعتبر أن التنمية المستدامة عنصر أساسي في ترسيخ الاستقرار وخلق فرص العمل وتحسين جودة الحياة.
كما نجحت الرباط في توظيف موقعها الجغرافي لتقديم الصحراء المغربية بوابة نحو العمق الإفريقي. فمشروع ميناء الداخلة الأطلسي، إلى جانب المبادرات المرتبطة بالربط اللوجستي والطاقة، يعكس رؤية استراتيجية تتجاوز الحدود المحلية لتضع المنطقة في قلب المبادلات الاقتصادية بين أوروبا وإفريقيا.
سياسياً، حافظ المغرب على تأكيد التزامه بالمسار الأممي، مع التشديد على أن أي حل ينبغي أن يكون واقعياً وقابلاً للتطبيق ويحظى بتوافق دولي. ومن هذا المنطلق، يواصل المسؤولون المغاربة الدفاع عن مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها إطاراً يهدف، وفق الرؤية المغربية، إلى التوفيق بين تدبير الشؤون المحلية للسكان والمحافظة على سيادة الدولة ووحدتها الترابية.
وفي المقابل، ساهمت التحولات الجيوسياسية الدولية في إعادة ترتيب أولويات العديد من الدول، حيث أصبحت قضايا الاستقرار الإقليمي، ومكافحة الإرهاب، وأمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، عوامل تؤثر في مواقف العواصم المختلفة. وفي هذا السياق، عزز المغرب صورته كشريك موثوق يتمتع بمؤسسات مستقرة، وسياسة خارجية تتسم بالاستمرارية، وعلاقات متوازنة مع محيطه الإقليمي والدولي.
ولا يمكن إغفال البعد الإفريقي في هذه السياسة، إذ عملت المملكة على توسيع حضورها الاقتصادي والدبلوماسي في القارة، مستثمرة في قطاعات البنوك والاتصالات والأسمدة والطاقة، وهو ما أضفى على تحركاتها بعداً استراتيجياً يتجاوز الملف السياسي الضيق، ويربط قضية الصحراء بمشاريع التكامل والتنمية المشتركة.
ومن الناحية الإعلامية، انتقلت الرواية المغربية من خطاب دفاعي إلى خطاب أكثر اعتماداً على المعطيات والإنجازات. فقد أصبحت المؤشرات الاقتصادية، وحجم الاستثمارات، والمشاريع الاجتماعية، وحركة النقل الجوي والبحري، والأنشطة الثقافية والرياضية التي تحتضنها مدن الصحراء، عناصر تستخدم لإبراز صورة منطقة تشهد تحولاً متسارعاً.
وبطبيعة الحال، ما تزال قضية الصحراء موضوعاً محل تباين في المواقف على الصعيد الدولي، وتستمر الأمم المتحدة في رعاية المسار السياسي بهدف التوصل إلى حل سياسي مقبول للأطراف. غير أن القراءة السياسية لما تحقق خلال العقد الأخير تشير إلى أن المغرب استطاع تعزيز حضوره الدبلوماسي وتوسيع دائرة الشركاء الذين يدعمون مقاربته أو ينظرون إليها بإيجابية، مع مواصلة الاستثمار في التنمية المحلية.
إن السياسة الناجحة لا تقاس بما يقال عنها، بل بما تنتجه من نتائج قابلة للقياس. وفي هذا الإطار، تبدو المقاربة المغربية في الصحراء، من وجهة نظر العديد من المراقبين داخل المغرب وخارجه، قائمة على الجمع بين الواقعية السياسية، والاستثمار الاقتصادي، والانفتاح الدبلوماسي، بما جعل هذا الملف يشهد دينامية مختلفة عما كان عليه قبل سنوات.
ويبقى الرهان الأكبر في المستقبل هو الحفاظ على هذا الزخم، ومواصلة تعزيز التنمية، وتوسيع آفاق التعاون الإقليمي، مع استمرار الجهود الدبلوماسية في إطار الأمم المتحدة. فكلما نجحت المشاريع التنموية في تحسين حياة السكان، وكلما تعززت الشراكات الدولية، ازدادت قدرة المغرب على ترسيخ رؤيته لهذا الملف وإبرازها باعتبارها جزءاً من مشروع أوسع للاستقرار والاندماج الإقليمي.








0 التعليقات:
إرسال تعليق