الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، سبتمبر 20، 2026

من دمشق إلى نيويورك.. ماذا حدث في الثقافة والفنون خلال الأيام الماضية؟ عبده حقي


لم تمر الأيام الأخيرة هادئة على الخريطة الثقافية العالمية. فبينما كانت دمشق تستعيد أصواتًا وفنانين ابتعدوا عنها لسنوات، كانت الإمارات تدفع بمشروعها الموسيقي المؤسساتي خطوة جديدة إلى الأمام، وتتحول مدن عربية أخرى إلى فضاءات للمسرح والفنون البصرية. وفي أوروبا عاد موسم الخريف الثقافي بكثافة واضحة، من السينما في سان سباستيان إلى بينالي ليون ومعارض لندن ومسارح باريس ومدريد، في وقت دخلت فيه الولايات المتحدة موسمها الفني الجديد بحركة لافتة في نيويورك ولوس أنجلوس. اللافت في هذه الحصيلة أن الثقافة لا تتحرك اليوم داخل حدود الأجناس التقليدية وحدها؛ فالمتحف يقترب من التكنولوجيا، والموسيقى من الهوية الوطنية، والمسرح من الأسئلة السياسية، والمهرجان السينمائي من قضايا الصناعة والذكاء الاصطناعي، فيما أصبحت الهجرة والمنفى والذاكرة والمدينة موضوعات تتكرر بأشكال مختلفة على ضفتي الأطلسي وفي العالم العربي.

العالم العربي: عودة الثقافة إلى قلب التحولات الاجتماعية

كانت دمشق واحدة من أكثر المدن العربية حضورًا في الأخبار الثقافية خلال الأيام الماضية مع تنظيم أول «أسبوع للفن» في سوريا، وهو حدث جمع 47 فنانًا وتداخلت في برنامجه الفنون البصرية والموسيقى والسينما والحوارات الثقافية. أقيم جزء مهم من الفعاليات في فضاء «وردة مسار»، وهو مكان ظل مهجورًا ومتأثرًا بسنوات الحرب، قبل أن يتحول إلى فضاء للعرض واللقاء. وسجل المنظمون خلال اليومين الأولين حضور زوار من الإمارات والكويت وقطر وفرنسا والبرازيل، في محاولة واضحة لإعادة وضع دمشق داخل دوائر التواصل الفني العربي والدولي. 

أهمية الحدث تتجاوز عدد الفنانين أو المعروضات. فاختيار مكان يحمل آثار الحرب لاستضافة فن معاصر يضفي على التظاهرة معنى رمزيًا مضاعفًا: الثقافة هنا لا تبحث عن قاعة محايدة، بل تدخل مباشرة إلى الأماكن التي تحمل الذاكرة المادية للسنوات القاسية. وهي إشارة إلى أن استعادة المجال الثقافي السوري لن تكون مجرد استرجاع لما كان قائمًا قبل الحرب، بل محاولة لصناعة مشهد جديد يتعين عليه أن يتعامل مع المنفى والانقسام والدمار والذاكرة وجيل كامل نشأ في ظروف استثنائية.

وفي السياق السوري نفسه شكلت عودة أصالة نصري إلى الغناء في دمشق بعد أكثر من ستة عشر عامًا واحدًا من أكثر الأخبار الفنية العربية إثارة للانتباه. أحيت المغنية السورية مساء 17 شتنبر حفلاً في صالة الفيحاء الرياضية بحضور الآلاف، في أول ظهور فني لها في بلدها منذ حفل خيري قدمته في دار الأوبرا بدمشق سنة 2010. وجاءت العودة بعد سنوات طويلة أمضتها خارج البلاد، بالتزامن مع إصدارها «الألبوم السوري»، الذي يضم أربع عشرة أغنية تستلهم التراث الموسيقي للمحافظات السورية الأربع عشرة. 

من الناحية الفنية، تبدو فكرة بناء ألبوم على التنوع المحلي للمحافظات السورية ذات دلالة خاصة، لأنها تنقل الحديث عن «الأغنية السورية» من نموذج مركزي واحد إلى تعدد موسيقي محلي. ومن الناحية الرمزية، أصبحت عودة أصالة أكبر من حفل غنائي؛ فهي واحدة من الحالات التي تتقاطع فيها سيرة الفنان الشخصية مع التاريخ السياسي والاجتماعي لبلده. وبغض النظر عن المواقف المتباينة من المرحلة السورية الجديدة، فإن المشهد يؤكد أن الفن أصبح أحد المجالات التي يجري عبرها اختبار إمكان إعادة وصل ما انقطع بين الداخل والشتات.

وفي الإمارات، سجلت الأيام الماضية تطورًا مهمًا في مشروع الأوركسترا الوطنية لدولة الإمارات، مع تقديم عمل جديد للملحن والمغني الإماراتي فايز السعيد بعنوان «البرق والرعد والحنين». العمل يمزج الإيقاعات البحرية الإماراتية مع العيالة والتغرودة في بناء أوركسترالي حديث، وقد قُدم في مركز الفنون بجامعة نيويورك أبوظبي قبل عرضه في أوبرا دبي. ويأتي ضمن برنامج يهدف إلى إنتاج رصيد موسيقي أوركسترالي إماراتي جديد بدل الاكتفاء بأداء المؤلفات الكلاسيكية العالمية. 

هذا المسار يعكس تحولًا مهمًا في السياسات الموسيقية الخليجية. فبعد سنوات كان فيها الاستثمار الثقافي يركز على استضافة الأوركسترات والفرق العالمية، بدأت تظهر مرحلة ثانية عنوانها إنتاج أعمال محلية كبيرة قابلة للحفظ والتدوين وإعادة الأداء. وهذا فارق أساسي بين تنظيم الحفل وبناء الذاكرة الموسيقية؛ فالأوركسترا الوطنية تصبح أكثر أهمية حين تخلق مؤلفات ستظل قابلة للعزف بعد عقود، وتمنح التراث الشفهي والإيقاعي المحلي شكلاً جديدًا من الاستمرارية.

كما احتفلت أوبرا دبي بمرور عشر سنوات على تأسيسها عبر موسم يجمع الأوبرا والباليه والموسيقى العربية والكوميديا والمسرح. وشمل برنامج الذكرى حفلًا شاركت فيه السوبرانو المصرية فاطمة سعيد والأوركسترا الوطنية الإماراتية، بينما استقبل المسرح بين 17 و19 شتنبر باليه «زواج فيغارو» في معالجة تقدم العمل الموسيقي الشهير لموتسارت من خلال لغة الرقص. وتكشف برمجة الموسم أن المؤسسة تحاول المزج بين الإنتاج العالمي والحضور العربي، بدل الاكتفاء بوظيفة قاعة تستضيف العروض الدولية. 

وفي مجال الفنون التشكيلية، واصلت أبوظبي ودبي والشارقة نشاطها المكثف مع سلسلة معارض جديدة. ومن أبرزها معرض «Unseen Script» في مبادرة «رزق للفنون» بجزيرة الريم في أبوظبي، الذي يجمع عشرة فنانين حول فكرة العادات والتكرار والذاكرة والأنماط اليومية في زمن أصبحت فيه الخوارزميات والذكاء الاصطناعي قادرة على قراءة جزء كبير من السلوك البشري. وتتفاوت الأعمال بين لوحة زيتية يصل طولها إلى عشرة أمتار وأعمال صغيرة تستخدم أصداف البحر ومواد متنوعة. 

الاهتمام هنا لا يتعلق بجماليات المعرض وحدها، بل بالموضوع الذي يطرحه: ما الذي يبقى إنسانيًا حين تستطيع الآلة التعرف على أنماط حياتنا؟ بهذا المعنى يعكس المعرض دخول أسئلة الذكاء الاصطناعي إلى قلب الممارسة التشكيلية العربية، لا بوصفها مسألة تقنية تخص الأدوات، بل بوصفها سؤالًا عن الوعي والذاكرة والاعتياد والاختلاف الفردي.

وفي السعودية أعلنت مؤسسة بينالي الدرعية توسيع برامجها في حي جاكس بالرياض، بحيث تنتقل من نموذج يرتكز أساسًا على مواسم المعارض الكبرى إلى نشاط ثقافي مستمر طوال العام، بما يصل إلى ثمانية مواعيد شهريًا تشمل التكنولوجيا والبيئة والتصميم والنشر والطعام والحوارات وورش العمل.

وهذه خطوة تستحق الانتباه لأنها تعالج واحدة من أبرز نقاط ضعف المهرجانات والبيناليات العربية: ماذا يحدث للمكان بعد انتهاء التظاهرة الكبرى؟ الانتقال إلى برنامج سنوي يعني محاولة صناعة جمهور مستمر وعلاقة يومية بين الفضاء الثقافي والمدينة، وهو ما قد يكون أكثر تأثيرًا على المدى البعيد من حدث ضخم ينتهي بعد أسابيع.

أما المسرح العربي فقد سجل نشاطًا مهمًا في الأردن مع الدورة الرابعة والعشرين لمهرجان صيف الزرقاء المسرحي، بمشاركة فرق من الأردن والسعودية وسلطنة عمان والعراق وفلسطين وتونس. وقد انطلقت الفعاليات في مركز الملك عبد الله الثاني الثقافي في الزرقاء، في صيغة تؤكد استمرار المهرجانات المسرحية العربية بوصفها منصات للتبادل بين مدارس أداء وإخراج مختلفة، خصوصًا في وقت يعاني فيه المسرح من منافسة المحتوى الرقمي والمنصات المرئية. 

وفي مصر امتد أثر الدورة الثالثة والثلاثين لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي إلى ما بعد برنامجه الأساسي، من خلال تقديم العرض الختامي لورشة «الأداء الإبداعي في الفضاءات المفتوحة» تحت عنوان «We Are Here» يوم 17 شتنبر في بيت السناري. التجربة بحثت في العلاقة بين الممثل والمكان والذاكرة والجمهور، وهي واحدة من الاتجاهات المتزايدة في المسرح المعاصر الذي يحاول مغادرة نموذج الخشبة الإيطالية التقليدية إلى الشارع والبيت التاريخي والفضاء غير المسرحي. 

وبالتوازي، احتضنت القاهرة والإسكندرية خلال الأيام نفسها برنامجًا موسيقيًا ومسرحيًا كثيفًا، من حفل المؤلف وعازف البيانو هشام خرما في دار الأوبرا بالقاهرة بمرافقة أوركسترا يقودها ناير ناجي، إلى عودة عايدة الأيوبي إلى الحفل المباشر، إضافة إلى عرض «Nostos Eros» في مكتبة الإسكندرية. وتبين هذه الخريطة أن النشاط الثقافي المصري، رغم الأزمات التي تواجه المؤسسات والفنانين، ما زال قائمًا على تعدد كبير في المؤسسات والمسارح والمراكز المستقلة. 

وفي السينما برز أيضًا الإعلان عن عودة مهرجان دبي السينمائي الدولي بعد توقف طويل؛ فقد أُعلن خلال الأيام الماضية أن المهرجان، الذي أقيم بين 2004 و2017، سيعود في ديسمبر 2027. الخبر اكتسب أهمية خاصة بسبب الدور التاريخي للمهرجان في دعم الأفلام الإماراتية والعربية ومساعدته مشاريع عربية وصلت لاحقًا إلى محافل عالمية. 

العودة المرتقبة تعيد سؤال المنافسة بين المهرجانات السينمائية في المنطقة. خلال غياب دبي ظهرت أو توسعت مهرجانات أخرى في السعودية ومصر والمغرب والإمارات نفسها، وبالتالي فإن النسخة الجديدة ستدخل سوقًا سينمائية عربية مختلفة تمامًا عن تلك التي غادرتها قبل نحو عقد. التحدي لن يكون استعادة البريق وحده، بل تحديد الوظيفة التي سيؤديها المهرجان داخل منظومة عربية أصبحت أكثر امتلاءً بصناديق الدعم وأسواق الأفلام ومختبرات التطوير.

أوروبا: موسم الخريف يبدأ بين السينما والفن والمسرح والموسيقى

في إسبانيا افتتحت يوم 18 شتنبر الدورة الرابعة والسبعون لمهرجان سان سباستيان السينمائي، أحد أهم المهرجانات الأوروبية بعد كان وبرلين والبندقية. وتزامن افتتاح الدورة مع تكريم المخرج الألماني فيرنر هرتزوغ بجائزة دونوستيا، واستقبال الممثلة ناعومي واتس، في حين ينتظر البرنامج حضور أسماء كبيرة وأفلام أوروبية وأمريكية ودولية. 

سان سباستيان يأتي هذا العام في مرحلة شديدة الحساسية بالنسبة إلى السينما: الذكاء الاصطناعي يتقدم بسرعة إلى مجالات الإنتاج وما بعد الإنتاج، شركات البث تعيد تشكيل التمويل والتوزيع، وصالات السينما تحاول الحفاظ على جمهورها. لذلك لم يكن غريبًا أن يحذر هرتزوغ الشباب من ترك الخوارزميات تتحكم في حياتهم. الجملة تختصر إلى حد بعيد إحدى معارك السينما القادمة: هل يبقى الاختيار الفني نتيجة ذوق وتجربة ومغامرة، أم يصبح امتدادًا لما تقترحه أنظمة التوصية؟

وفي فرنسا تحولت الدورة الثامنة عشرة لبينالي ليون إلى أحد أبرز أحداث الفن الأوروبي لهذا الخريف. يشارك نحو 120 فنانًا من 42 دولة وتتوزع المعروضات على عدة فضاءات، من بينها موقع «Les Grandes Locos» ومتحف الفن المعاصر ومواقع أخرى. وقد اختارت القيّمة كاثرين نيكولز الاقتصاد محورًا واسعًا للدورة، من الإنتاج الصناعي إلى التبادل والقيمة والعمل. 

اختيار الاقتصاد موضوعًا للفن المعاصر ليس مصادفة؛ فالمؤسسات الثقافية الأوروبية نفسها تعيش ضغوط التمويل وارتفاع تكاليف الإنتاج، بينما يواجه الفنانون أسواقًا شديدة التفاوت. البينالي بذلك لا يتحدث عن موضوع خارجي بل عن البيئة التي ينتج فيها الفن نفسه: من يمنح الأشياء قيمة؟ من يمول الإبداع؟ وما علاقة الإنتاج الفني بالسوق والعمل والهجرة والاستعمار وتاريخ الصناعة؟

وفي باريس يواصل مهرجان الخريف دورته الخامسة والخمسين بمشاركة فنانين من نحو أربعين دولة، وتوزع عروضه بين المسرح والرقص والموسيقى والفنون البصرية على عدد كبير من المؤسسات في إيل دو فرانس. ومن بين الأعمال التي ظهرت خلال الأسبوع عروض تجمع الأداء بالتركيب الفني والوسائط الرقمية، بما يؤكد التحول المتواصل في الفنون الأدائية الأوروبية نحو أعمال يصعب وضعها في خانة المسرح أو الرقص أو الفن التشكيلي منفردة. 

وفي المسرح الفرنسي عاد نص «أوبو ملكًا» لألفريد جاري إلى مسرح باريس في معالجة للمخرج دانييل بينوا تستعير صورًا من السياسة الأمريكية المعاصرة. يقوم أندريه ماركون بالدور الرئيسي، فيما تنقل المعالجة الهجاء الأصلي المتعلق بجشع السلطة وعبثيتها إلى سياق سياسي حديث. وقد انقسمت القراءة النقدية للعمل بين الإشادة بأداء ماركون والتحفظ على الإفراط في المباشرة والمحاكاة الساخرة. 

تكشف هذه العودة استمرار ميل المسرح الأوروبي إلى إعادة تدوير الكلاسيكيات بوصفها مرآة للحاضر. فالنص الذي كتب في نهاية القرن التاسع عشر لا يقدم هنا باعتباره أثرًا من تاريخ المسرح، بل أداة لقراءة السلطة في القرن الحادي والعشرين. وهذه إحدى الخصائص الأساسية للمسرح الحي: النص لا يبقى ثابتًا، بل تتغير دلالته كلما تغير الجمهور والسياق.

كما شهدت مدريد يوم 18 شتنبر محطة موسيقية جماهيرية كبيرة مع حفل شاكيرا الذي استقطب نحو 55 ألف متفرج في أول عروضها بالعاصمة الإسبانية ضمن المرحلة الجديدة من جولتها. الحفل أعاد التأكيد على قدرة النجوم اللاتينيين على تجاوز الحدود التقليدية بين السوقين الأوروبية والأمريكية اللاتينية، وأظهر أن الحفل الموسيقي الضخم أصبح اليوم صناعة بصرية واستعراضية بقدر ما هو تجربة للاستماع. 

وفي مدريد أيضًا افتتحت تجربة فنية رقمية بعنوان «الأوديسة: الرحلة الغامرة»، تعيد تقديم عالم هوميروس من خلال الواقع الافتراضي والإسقاطات بزاوية 360 درجة والشاشات الهولوغرافية والبيئات التفاعلية. يدخل الزائر عالم أوليس ويتفاعل مع بعض محطات الرحلة الأسطورية بدل الاكتفاء بمشاهدة لوحات أو قراءة النصوص. 

وهذا النموذج يمثل اتجاهًا أوروبيًا وعالميًا آخذًا في الاتساع: المتحف والمعرض يتحولان تدريجيًا من فضاء «للمشاهدة» إلى فضاء «للدخول». لكن هذا التحول يطرح بدوره سؤالاً نقديًا: هل تساعد التكنولوجيا على اكتشاف العمل الأصلي أم تتحول إلى عرض ترفيهي مستقل عنه؟ نجاح التجارب الغامرة تجاريًا يؤكد أن الجمهور يريد علاقة أكثر حسية بالفن، لكن التحدي يكمن في الحفاظ على المعرفة والمعنى داخل الإبهار التقني.

وفي بريطانيا شهدت لندن مجموعة مهمة من افتتاحات الفن المعاصر. من بينها معرض «This Is Still Not a Pipe: The Afterlife of Magritte» الذي يعيد النظر في إرث السريالي البلجيكي رينيه ماغريت عبر وضع أعماله في حوار مع فناني العصر الحالي، إلى جانب عروض جديدة لغابرييل أوروزكو وأعمال أفلام وتركيبات فنية للفنان الهندي أمار كانوار. 

اختيار ماغريت تحديدًا يبدو ملائمًا لزمن الذكاء الاصطناعي والصور الاصطناعية. فقد قام جزء كبير من مشروعه على السؤال عن العلاقة بين الشيء وصورته واسمه، وهي مسألة عادت الآن بأشكال جديدة: هل الصورة التي تولدها الآلة تمثل شيئًا؟ وما معنى الأصل والنسخة؟ ومن يملك الصورة؟ من هنا تبدو عودة السريالية أقل ارتباطًا بالحنين إلى القرن العشرين مما تبدو مرتبطة بأزمة تمثيل جديدة يعيشها القرن الحادي والعشرون.

الولايات المتحدة وأمريكا الشمالية: مؤسسات كبرى تدخل مرحلة جديدة

في نيويورك كان الخبر الموسيقي الأبرز هو تولي غوستافو دوداميل رسميًا القيادة الموسيقية والفنية لفيلهارمونية نيويورك بعد سبعة عشر موسمًا قضاها مع أوركسترا لوس أنجلوس. دوداميل، القادم من تجربة «إل سيستيما» الفنزويلية، أصبح القائد السابع والعشرين في تاريخ المؤسسة التي تعاقب عليها أسماء من حجم غوستاف مالر وليونارد برنستاين. وقد استهل حضوره بسلسلة فعاليات وحفلات تسعى إلى تقليص الحواجز بين الأنواع الموسيقية وبين الأوركسترا والجمهور الجديد. 

الانتقال من لوس أنجلوس إلى نيويورك ليس تغييرًا في الوظيفة فقط؛ إنه انتقال أحد أشهر قادة الأوركسترا المعاصرين من نموذج ثقافي أمريكي إلى آخر. نجاحه في الساحل الغربي ارتبط بمحاولة جعل الموسيقى الكلاسيكية أقل عزلة عن المدينة وأكثر انفتاحًا على الجمهور اللاتيني والشباب والموسيقى الشعبية. والسؤال الآن هو مقدار ما يستطيع نقله من تلك التجربة إلى مؤسسة نيويوركية عريقة تحمل تاريخًا ضخمًا وتواجه في الوقت نفسه مشكلة تجديد جمهور الموسيقى الكلاسيكية.

وعلى مستوى الموسيقى الجماهيرية قدمت هايلي ويليامز في 16 شتنبر حفلاً في ملعب فورست هيلز بنيويورك ضمن جولتها المنفردة، في عرض ضم خمسة وعشرين عملاً امتدت عبر مراحل مختلفة من مشروعها الموسيقي بعيدًا عن فرقة بارامور. وقد أبرزت التغطيات تحول العرض إلى استعادة فنية لهوية ويليامز الخاصة خارج الصورة الجماعية التي ارتبط بها اسمها لسنوات. 

أما لوس أنجلوس فدخلت نهاية الأسبوع بسلسلة كثيفة من المعارض الفنية. افتتح معرض للفنان أوليفر لي جاكسون، كما قدم بول فايفر مشروعًا جديدًا بعنوان «Olympia» يشتغل على العلاقة بين الإعلام والفرجة والعمارة والجسد في مدينة تستعد لاستضافة أولمبياد 2028. وافتتح أيضًا معرض واسع للمصور الأمريكي روي ديكارافا يضم أكثر من 130 صورة إلى جانب فضاء سمعي يعرض الموسيقى والجاز اللذين شكلا جزءًا من عالمه الفني.

هذه المعارض تكشف إلى أي حد أصبحت لوس أنجلوس تعيد التفكير في صورتها قبل الألعاب الأولمبية. الفن هنا يطرح سؤالاً عن «الفرجة» نفسها: كيف تتحول المدينة إلى مشهد عالمي؟ وماذا يحدث لسكانها وتاريخها وأحيائها عندما تصبح موضوعًا للكاميرا والسوق والسياحة الرياضية؟ ولهذا يبدو مشروع فايفر أكثر من معرض متزامن مع الأولمبياد؛ إنه محاولة لقراءة الطريقة التي تنتج بها المدن صورتها أمام العالم.

ويستعد المشهد الفني الأمريكي كذلك لافتتاح متحف لوكاس للفن السردي في لوس أنجلوس، وهو مشروع ضخم يضم أكثر من ثلاثين قاعة عرض ونحو مئة ألف قدم مربعة من المساحات المخصصة للمعارض، ويجمع تحت مفهوم «السرد البصري» مواد تمتد من السينما والرسم والتوضيح إلى التصوير والفن الشعبي. وجود أعمال ومواد مرتبطة بأسماء متباعدة مثل فنسنت فان غوخ ونورمان روكويل وغوردون باركس وتشارلز شولز وعالم «حرب النجوم» يعكس محاولة لكسر الحاجز التقليدي بين الفن الرفيع والثقافة الشعبية. 

هذه المؤسسة قد تكون من أبرز المؤشرات على تغير مفهوم المتحف الأمريكي. فالمتحف لم يعد مضطرًا إلى اختيار موقعه بين «الفنون الجميلة» و«الثقافة الجماهيرية»؛ بإمكانه أن ينطلق من فعل السرد نفسه، سواء ظهر في لوحة أو صورة أو ملصق أو فيلم أو قصة مصورة. وهذا يتوافق مع جمهور نشأ في بيئة بصرية لا تقيم الحدود القديمة ذاتها بين السينما والمتاحف والكوميكس والتصميم.

وعلى المسرح شهدت لوس أنجلوس خلال الأيام الماضية عددًا من المشاريع اللافتة، بينها إنتاج جديد من «الزيارة» لفريدريش دورينمات في Pasadena Playhouse، وإعادة تخيل «أنتيغون» في فضاء Getty Villa عبر نقل المأساة الإغريقية إلى تينوتشتيتلان قبل الغزو الإسباني، مع استخدام الإنجليزية والإسبانية والناهيوتل. كما عاد نص «Marisol» للكاتب خوسيه ريفيرا في إنتاج جديد يسمح لجيل آخر بقراءة هذه المسرحية التي ظهرت أول مرة في التسعينيات. 

ما يجمع هذه العروض هو اعتماد المسرح الأمريكي بشكل متزايد على إعادة تموضع النص الكلاسيكي داخل ذاكرة ثقافية مختلفة. «أنتيغون» لا تعود هنا إلى اليونان القديمة بقدر ما تدخل التاريخ المكسيكي ما قبل الاستعماري. وهي طريقة تمنح الكلاسيكيات حياة جديدة، لكنها في الوقت نفسه تحول المسرح إلى مساحة لإعادة مناقشة من يملك الأسطورة ومن يحق له إعادة روايتها.

وفي نيويورك بدأ موسم برودواي 2026–2027 بالتشكل بوضوح. فقد دخلت مسرحية «School Girls; or, The African Mean Girls Play» مرحلة العروض التمهيدية في شتنبر، بينما تستعد معالجة جديدة لمسرحية موليير «المريض الوهمي» للبدء في 25 شتنبر، ويليها خلال الخريف عدد كبير من الإنتاجات الجديدة والإعادات، بما يؤكد عودة برودواي إلى نموذج الموسم الكثيف الذي يمزج النجوم المعروفين بالنصوص الكلاسيكية والأعمال الجديدة. 

أما سينمائيًا، فقد بقي مهرجان تورونتو السينمائي الدولي في كندا أحد محاور النقاش السينمائي في أمريكا الشمالية خلال الأيام الماضية. وإلى جانب العروض، استضاف المهرجان نقاشات حول مستقبل الصناعة شارك فيها جيمس ماكافوي وريبل ويلسون ومخرجون ومنتجون، وكان الذكاء الاصطناعي والتحولات التكنولوجية وعمليات اندماج الشركات وأزمة الإنتاج من الموضوعات المركزية. 

وهذه النقاشات ربما تكون أكثر دلالة من سجادة المهرجانات الحمراء. فصناعة السينما الأمريكية الشمالية تدخل مرحلة لا يزال شكلها النهائي مجهولًا: الذكاء الاصطناعي قادر على تغيير الكتابة والمؤثرات والدبلجة وما بعد الإنتاج، والمنصات غيرت نموذج التوزيع، بينما أصبح الحصول على التمويل أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى السينما المستقلة. لذلك تحولت المهرجانات تدريجيًا من أماكن لاكتشاف الأفلام إلى منتديات تفاوض حول مستقبل المهنة نفسها.

وفي صالات السينما الأمريكية انطلق أيضًا فيلم «The Musical» للمخرجة جيزيل بونيّا، وهو عمل كوميدي أسود يستند جزئيًا إلى خبرتها في بيئة المسرح المدرسي، ويستخدم تلك البيئة لمساءلة الطريقة التي يمكن بها تحويل المآسي العامة إلى أدوات لخدمة مصالح فردية أو اجتماعية. الفيلم يمثل إحدى السمات المتزايدة في السينما الأمريكية المستقلة: العودة إلى تجارب محلية وصغيرة من أجل مناقشة قضايا أكبر تتعلق بالطبقة والهوية والذاكرة والتمثيل الثقافي. 

المشهد المشترك: ماذا تقول لنا هذه الأيام عن الثقافة العالمية؟

عندما توضع هذه الوقائع جنبًا إلى جنب، يظهر أن الثقافة العالمية تتحرك حاليًا في أربعة اتجاهات متوازية. الأول هو استعادة الذاكرة: سوريا تعيد فتح فضاءات ثقافية وتستقبل فنانين عائدين، أوروبا تعيد قراءة نصوص ماغريت وجاري وهوميروس، ولوس أنجلوس تسترجع أعمال روي ديكارافا. والثاني هو البحث عن جمهور جديد: الأوركسترات تريد الشباب، المتاحف تدخل عالم التجارب الغامرة، المسرح يغادر قاعاته التقليدية، والمهرجانات تستعمل التدريب والأسواق والحوارات بدل الاقتصار على العرض.

الاتجاه الثالث هو تزايد حضور الهوية المحلية داخل أشكال عالمية. فايز السعيد يضع العيالة والتغرودة داخل بنية أوركسترالية، أصالة تبني ألبومًا على جغرافية المحافظات السورية، و«أنتيغون» تنتقل إلى المكسيك القديمة، وبينالي ليون يجمع تجارب من عشرات البلدان حول الاقتصاد والقيمة. لم يعد الانفتاح العالمي يعني التخلي عن المحلي؛ على العكس، يبدو أن قيمة الفنان في السوق الدولية ترتبط أكثر بقدرته على الدخول إليها بصوت يمكن التعرف إلى جذوره.

أما الاتجاه الرابع، وربما الأكثر أهمية، فهو دخول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى صميم النقاش الثقافي. المسألة لم تعد مقتصرة على سؤال ما إذا كان الفنان سيستعمل أداة توليد الصور أو النصوص. السؤال أصبح أوسع: ماذا تفعل الخوارزميات بالذوق؟ كيف نختار الفيلم الذي نشاهده والأغنية التي نسمعها؟ ماذا يعني أن تكون لنا ذاكرة شخصية في عالم يستطيع فيه النظام الرقمي اكتشاف أنماط سلوكنا؟ وهل تستطيع التجارب الافتراضية أن تجعل الأدب والتراث أكثر قربًا، أم أنها تستبدل المعرفة بالإبهار؟

لهذا تبدو حصيلة الأيام الماضية أكبر من مجموع حفلات ومعارض ومهرجانات منفصلة. ما يحدث من دمشق إلى أبوظبي والقاهرة، ومن باريس ومدريد ولندن وليون إلى نيويورك ولوس أنجلوس، يرسم ثقافة عالمية تعيد التفاوض على علاقتها بالماضي والتكنولوجيا والسوق والجمهور. والفنان اليوم لا يعمل فقط داخل سؤال «ماذا سأنتج؟»، بل داخل سؤال أكثر تعقيدًا: أين سيُعرض العمل، ومن سيشاهده، ومن سيموله، وبأي وسيلة سيصل إليه، وما الذي يبقى منه بعدما تنتهي لحظة الحدث؟

تلك ربما هي الخلاصة الأهم لهذا الأسبوع الثقافي: العالم لا يعاني نقصًا في الأحداث الفنية، بل يواجه تحدي تحويل كثافتها إلى ذاكرة ومعرفة ومؤسسات. المعرض يفتح ثم يغلق، والحفل ينتهي، والمهرجان يسدل ستاره، لكن الثقافة الحقيقية تبدأ من السؤال عما سيبقى بعد ذلك.


0 التعليقات: