شهد المشهد الثقافي والفني المغربي خلال الأيام الماضية حركة لافتة توزعت بين الدار البيضاء وطنجة والرباط ومراكش والخميسات، وكأن الخريطة الثقافية للمملكة أخذت في منتصف شتنبر تتحول إلى شبكة من المواعيد المتزامنة التي لا تنتمي إلى حقل فني واحد. الموسيقى الحضرية والجاز والسينما والفن التشكيلي والآثار حضرت جميعها في الواجهة، لكن الأهم بالنسبة إليّ ليس عدد التظاهرات بقدر ما تكشفه من تغير في مفهوم الفعل الثقافي نفسه؛ فالثقافة المغربية لم تعد محصورة في المؤسسات التقليدية أو في مواسم محددة، بل باتت تتحرك بين الفضاء العام والمهرجان الدولي والمختبر الأثري وقاعة العرض، وبين الإنتاج المحلي والانفتاح على تجارب العالم.
البولفار.. الثقافة الحضرية تتحول من الهامش إلى مؤسسة لاكتشاف المواهب
من أبرز أحداث الأيام الماضية انطلاق الدورة الرابعة والعشرين من مهرجان «البولفار» بالدار البيضاء، الذي يحتضنه ملعب الراسينغ الجامعي من 17 إلى 20 شتنبر 2026. وقد افتتحت الدورة بحضور جماهيري لافت وبمشاركة أسماء من موسيقى الراب والهيب هوب، من بينها ديزي دروس وفيغوشين، بينما تتوزع بقية البرمجة بين الروك والميتال والفيوجن والإلكترو والريغي، إلى جانب مشاركة أسماء وفرق مغربية ودولية. ويحافظ المهرجان على إحدى أهم خصوصياته، وهي مسابقة «Tremplin» المخصصة لاكتشاف المواهب الصاعدة، حيث اختير خمسة عشر مشروعًا موسيقيًا من مناطق مختلفة من المغرب، مع تخصيص جوائز وتكوين مهني وفرصة لتسجيل أعمال للفائزين.
أهمية «البولفار» تتجاوز في تقديري فكرة إقامة حفلات مجانية. فبعد أربعة وعشرين عامًا من الاستمرار، أصبح المهرجان جزءًا من تاريخ تشكل الموسيقى البديلة في المغرب، وخصوصًا الأنواع التي عانت في بداياتها من ضعف الاعتراف المؤسسي وضيق فضاءات العرض. انتقال الراب والميتال والفيوجن من دوائر صغيرة إلى مهرجان قادر على استقطاب آلاف المتابعين يؤشر إلى تغير عميق في الذائقة وفي علاقة الشباب بالثقافة. والأهم أن «Tremplin» يجعل التظاهرة أقرب إلى مختبر لاكتشاف الفنانين منه إلى منصة للاستهلاك الموسيقي فقط؛ فالمعضلة الحقيقية في الصناعة الموسيقية المغربية لا تكمن في غياب المواهب، بل في ندرة المسارات التي تنقل الفنان من التجربة الأولى إلى الاحتراف والتكوين والإنتاج والتوزيع. لذلك يظل «البولفار» نموذجًا يستحق القراءة باعتباره مؤسسة ثقافية غير رسمية ساهمت في إعطاء شرعية فنية لأصوات كانت قبل عقدين توضع في خانة الهامش.
طنجاز.. طنجة تستعيد صورتها بوصفها ملتقى موسيقيًا عالميًا
وفي شمال المغرب، افتتحت يوم 18 شتنبر الدورة الثالثة والعشرون من مهرجان «طنجاز»، الممتدة إلى 20 شتنبر، ببرنامج يجمع الجاز والسوينغ والسول والفانك والفلامنكو وموسيقى العالم. وشهدت الليلة الأولى حضور الثنائي المكسيكي Rodrigo y Gabriela للمرة الأولى في المغرب، إلى جانب عروض لفرق وفنانين آخرين، فيما تضم البرمجة أسماء دولية بارزة من بينها Diego El Cigala وBuena Vista All Stars. ولا تقتصر فعاليات المهرجان على قصر المؤسسات الإيطالية، بل تمتد عروض منه إلى فضاءات أخرى داخل طنجة، بما في ذلك الساحات والفنادق وبعض المواقع المفتوحة للجمهور.
ما يلفتني في «طنجاز» أن المهرجان يبدو منسجمًا بصورة المدينة نفسها. طنجة لم تكن تاريخيًا مدينة مغلقة على موسيقى واحدة أو هوية ثقافية أحادية، ولذلك يصبح الجاز فيها أكثر من جنس موسيقي مستورد؛ إنه لغة تناسب مدينة تشكلت ثقافيًا من الاختلاط والعبور والهجرة والتجاور بين لغات وحساسيات متعددة. وحين يمتد المهرجان من القاعة إلى الفضاء الحضري، فإنه يعيد ربط الثقافة بالمدينة بدل عزلها داخل منصة مغلقة. هذه النقطة بالذات مهمة في السياسة الثقافية المعاصرة: نجاح المهرجان لا يقاس فقط بعدد الأسماء العالمية التي يستضيفها، بل بقدرته على ترك أثر في إيقاع المدينة وعلى جعل المواطن، حتى غير المقتني لتذكرة، يشعر بأن حدثًا ثقافيًا يمر من أمامه ويخصه هو أيضًا.
وادي بهت.. اكتشاف أثري يفتح صفحة أقدم من الذاكرة المكتوبة
بعيدًا عن المهرجانات، فرض موقع وادي بهت بإقليم الخميسات نفسه واحدًا من أهم الأخبار الثقافية والعلمية خلال الأسبوع. فقد كشفت نتائج جديدة لأعمال التنقيب عن معطيات حول نشاط بشري ممتد في الموقع، بما في ذلك تحصينات تعود إلى العصر البرونزي. وتشير المعطيات المنشورة إلى نظام دفاعي كبير يعود إلى ما بين 3500 و4000 سنة، وصفه الباحثون بأنه الأقدم من نوعه المعروف في شمال إفريقيا خارج وادي النيل. كما بيّنت أعمال البحث المتواصلة منذ سنوات أن الموقع شهد استقرارًا بشريًا ونشاطًا زراعيًا يعودان إلى عصور أقدم، وأنه كان جزءًا من شبكات تبادل واسعة في غرب البحر الأبيض المتوسط. وقد نُشرت نتائج علمية حديثة مرتبطة بالموقع خلال شتنبر الجاري بعد مواسم طويلة من العمل الأثري.
هذا الاكتشاف، في نظري، أهم من أن يبقى خبرًا أثريًا موسميًا. فكل كشف من هذا النوع يعيد بناء صورة المغرب قبل التاريخ المكتوب، ويحرر معرفتنا بالماضي من التصورات التي تختزل المنطقة في كونها هامشًا يستقبل الحضارات الوافدة من الشرق أو الشمال. وجود تجمعات زراعية منظمة ومنشآت دفاعية وعلاقات تبادل بعيدة المدى يعني أن المجتمعات القديمة في المغرب كانت منتجة للتنظيم والتقنية والتجارة، وليست مجرد متلقية لها. والتحدي الذي يلي الاكتشاف العلمي يبدأ الآن: هل يتحول وادي بهت إلى موقع محفوظ ومهيأ للبحث والزيارة والتعليم، أم تظل قيمته حبيسة الدوريات العلمية؟ الثقافة هنا ليست مهرجانًا أو لوحة أو رواية فقط؛ إنها أيضًا القدرة على تحويل التراث الأثري إلى معرفة عامة وذاكرة وطنية ومورد للتنمية الثقافية المحلية.
حسن كوهن في الرباط.. فن مغاربة العالم يعود محمّلًا بهويات متعددة
وفي مجال الفن التشكيلي، افتتح برواق «ضفاف» بمقر مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج في الرباط معرض للفنان المغربي الأمريكي حسن كوهن، يمتد من 17 شتنبر إلى 6 أكتوبر 2026. وتقدم التجربة الفنية المعروضة مسار فنان تشكل بين مرجعيات متعددة، وهو ما جعل المؤسسة المنظمة تقدم المعرض في سياق إبراز تعدد روافد الإبداع لدى مغاربة العالم وما ينتجه العيش بين ثقافتين أو أكثر من تنوع في أشكال التعبير الفني.
وتثير مثل هذه المعارض سؤالًا يتجاوز التجربة الفردية للفنان: أين يبدأ الفن المغربي وأين تنتهي حدوده الجغرافية؟ فالفنان الذي يعيش ويشتغل في نيويورك أو باريس أو مونتريال لا يغادر بالضرورة المجال الثقافي المغربي، بل قد يوسعه ويعيد صياغته من الخارج. ولهذا أرى أن إبداع مغاربة العالم لا ينبغي التعامل معه بوصفه ملحقًا ثقافيًا بالجالية، وإنما جزء من الفن المغربي المعاصر نفسه. المبدع المهاجر يحمل معه ذاكرة بصرية محلية لكنه يعرضها للاحتكاك بمدارس وأسواق وجماليات أخرى، فتظهر أعمال هجينة بالمعنى الخلاق للكلمة. مثل هذه المعارض تعيد وصل هذه التجارب بالساحة الوطنية وتسمح للجمهور المغربي برؤية ذاته من مرايا جغرافية وثقافية مختلفة.
السينما الكولومبية في مراكش.. الشاشة بوصفها أداة للحوار بين الجنوب والجنوب
ومنذ 16 شتنبر يحتضن معهد ثربانتس بمراكش مهرجانًا للسينما الكولومبية يستمر إلى 2 أكتوبر، تنظمه سفارة كولومبيا بالمغرب بالتعاون مع المعهد. وتضم البرمجة ثلاثة أفلام تقدم جوانب من المجتمع والثقافة الكولومبية وتتناول موضوعات من قبيل الشباب والهجرة والتقاليد الشعبية والهويات الجهوية، عبر أعمال تنتمي إلى الوثائقي والخيال السينمائي.
قد يبدو الحدث محدودًا قياسًا إلى مهرجانات سينمائية كبرى، لكن قيمته الثقافية تكمن في اتجاه مختلف: توسيع نافذة المغربي على سينمات لا تصل عادة إلى دوائر العرض التجارية. فالثقافة السينمائية المحلية ظلت تاريخيًا أكثر اتصالًا بالسينما الأوروبية والأمريكية، بينما تبقى السينمات اللاتينية والإفريقية والآسيوية أقل حضورًا رغم التقاطعات الاجتماعية والتاريخية العديدة. والسينما الكولومبية، بما تحمله من قضايا الذاكرة والهجرة والعنف والتحولات الحضرية والهويات المحلية، يمكن أن تفتح حوارًا ثريًا مع المتلقي المغربي. إن بناء علاقات ثقافية بين بلدان الجنوب لا يحتاج دائمًا إلى مؤتمرات كبرى؛ أحيانًا تبدأ الدبلوماسية الثقافية بثلاثة أفلام وجمهور صغير ثم تتوسع عبر فضول متبادل طويل الأمد.
مهرجان مراكش للفيلم القصير.. الفيلم القصير يبحث عن اقتصاد يتجاوز زمن العرض
وفي سياق سينمائي آخر، كشفت خلال الأيام الماضية تفاصيل الدورة السادسة من مهرجان مراكش للفيلم القصير، المقرر تنظيمها بين 25 و30 شتنبر 2026. وتضم الدورة مسابقات وطنية ودولية وبرامج مهنية، مع اختيار مالطا ضيف شرف، فيما تتولى الممثلة التركية توبا بويوك أوستون رئاسة إحدى لجان التحكيم. ويعلن المهرجان بوضوح أن طموحه لم يعد مقتصرًا على عرض الأفلام، بل يمتد إلى تطوير المشاريع وإقامة اللقاءات المهنية وخلق جسور بين السينما المغربية والإفريقية والدولية.
وهذه النقلة تستحق التوقف عندها، لأن أزمة الفيلم القصير في المغرب وفي دول كثيرة ليست أزمة إبداع في المقام الأول، بل أزمة دورة حياة. عشرات الأفلام تُنجز كل عام وتعرض في مهرجانات ثم تختفي لغياب شبكات التوزيع والبيع والوصول إلى المنصات والأسواق. لذلك يصبح إدماج التكوين والتطوير والاجتماعات المهنية داخل المهرجان أكثر أهمية من تضخيم عدد العروض وحده. فإذا استطاع الفيلم القصير المغربي أن ينتقل من منطق «العمل الذي يشاهده جمهور المهرجان» إلى «المشروع الذي يدخل شبكة إنتاج وتوزيع دولية»، فسيتحول هذا الجنس السينمائي إلى بوابة حقيقية أمام جيل جديد من المخرجين والكتاب والتقنيين.
خلاصة: المشهد يتحرك… لكن السؤال هو ما يبقى بعد انطفاء الأضواء
حين أجمع هذه المحطات في صورة واحدة، تبدو الثقافة المغربية خلال الأيام الماضية متعددة المراكز واللغات والأشكال: موسيقى بديلة في الدار البيضاء، جاز عالمي في طنجة، فن تشكيلي في الرباط، سينما لاتينية ودولية في مراكش، وأرض في الخميسات تعيد كتابة فصول من تاريخ المغرب القديم. وهذا التنوع في حد ذاته علامة إيجابية، لأنه يعني أن الثقافة لا تتحرك من عاصمة واحدة ولا داخل نموذج فني وحيد.
لكن الحصيلة تضع أمامنا سؤالًا أكثر صعوبة: ماذا يبقى بعد انتهاء المهرجان وإغلاق المعرض وانصراف الجمهور؟ التحدي المقبل ليس فقط إنتاج أحداث ثقافية أكثر، وإنما بناء الاستمرارية بينها: تكوين الفنانين، توثيق الأعمال، توسيع جمهور القراءة والفنون، دعم فضاءات العرض، حماية المواقع الأثرية، وربط المدن بشبكات ثقافية تعمل طوال السنة. فالمشهد الثقافي المغربي يملك طاقة بشرية وإبداعية واضحة؛ وما يحتاج إليه أكثر هو تحويل هذه الطاقة من سلسلة لحظات متفرقة إلى بنية ثقافية مستدامة قادرة على إنتاج المعرفة والجمال والذاكرة في الوقت نفسه.
النسخة الثانية: جاهزة للنشر بلا روابط أو إحالات
الأيام الأخيرة في المغرب لم تكن هادئة ثقافيًا. من الدار البيضاء إلى طنجة، ومن الرباط إلى مراكش والخميسات، تحركت الموسيقى والسينما والفنون التشكيلية والآثار في وقت متقارب، لترسم صورة مشهد لا تحكمه لغة فنية واحدة ولا مدينة واحدة. ما شدني في هذه الحصيلة ليس كثرة المهرجانات وحدها، وإنما تعدد الطرق التي أصبحت الثقافة المغربية تعبر بها عن نفسها: منصة موسيقية تمنح الشباب فرصة للظهور، مهرجان دولي يعيد مدينة إلى ذاكرتها الكوسموبوليتية، معرض يسترجع إبداع مغاربة العالم، شاشة تفتح نافذة على أمريكا اللاتينية، وتنقيبات في الأرض تغير أجزاء من معرفتنا بالمغرب القديم.
في الدار البيضاء عاد «البولفار» في دورته الرابعة والعشرين من 17 إلى 20 شتنبر باعتباره واحدًا من أكثر المواعيد ارتباطًا بتاريخ الموسيقى البديلة والحضرية في المغرب. الراب والهيب هوب والروك والميتال والفيوجن لم تعد أصواتًا هامشية تبحث عن زاوية صغيرة داخل المشهد؛ لقد صارت تملك جمهورها ومنصاتها ونجومها وجيلها الجديد. وحضور أسماء معروفة إلى جانب فرق وفنانين في بداياتهم يجعل المهرجان مكانًا تلتقي فيه الذاكرة الموسيقية لجيل سابق بالطموح الفني لجيل جديد.
ما يعطي «البولفار» قيمة إضافية في نظري هو أنه لا يكتفي بمنطق استقدام الفنان وإقامة الحفل، بل يحتفظ بمسابقة موجهة إلى المواهب الجديدة مصحوبة بالتكوين وفرص التسجيل. وهذه نقطة جوهرية في واقع موسيقي يحتاج إلى ما هو أكثر من الشهرة السريعة على المنصات الرقمية. الفنان الشاب يحتاج إلى فضاء للتجريب، وخبرة تقنية، وعلاقات مهنية، وإنتاج قادر على نقله من مرحلة الهواية إلى الاحتراف. بهذا المعنى يصبح المهرجان جزءًا من صناعة ثقافية ناشئة وليس مجرد أربعة أيام من الضجيج الموسيقي.
وفي طنجة عاد «طنجاز» بدورته الثالثة والعشرين ليمنح المدينة ثلاثة أيام تتقاطع فيها موسيقى الجاز مع السوينغ والسول والفنك والفلامنكو وموسيقى العالم. مشاركة فنانين دوليين كبار وانتقال بعض العروض إلى فضاءات مختلفة في المدينة يجعلان المهرجان أكثر من برنامج حفلات؛ إنه محاولة لجعل الموسيقى جزءًا من الحركة اليومية لطنجة.
وهذا الاختيار يبدو منسجمًا تمامًا مع تاريخ المدينة. طنجة كانت دائمًا ملتقى طرق ولغات وأجناس فنية، ولذلك ينسجم الجاز، بما يقوم عليه من حوار وارتجال وتلاقح، مع شخصيتها الثقافية. نجاح تظاهرة كهذه لا ينبغي أن يقاس فقط بقيمة الأسماء التي تظهر على الملصق، بل بقدرتها على جعل المدينة كلها تشعر بأنها في قلب الحدث. الثقافة تصبح أكثر حياة عندما تغادر القاعات المغلقة وتنتقل إلى الشارع والساحة والمقهى والفندق والفضاء العام.
أما في إقليم الخميسات، فقد جاءت الأخبار من مكان مختلف تمامًا: الأرض نفسها. كشفت الأبحاث الأثرية في موقع وادي بهت عن معطيات جديدة تتعلق باستمرار النشاط البشري بالمنطقة ووجود منشآت دفاعية تعود إلى العصر البرونزي، ضمن موقع عرف وجود تجمعات زراعية بشرية منذ عصور موغلة في القدم. ونحن أمام اكتشاف لا ينبغي التعامل معه باعتباره رقمًا جديدًا يضاف إلى كتب الآثار، لأن قيمة الموقع تتصل بإعادة النظر في جزء من تاريخ المغرب وشمال إفريقيا.
كلما كشفت الأبحاث الأثرية المغربية عن تجمعات منظمة أو إنتاج زراعي أو تحصينات أو شبكات للتبادل التجاري، تراجعت أكثر الصورة القديمة التي كانت تقدم شمال إفريقيا كمنطقة سلبية تنتظر التأثير القادم من الخارج. وادي بهت يعيد المجتمعات القديمة التي عاشت فوق هذه الأرض إلى قلب التاريخ بوصفها جماعات قادرة على البناء والتنظيم والإنتاج والتبادل. وهنا يبدأ التحدي الحقيقي: حماية الموقع، مواصلة البحث فيه، تحويل نتائجه إلى معرفة مدرسية وعامة، وربطه بالسياحة الثقافية والتنمية المحلية حتى لا تبقى أهميته محصورة بين الباحثين.
وفي الرباط يحمل معرض الفنان المغربي الأمريكي حسن كوهن زاوية أخرى من زوايا الثقافة المغربية المعاصرة. فمسار الفنان الذي يعيش بين مرجعيات ثقافية متعددة يطرح مجددًا قضية إبداع مغاربة العالم وموقعه داخل تعريفنا للفن المغربي. الإبداع لا يفقد هويته بالهجرة بالضرورة، بل قد تصبح الهجرة نفسها مادة فنية تسمح بإعادة النظر في الذاكرة والانتماء واللون والمكان.
أعتقد أن الوقت حان للنظر إلى إبداع المغاربة المقيمين بالخارج باعتباره جزءًا أصيلًا من الثقافة الوطنية، لا نشاطًا موازيًا تحت عنوان «ثقافة الجالية». الفنان المغربي الذي يعيش في الولايات المتحدة أو أوروبا أو كندا يضيف إلى الفن المغربي فضاءات ومرجعيات وأسئلة جديدة. وعندما تعود أعماله إلى الرباط أو الدار البيضاء أو مراكش فإنها لا تعود من «الخارج» بالمعنى البسيط، بل تحمل معها نسخة أوسع من التجربة المغربية نفسها.
مراكش بدورها فتحت نافذة على السينما الكولومبية من خلال برنامج سينمائي يمتد من منتصف شتنبر إلى بداية أكتوبر ويقدم أعمالًا تتصل بالشباب والهجرة والتقاليد الشعبية والهويات المحلية. قد يكون عدد الأفلام محدودًا، لكن القيمة الثقافية لمثل هذه المبادرات لا تقاس بالكم؛ فالجمهور المغربي يحتاج إلى التعرف على سينمات تتجاوز المحور الأوروبي والأمريكي التجاري الذي يهيمن على التوزيع.
التقارب مع السينما اللاتينية يمكن أن يكون أكثر إثارة مما يبدو للوهلة الأولى. مجتمعات أمريكا اللاتينية تحمل بدورها تاريخًا من الهجرة والتفاوت الاجتماعي والذاكرة الجماعية والتنوع الجهوي والتوتر بين الحداثة والتقاليد. عندما يشاهد المغربي هذه القصص لا يكتشف بلدًا بعيدًا فقط، بل قد يعثر على أسئلة قريبة منه في سياقات مختلفة. بهذا المعنى تتحول الشاشة إلى نوع من الدبلوماسية الثقافية الهادئة التي تبني المعرفة بين الشعوب دون خطابات رسمية ثقيلة.
وفي المدينة نفسها، أعلنت التفاصيل الجديدة للدورة السادسة لمهرجان مراكش للفيلم القصير، الذي ينظم بين 25 و30 شتنبر. اللافت هذه المرة أن المهرجان يريد أن يتجاوز وظيفة العرض إلى تطوير المشاريع واللقاءات المهنية وربط المخرجين والمنتجين والمواهب المغربية بشبكات أوسع داخل إفريقيا وخارجها.
هذه النقلة ضرورية بالنسبة للفيلم القصير. فالمشكلة ليست دائمًا في غياب الأفلام، وإنما في مصيرها بعد العرض الأول. يمكن لمخرج شاب أن يصنع فيلمًا جيدًا ثم يجد نفسه عاجزًا عن الوصول به إلى الموزعين والمنصات والأسواق والمنتجين. ولذلك تبدو لي المهرجانات التي تجمع العرض بالتكوين والتطوير المهني أكثر قدرة على بناء صناعة سينمائية من تلك التي تكتفي بمنح الجوائز والتقاط الصور في حفل الاختتام.
عند النظر إلى هذه الأحداث مجتمعة يظهر أمامي مغرب ثقافي يتحرك على أكثر من مستوى. الدار البيضاء تمنح مساحة للثقافة الحضرية، طنجة تعيد تنشيط ذاكرتها الموسيقية العالمية، الرباط تستقبل تجارب مغاربة العالم، مراكش توسع حوارها السينمائي، والخميسات تستعيد من باطن الأرض تاريخًا ظل مجهولًا لقرون طويلة. المشهد متنوع، وهذه نقطة قوته الأساسية.
لكنني أعتقد أن السؤال الحقيقي يبدأ بعد انتهاء هذه الأحداث. هل يستطيع المغرب أن يحول هذا الزخم إلى بنية ثقافية تعمل طوال السنة؟ المهرجان ضروري، لكن الفنان يحتاج بعده إلى قاعة وتكوين وإنتاج وتوزيع. الاكتشاف الأثري مهم، لكنه يحتاج إلى حماية ومتحف وتثمين. المعرض يضيء تجربة فنان، لكن سوق الفن تحتاج إلى جمهور ونقد وأرشيف ومؤسسات. الفيلم يعرض في أسبوع ثقافي، لكنه يحتاج بعد ذلك إلى طريق يصل به إلى المشاهد. لذلك فإن الحصيلة الثقافية للأيام الماضية تبدو غنية، لكن الاختبار الحقيقي ليس عدد الأضواء التي نضيئها، وإنما قدرتنا على إبقائها مشتعلة بعد أن ينصرف الجمهور.








0 التعليقات:
إرسال تعليق