أَنَا، أَمْ لَسْتُ أَنَا، ذٰلِكَ الِانْحِنَاءُ الَّذِي تَرَكَهُ جَسَدٌ غَابِرٌ عَلَى خَشَبَةٍ مَمْلُوحَةٍ بِزَبَدٍ لَا يَعْرِفُ البَحْرُ مِنْ أَيِّ سُدْفَةٍ جَاءَ، أَفْتَحُ فَمِي فَتَدْخُلُ السُّفُنُ، لَا السُّفُنُ الَّتِي تُبْصَرُ فِي المَرَاسِي، بَلْ سُفُنٌ مِنْ عِظَامٍ رَخْوَةٍ وَقِشْرٍ مُتَشَظٍّ وَمَسَامِيرَ تَفُوحُ مِنْهَا رَائِحَةُ النُّحَاسِ الأَخْضَرِ، تَجُرُّ مَرَاسِيَهَا فِي أَخَادِيدِ القَلْبِ، وَعَلَى ظُهُورِهَا يَنْبُتُ الأُشْنَانُ، وَالعَرْفَجُ، وَالحَنْظَلُ، وَطَحَالِبُ كَأَنَّهَا شَعْرُ مَوْتًى نَامُوا تَحْتَ المَاءِ وَنَسُوا أَنْ يَسْتَيْقِظُوا. أَسْمَعُ الصَّدَأَ يَتَنَاسَلُ فِي أَضْلُعِي كَدُعَاءٍ مَعْدِنِيٍّ لَا مِحْرَابَ لَهُ، وَيَتَسَلَّلُ مِنَ المِسْمَارِ إِلَى العَصَبِ، وَمِنَ العَصَبِ إِلَى الِاسْمِ، وَمِنَ الِاسْمِ إِلَى المَحْوِ، حَتَّى يَغْدُو البَحْرُ نَفْسُهُ لَا مَاءً، بَلْ دَابَّةً عَظِيمَةً مِنْ ذَوَاتِ اللُّجَجِ، تَنَامُ فِي قَحْفِ العَالَمِ وَتَتَنَفَّسُ بِخَيَاشِيمَ مِنْ لَيْلٍ، فَإِذَا شَهَقَتِ ارْتَجَفَتِ السُّفُنُ، وَإِذَا زَفَرَتْ سَقَطَ مِنْ رَأْسِي اسْمٌ، وَإِذَا عَادَ المَدُّ جَاءَنِي بِوُجُوهٍ مُنْطَفِئَةٍ لَمْ تَعُدْ تَعْرِفُ أَنَّهَا كَانَتْ وُجُوهًا. أَمُدُّ يَدِي لَا لِأَلْمَسَ شَيْئًا، بَلْ لِأَتَحَقَّقَ أَنَّ لِي يَدًا، فَتَنْسَلُّ مِنْ أَصَابِعِي حِبَالٌ مِنْ لِيفٍ وَقِنَّبٍ وَأَوْتَارٍ يَابِسَةٍ، وَمِنَ الحِبَالِ يَتَدَلَّى شَعْرُ امْرَأَةٍ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تُولَدَ، وَمِنَ الشَّعْرِ تَخْرُجُ رُخَمٌ وَغِرْبَانٌ وَقَطَا كَالحَبْرِ، تَضَعُ بَيْضَهَا فِي مَصَابِيحِ المِينَاءِ، ثُمَّ يَفْقِسُ اللَّيْلُ عَنْ عُيُونٍ زُرْقٍ لَا تَرْمِشُ، كَأَنَّهَا عُيُونُ سُهَيْلٍ وَالشِّعْرَى وَالدَّبَرَانِ وَهِيَ تَتَدَلَّى مِنْ قُبَّةٍ فَلَكِيَّةٍ مَكْسُورَةٍ لِتَرْقُبَ الشَّيْخُوخَةَ وَهِيَ تَنْهَشُنَا بِأَسْنَانٍ صِغَارٍ لَا تُرَى.
وَيَمُرُّ
إِلَى جَانِبِي كَائِنٌ ذُو وَبَرٍ، أَمْ لَعَلَّهُ ظِلٌّ تَجَسَّدَ فِي هَيْئَةِ
سِنَّوْرٍ، أَوْ بَقِيَّةُ دِفْءٍ انْفَصَلَتْ عَنْ جَسَدٍ وَأَبَتْ أَنْ
تَبْرُدَ، لَهُ عَيْنَانِ كَبِئْرَيْنِ غَارَ فِيهِمَا النَّهَارُ، وَظَهْرٌ
يَرْتَعِدُ كَأَنَّ تَحْتَ جِلْدِهِ زَوْرَقًا مِنْ أَبَنُوسٍ يَحْلُمُ
بِالنَّجَاةِ. أَمْسَحُ عَلَى فَرْوِهِ فَتَنْقَلِبُ كَفِّي إِلَى مِغْرَفَةٍ
تَسْتَخْرِجُ مِنْ قَاعِ الرُّوحِ طِفْلًا يَرْكُضُ وَرَاءَ يَرَاعَةٍ،
وَجَنَازَةً تَمُرُّ بَيْنَ شَجَرِ السِّدْرِ، وَغُرْفَةً تُعَلِّقُ السَّرَابَ
عَلَى سِتَائِرِهَا، وَوَجْهَ أُمٍّ يَصْعَدُ مِنْ بُخَارِ شَايٍ ثُمَّ
يَتَنَاثَرُ مِثْلَ طَلْعِ النَّخْلِ فِي الرِّيحِ. الوَبَرُ ذَاكِرَةٌ،
وَالمُوَاءُ ذَاكِرَةٌ، وَالنُّبَاحُ ذَاكِرَةٌ، وَحَتَّى الصَّمْتُ لَهُ
مَخَالِبُ وَأَضْرَاسٌ وَغُدَدٌ خَفِيَّةٌ، وَتِلْكَ الدَّوَابُّ الَّتِي تَنَامُ
عِنْدَ الأَقْدَامِ لَيْسَتْ دَوَابَّ فَقَطْ، بَلْ كَهَنَةُ مَقَابِرَ
مُؤَجَّلَةٍ، وَحُرَّاسُ عَتَبَاتٍ لَا تُفْضِي إِلَّا إِلَى الغَيْبِ، تَشُمُّ
رَائِحَةَ الغِيَابِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَتَرْفَعُ رُؤُوسَهَا نَحْوَ جِهَةٍ لَا
يَرَاهَا البَشَرُ، كَأَنَّ لِلْمَوْتِ خُفًّا مِنْ رِيحٍ وَأَنَّ وَقْعَهُ لَا
يَسْمَعُهُ إِلَّا مَنْ خَلَتْ أُذُنُهُ مِنْ ضَجِيجِ الكَلَامِ.
وَتَتَدَلَّى
المَصَابِيحُ مِنَ الظُّلْمَةِ كَثِمَارِ سِدْرٍ مَسْحُورٍ أَوْ كَقَنَادِيلَ
مُرَّةٍ نَبَتَتْ فِي جَوْفِ كَوْكَبٍ خَامِدٍ، وَلِلنُّورِ هُنَا رَائِحَةٌ،
رَائِحَةُ دُهْنٍ مُحْتَرِقٍ وَصُوفٍ مَبْلُولٍ وَقَهْوَةٍ بَاتَتْ فِي قَعْرِ
إِنَاءٍ وَمِرْفَقٍ عَجُوزٍ أَسْنَدَ نَفْسَهُ إِلَى خَشَبَةٍ ثُمَّ نَسِيَ سَبَبَ
تَعَبِهِ. الكُرْسِيُّ لَيْسَ كُرْسِيًّا، إِنَّهُ قَوْسُ المَوْتِ وَهُوَ
يَسْتَرِيحُ قَلِيلًا، أَجْلِسُ عَلَيْهِ فَيَجْلِسُ عَلَيَّ، وَيَدْخُلُ خَشَبُهُ
فِي ظَهْرِي وَيَدْخُلُ ظَهْرِي فِي خَشَبِهِ، فَلَا أَعُودُ أَدْرِي أَنَا
الأَثَاثُ أَمْ هُوَ، أَنَا المِسْمَارُ أَمْ هُوَ، أَنَا الحَبْلُ المَشْدُودُ
بَيْنَ سَفِينَتَيْنِ نَسِيَتَا سَبَبَ اقْتِرَابِهِمَا أَمْ أَنَّ
السَّفِينَتَيْنِ هُمَا الضِّلْعَانِ اللَّذَانِ يَحْفَظَانِ فِي مَا بَيْنَهُمَا
قَلْبًا مُتَآكِلًا. وَالسُّفُنُ نَفْسُهَا لَا تَبْدُو لِي هَيَاكِلَ مِنْ
حَدِيدٍ، بَلْ شَيْخُوخَةَ العَالَمِ وَقَدِ اتَّخَذَتْ لَهَا جِلْدًا مُقَشَّرًا
وَأَضْلُعًا نَافِرَةً وَأَبْوَابًا تَتَنَفَّسُ وَمَمَرَّاتٍ كَالأَمْعَاءِ،
وَمَرَاسِيَ كَأَنْيَابِ وَحْشٍ غَاطِسٍ فِي طَمْيِ القَاعِ. وَالقَاعُ لَا قَاعَ
لَهُ، فَتَحْتَهُ قَاعٌ آخَرُ، وَتَحْتَ ذَاكَ جُبٌّ، وَتَحْتَ الجُبِّ حَنْجَرَةٌ
سَوْدَاءُ، وَفِي الحَنْجَرَةِ أُمُّ البَحْرِ تَمْضَغُ أَسْمَاءَنَا كَحَبَّاتِ
الخَرُوبِ وَتَبْصُقُ مِنْهَا الحُرُوفَ الَّتِي لَا تَرُوقُ لَهَا.
وَأَحْيَانًا
يَأْتِينِي مِنْ جَوْفِ الحَدِيدِ نِدَاءٌ خَفِيٌّ، فَأَقْتَرِبُ وَلَا أَجِدُ
شَيْئًا، فَإِذَا انْصَرَفْتُ نَادَانِي مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ، فَأَظُنُّ أَنَّ
اسْمِي هَرِمَ قَبْلِي وَأَخَذَ يَتَعَثَّرُ فِي صَدَفِ المِينَاءِ، أَوْ أَنَّ
صَوْتِي بَعْدَ مَوْتِي يَسْتَدِيرُ فِي الزَّمَنِ وَيَعُودُ إِلَيَّ لِيَقُولَ
لِي إِنَّنِي لَمْ أَمُتْ بَعْدُ، أَوْ رُبَّمَا لَا أَحَدَ يُنَادِي، وَمَا
«أَحَدٌ» إِلَّا حِيلَةٌ نَحْوِيَّةٌ اخْتَرَعْنَاهَا لِنُخَفِّفَ وَحْشَةَ
العَدَمِ. الوُجُوهُ حَوْلِي تَنْحَلُّ، اللِّحَى تَصِيرُ أُشْنًا، وَالشُّعُورُ
مِلْحًا، وَالعُيُونُ ثُرَيَّاتٍ مَكْسُورَةً، وَالأَفْوَاهُ كُهُوفًا يَعْبُرُ
مِنْهَا الهَوَاءُ وَيَضِيعُ، فَيَغْدُو كُلُّ شَيْخٍ سَفِينَةً، وَكُلُّ
سَفِينَةٍ قَبْرًا مُتَرَدِّدًا، وَكُلُّ قَبْرٍ بَيْتًا نَاقِصَ السَّقْفِ، وَكُلُّ
بَيْتٍ مَخْلُوقًا يَرْتَعِشُ مِنْ فِكْرَةِ النِّسْيَانِ. أَرَى امْرَأَةً
تَحْمِلُ كُوبًا، ثُمَّ أَرَى الكُوبَ هُوَ الَّذِي يَحْمِلُ يَدَهَا، وَاليَدَ
تَحْمِلُ رَعْشَةً، وَالرَّعْشَةَ تَحْمِلُ عُمْرًا، وَالعُمْرَ يَحْمِلُ نَعْشًا
صَغِيرًا مَطْوِيًّا تَحْتَ الجِلْدِ. وَلَا أَحَدَ يَصْرُخُ؛ نَحْنُ مُهَذَّبُونَ
مَعَ مَوْتِنَا، نُهَيِّئُ لَهُ المَقَاعِدَ، وَنُسَخِّنُ لَهُ الشَّرَابَ،
وَنُبْقِي البَابَ مُوَارَبًا، وَنُشْعِلُ لَهُ قِنْدِيلًا فِي الرِّوَاقِ،
كَأَنَّهُ ضَيْفٌ مُتَأَخِّرٌ لَا نُرِيدُهُ أَنْ يَتَعَثَّرَ، مَعَ أَنَّنَا
نَعْرِفُ أَنَّهُ أَعْرَفُ مِنَّا بِدُرُوبِ البَيْتِ، فَالصَّدَأُ دَلِيلُهُ،
وَصَرِيرُ المَفَاصِلِ نَفَسُهُ، وَكُلُّ بُقْعَةٍ قَانِيَةٍ عَلَى الحَدِيدِ
خَاتَمُهُ.
وَأَمَّا
الذَّاكِرَةُ فَلَا تُذَكِّرْنِي بِهَا، فَهِيَ سَبْخَةٌ ذَاتُ أَضْرَاسٍ،
أَقْتَرِبُ مِنْهَا لِأَشْرَبَ فَتَغْرِسُ فَكَّيْهَا فِي وَجْهِي، وَتُعِيدُ
إِلَيَّ الأَشْيَاءَ لَا كَمَا كَانَتْ، بَلْ كَمَا تَشْتَهِي أَنْ تُعَذِّبَنِي
بِهَا؛ تُعِيدُ الدَّارَ أَوْسَعَ، وَالأُمَّ أَصْغَرَ، وَاليَدَ أَدْفَأَ،
وَالصَّوْتَ أَبْعَدَ، وَالضَّحِكَةَ أَشَدَّ نَقَاءً مِمَّا يَحْتَمِلُهُ
القَلْبُ، ثُمَّ تَمْحُو الِاسْمَ وَتَتْرُكُنِي مَعَ أَشْلَاءِ تَفَاصِيلَ لَا
صَاحِبَ لَهَا: رَائِحَةُ خُبْزٍ، زِرُّ قَمِيصٍ، مِفْتَاحٌ مِنْ نُحَاسٍ، ظِلٌّ
عَلَى حَائِطٍ، دَمْعَةٌ نَشِفَتْ فِي مَنْدِيلٍ، وَهَمْسٌ فِي آخِرِ رِوَاقٍ،
وَكُلُّ شَيْءٍ مِنْهَا يَقُولُ لِي: كُنْتَ هُنَا، فَأَسْأَلُهُ أَيْنَ «هُنَا»،
فَيَضْحَكُ، لِأَنَّ المَكَانَ نَفْسَهُ مَاتَ، وَنَحْنُ لَا نَعُودُ إِلَى الأَمْكِنَةِ
بَلْ إِلَى الجُرُوحِ الَّتِي كَانَتْ تَسْكُنُهَا. وَأَنَا جُرْحٌ كَثِيرُ
المَسَالِكِ، مَدِينَةٌ فِي نُدْبَةٍ، وَمِينَاءٌ فِي ضِلْعٍ، وَمَقْبَرَةٌ فِي
كَأْسٍ، وَبَحْرٌ كَامِلٌ فِي ذَرَّةِ مِلْحٍ سَقَطَتْ عَلَى المَائِدَةِ.
وَيَتَحَرَّكُ
الحَيَوَانُ قُرْبِي فِي نَوْمِهِ، فَأَرْتَعِبُ مِنْ فِكْرَةِ أَنَّهُ رُبَّمَا
يَحْلُمُ بِي، وَأَنَّنِي قَدْ أَصِيرُ بَعْدَ مَوْتِي هَزَّةً صَغِيرَةً فِي
شَارِبِ سِنَّوْرٍ، أَوْ رَائِحَةً تَعْلَقُ فِي أُنْفِ كَلْبٍ، أَوْ نَقْرَةَ
مِخْلَبٍ عَلَى لَوْحٍ مَبْلُولٍ، فَأَفْهَمُ أَنَّ الخُلُودَ لَعَلَّهُ لَيْسَ
تِمْثَالًا وَلَا كِتَابًا وَلَا اسْمًا مَنْقُوشًا، بَلْ أَثَرًا ضَئِيلًا
يَبْقَى مِنْكَ فِي جَسَدٍ آخَرَ، أَنْ يَبْحَثَ عَنْكَ شَيْءٌ حَيٌّ عِنْدَ
البَابِ، أَنْ يَنْتَظِرَ صَوْتًا لَا يَجِيءُ، أَنْ يَشُمَّ الفَرَاغَ ثُمَّ
يَسْتَلْقِيَ فَوْقَهُ. وَيَصِيرُ القَلْبُ سَفِينَةً ثُمَّ مِينَاءً ثُمَّ
حَيَوَانًا مَذْعُورًا ثُمَّ كُرْسِيًّا فَارِغًا، وَأَتَنَقَّلُ بَيْنَ هٰذِهِ
الصُّوَرِ كَغَرِيقٍ يَتَعَلَّقُ بِأَلْوَاحٍ مُحَطَّمَةٍ، مَرَّةً أَقُولُ أَنَا
البَحْرُ، وَمَرَّةً أَنَا الغَرِيقُ، وَمَرَّةً أَنَا الحَبْلُ، وَمَرَّةً أَنَا
القَطْعُ، وَمَرَّةً أَنَا العُقْدَةُ، وَمَرَّةً لَا أَحَدَ، حَتَّى يَصِيرَ
هٰذَا «اللَّا أَحَدُ» أَكْثَرَ امْتِلَاءً مِنِّي، يَمْشِي مَعِي، يَشْرَبُ مِنْ
كَأْسِي، وَيَسْتَبِقُنِي إِلَى المِرْآةِ، فَأَرَى فِيهِ وَجْهِي بَعْدَ أَنْ
تُحْذَفَ مِنْهُ الحَيَاةُ.
وَتَخْفُتُ
الفَوَانِيسُ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى، فَلَا أَعُدُّهَا، لِأَنَّ العَدَدَ
مِقْصَلَةٌ أُخْرَى لِلْحُزْنِ، وَأَضَعُ كَفِّي عَلَى الحَدِيدِ فَأَجِدُهُ
بَارِدًا، ثُمَّ عَلَى الفَرْوِ فَأَجِدُهُ دَافِئًا، وَبَيْنَ هٰذِهِ البُرُودَةِ
وَذٰلِكَ الدِّفْءِ كُلُّ مَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَفْهَمَهُ مِنَ الحَيَاةِ.
الحَدِيدُ أَطْوَلُ بَقَاءً، وَالفَرْوُ أَشَدُّ قُدْرَةً عَلَى الحُبِّ، وَمَعَ
ذٰلِكَ لَا يَنْتَصِرُ شَيْءٌ؛ فَلَا البَحْرُ يَنْتَصِرُ عَلَى السَّفِينَةِ،
وَلَا السَّفِينَةُ عَلَى الصَّدَأِ، وَلَا الحَيَاةُ عَلَى المَوْتِ، وَلَا
المَوْتُ عَلَى شَيْءٍ، بَلْ هِيَ مَسَارَاتٌ فِي جِسْمٍ كَوْنِيٍّ وَاحِدٍ،
رُبَّمَا كَانَ الزَّمَنَ، أَوْ إِلٰهًا أَعْمَى، أَوْ مَادَّةً كَبِيرَةً
تَحْلُمُ بِنَا قَلِيلًا ثُمَّ تَسْتَيْقِظُ. وَمِنْ فَوْقِنَا تَمُرُّ الشِّعْرَى
اليَمَانِيَّةُ وَسُهَيْلٌ وَالسِّمَاكُ الأَعْزَلُ وَالثُّرَيَّا كَأَسْمَاءٍ
قَدِيمَةٍ عَلَى صَفَحَاتِ رُقٍّ سَمَاوِيٍّ، فَأَنْظُرُ إِلَيْهَا وَأَشْعُرُ
أَنَّ العَقْلَ مِصْبَاحٌ مُغْرُورٌ، يُضِيءُ ذِرَاعًا مِنَ العَتَمَةِ ثُمَّ
يَزْعُمُ أَنَّهُ أَحَاطَ بِاللَّيْلِ، بَيْنَمَا اللَّيْلُ يَمْتَدُّ، أَعْمَقَ
وَأَبْرَدَ وَأَشَدَّ صَمْتًا، وَكُلَّمَا شِخْتُ أَحْبَبْتُ مَا لَا يُجِيبُنِي:
البَحْرَ، وَالحَيَوَانَ، وَالخَشَبَ، وَالعُشْبَ، وَالمَوْتَى، وَالنُّجُومَ
الَّتِي تَمُرُّ فَوْقَ رُؤُوسِنَا وَلَا تَعْرِفُ أَسْمَاءَنَا.
نَحْنُ
نَهْذِي لِأَنَّنَا خَائِفُونَ، وَنَكْتُبُ لِأَنَّنَا خَائِفُونَ، وَنُسَمِّي
الأَشْيَاءَ لِأَنَّ الِاسْمَ حَبْلٌ نَشُدُّ بِهِ المَجْهُولَ إِلَى وَتَدِ
اللُّغَةِ ثُمَّ نَقُولُ إِنَّنَا أَمْسَكْنَاهُ، وَالمَجْهُولُ يَضْحَكُ
وَيَفُكُّ العُقْدَةَ وَيَرُدُّنَا إِلَى المَاءِ. قِيلَ إِنَّهُمْ رَبَطُوا
السُّفُنَ، وَلٰكِنِّي لَمْ أَعُدْ أُصَدِّقُ؛ رُبَّمَا السُّفُنُ هِيَ الَّتِي
رَبَطَتْنَا، وَرُبَّمَا نَبَتَتِ الحِبَالُ مِنْ أَضْلُعِنَا، وَرُبَّمَا نَحْنُ
المَرْسَى وَالبَحْرُ هُوَ المُسَافِرُ، وَرُبَّمَا كُلُّ هٰذَا حَدَثَ فِي رَأْسِ
سِنَّوْرٍ نَائِمٍ تَحْتَ كُرْسِيٍّ، وَرُبَّمَا لَا سُفُنَ وَلَا بَحْرَ وَلَا
كُرْسِيَّ وَلَا شَيْخَ وَلَا حَيَوَانَ، بَلْ نَبْضَةٌ وَاحِدَةٌ فِي سُدْفَةٍ
لَا آخِرَ لَهَا، اخْتَرَعَتِ العَالَمَ كَيْ لَا تَسْمَعَ وَحْدَتَهَا، ثُمَّ
تَعِبَتْ فَاخْتَرَعَتِ المَوْتَ، ثُمَّ خَافَتْ مِنْهُ فَاخْتَرَعَتِ
الذَّاكِرَةَ، ثُمَّ تَأَذَّتْ مِنَ الذَّاكِرَةِ فَاخْتَرَعَتِ النِّسْيَانَ،
ثُمَّ لَمْ يَبْقَ لَهَا فِي آخِرِ اللَّيْلِ إِلَّا قِنْدِيلٌ أَصْفَرُ صَغِيرٌ
يَرْتَجِفُ فِي مَكَانٍ لَا اسْمَ لَهُ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ، أَوْ
لَعَلَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْظُرُ إِلَيَّ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَ الفَرْقَ،
يَكْفِينِي أَنَّ شَيْئًا مَا، فِي هٰذِهِ الغَسَقَةِ الكُبْرَى، مَا زَالَ
دَافِئًا قُرْبَ يَدِي.








0 التعليقات:
إرسال تعليق