وَفِي جَيْبِي الْيُمْنَى مَدِينَةٌ صَغِيرَةٌ
تَتَدَلَّى مِنْ شُرُفَاتِهَا غَسَّالَاتُ الْأَحْلَامِ،
وَتَجْرِي فِي أَزِقَّتِهَا دَرَّاجَاتُ الطُّفُولَةِ
مِثْلَ أَسْمَاكٍ ضَلَّتْ طَرِيقَهَا إِلَى النَّهْرِ.
وَيَمْشِي مَعِي الرَّصِيفُ،
وَتَمْشِي النَّافِذَةُ الَّتِي تَرَكْتُهَا نِصْفَ مَفْتُوحَةً
فِي بَيْتٍ يَطُلُّ عَلَى غَيْمَةٍ مِنَ الذِّكْرَيَاتِ.
كُلُّ شَيْءٍ يُرِيدُ أَنْ يُغَادِرَ مَكَانَهُ:
الْكُرْسِيُّ يُفَكِّرُ فِي السَّفَرِ،
وَالسَّاعَةُ تَرْفُضُ أَنْ تُكْمِلَ دَوْرَتَهَا،
وَالْمِرْآةُ تُخْفِي وَجْهِي
وَتُظْهِرُ بَدَلًا مِنْهُ
حَقْلًا مِنَ الْقَمْحِ تَأْكُلُهُ الْعَصَافِيرُ.
فِي السَّاحَةِ الْعَامَّةِ
كَانَ بَائِعُ الْخُبْزِ يُرَتِّبُ أَرْغِفَتَهُ
كَأَنَّهُ يُرَتِّبُ كَوَاكِبَ صَغِيرَةً،
وَكَانَتِ النِّسَاءُ الْعَائِدَاتُ مِنَ السُّوقِ
يَحْمِلْنَ أَكْيَاسًا مِنَ الْخُضْرَةِ،
لَكِنِّي رَأَيْتُ فِيهَا غَابَاتٍ كَامِلَةً
تَخْرُجُ مِنْهَا الْأَيَائِلُ وَالْفَرَاشَاتُ
وَتَدْخُلُ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى الظِّلَالِ.
وَكَانَ عَامِلُ النَّظَافَةِ
يَكْنُسُ الْوَرَقَ الْمُتَسَاقِطَ،
لَكِنَّهُ فِي عَيْنَيَّ
كَانَ يَكْنُسُ بَقَايَا الْحُرُوبِ،
وَيَجْمَعُ شَظَايَا الصَّوْتِ الْإِنْسَانِيِّ
مِنْ أَرْصِفَةِ الْعَالَمِ.
فِي الظَّهِيرَةِ
جَلَسْتُ تَحْتَ شَجَرَةٍ
تُشْبِهُ أُمِّي فِي صَبْرِهَا الطَّوِيلِ،
فَرَأَيْتُ وَرَقَةً تَسْقُطُ مِنْ غُصْنٍ عَالٍ،
وَرَأَيْتُ الْعَالَمَ يَسْقُطُ مَعَهَا.
وَفِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا
خَرَجَ مِنْ جَوْفِ التُّرَابِ حِصَانٌ مِنْ ضَوْءٍ،
يَجُرُّ وَرَاءَهُ عَرَبَةً مِنْ سَحَابٍ،
وَيُوَزِّعُ عَلَى الْعَابِرِينَ
تَذَاكِرَ إِلَى أَوْطَانِهِمُ الْمَنْسِيَّةِ.
قُلْتُ:
لِمَاذَا يَبْكِي الْإِنْسَانُ كُلَّمَا تَذَكَّرَ بَيْتَهُ الْأَوَّلَ؟
فَأَجَابَتْنِي حَمَامَةٌ
كَانَتْ تَقِفُ عَلَى إِشَارَةِ الْمُرُورِ:
لِأَنَّ الْقَلْبَ شُرْفَةٌ،
وَالْأَعْمَارَ كُلَّهَا
مُحَاوَلَةٌ لِلْعَوْدَةِ إِلَيْهَا.
عِنْدَ الْمَسَاءِ
عَادَ النَّاسُ إِلَى بُيُوتِهِمْ،
وَعَادَتِ الْحَافِلَاتُ إِلَى مَرَائِبِهَا،
وَعَادَتِ الطُّيُورُ إِلَى أَعْشَاشِهَا،
أَمَّا أَنَا
فَبَقِيتُ أَمْشِي فِي الطَّرِيقِ نَفْسِهِ،
كَأَنَّ خُطَايَ تُفَتِّشُ عَنْ شَيْءٍ
أَضَاعَهُ الزَّمَنُ فِي الزَّمَنِ.
رَأَيْتُ الْقَمَرَ يَنْزِلُ مِنْ مَكَانِهِ
وَيَجْلِسُ عَلَى مَقْعَدٍ خَشَبِيٍّ فِي الْحَدِيقَةِ،
وَرَأَيْتُ النُّجُومَ
تُخْرِجُ دَفَاتِرَهَا الصَّغِيرَةَ
وَتَكْتُبُ مَا حَدَثَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ،
وَرَأَيْتُ ظِلِّي
يَسْبِقُنِي خُطْوَةً أَوْ خُطْوَتَيْنِ
كَأَنَّهُ يَعْرِفُ النِّهَايَةَ
وَلَا يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَنِي بِهَا.
وَحِينَ وَصَلْتُ إِلَى الْبَيْتِ،
وَجَدْتُ الْمَدِينَةَ الَّتِي كَانَتْ فِي جَيْبِي
قَدْ كَبُرَتْ فَجْأَةً،
وَامْتَدَّتْ شَوَارِعُهَا فِي الْغُرْفَةِ،
وَصَارَتْ نَوَافِذُهَا نُجُومًا،
وَصَارَتْ أَرْصِفَتُهَا أَنْهَارًا،
وَصَارَ سُكَّانُهَا يَخْرُجُونَ مِنْ صُوَرِهِمُ الْقَدِيمَةِ
لِيَسْأَلُونِي:
هَلْ مَا زِلْتَ تَعْرِفُ أَسْمَاءَنَا؟
فَلَمْ أُجِبْ.
كَانَتْ دَمْعَةٌ صَغِيرَةٌ
تَكْفِي لِتَقُولَ كُلَّ شَيْءٍ.
وَخَلْفَ النَّافِذَةِ
كَانَ اللَّيْلُ يَنْشُرُ عَبَاءَتَهُ عَلَى الْأَرْضِ،
وَكَانَتِ الْأَشْجَارُ تَنَامُ وَاقِفَةً،
وَكَانَ الْعَالَمُ، بِكُلِّ مَا فِيهِ مِنْ وَاقِعٍ وَحُلْمٍ،
يَتَأَرْجَحُ بَيْنَ يَدَيْ رُوحٍ وَاحِدَةٍ
تَبْحَثُ عَنْ مَعْنًى،
وَتُصْغِي إِلَى خُطُوَاتِ الْغَدِ
وَهِيَ تَصْعَدُ بِهُدُوءٍ
مِنْ سُلَّمِ الْغَيْبِ.







0 التعليقات:
إرسال تعليق