الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، مايو 31، 2026

معهدُ العالمِ العربيِّ يصوغُ أسبوعاً من الجمالِ والحوار: إعداد عبده حقي

 


في الأسبوع الأخير من شهر ماي 2026 بدا معهد العالم العربي بباريس وكأنه يستعيد دوره التاريخي بوصفه جسراً ثقافياً بين ضفتي المتوسط، لا باعتباره مؤسسة للعرض فقط، بل فضاءً لإعادة التفكير في علاقة الثقافة العربية بالعالم المعاصر. فالأجندة الثقافية للمؤسسة خلال الأيام الماضية كشفت عن تنوع لافت جمع بين الموسيقى الأندلسية والمعارض التاريخية واللقاءات الفكرية والأنشطة الأدبية، في مشهد يعكس حيوية الثقافة العربية وقدرتها على التجدد داخل الفضاء الأوروبي. 

من أبرز محطات الأسبوع مهرجان «الأندلسيات» الذي خصص سلسلة من الحفلات واللقاءات للاحتفاء بالموسيقى العربية الأندلسية المغربية، حيث استضاف المعهد حفلات للفنان Ali Rebbahi، وفرقة سفراء الموسيقى الأندلسية المغربية بفرنسا، إضافة إلى عرض الحضرة الشفشاونية بقيادة مجموعة رُحوم البقالي. وقد تحولت هذه الأمسيات إلى احتفاء جماعي بواحد من أكثر أشكال الذاكرة الموسيقية العربية عمقاً واستمرارية. 

تكمن أهمية هذه الفعاليات في أنها لا تستعيد التراث بوصفه مادة متحفية جامدة، بل تقدمه باعتباره طاقة ثقافية حية قادرة على عبور الزمن والجغرافيا. فالموسيقى الأندلسية التي ولدت من تلاقح حضاري بين العرب والأمازيغ والأندلسيين ما تزال حتى اليوم تنتج أشكالاً جديدة من الانتماء الثقافي داخل أوروبا. ولهذا بدا المهرجان أشبه بإعلان رمزي عن قدرة الفن على مقاومة النسيان في زمن السرعة الرقمية. كما أن الحضور المغربي القوي داخل هذه البرمجة يعكس المكانة الخاصة التي تحتلها المملكة في صون هذا التراث الموسيقي العريق. 

على المستوى التشكيلي والتاريخي، واصل المعهد تقديم معرض «جبيل... مدينة لبنان الألفية» الذي يعيد تشاف واحدة من أقدم المدن المتوسطية وأكثرها تأثيراً في تاريخ الملاحة والتجارة والكتابة. ويستعرض المعرض مئات القطع الأثرية والوثائق التي تروي تاريخ المدينة الفينيقية التي لعبت دوراً مركزياً في انتقال الأبجدية والثقافة عبر البحر المتوسط. 

هذا المعرض يتجاوز البعد الأثري التقليدي ليطرح سؤالاً معاصراً حول معنى الذاكرة الحضارية في منطقة تعيش أزمات متلاحقة. فجبيل لا تظهر هنا كمدينة ماضية فقط، بل كرمز لاستمرارية الثقافة وقدرتها على النجاة من الحروب والانهيارات السياسية. ومن خلال هذا النوع من المعارض يحاول معهد العالم العربي إعادة ربط الجمهور الأوروبي بالجذور العميقة للحضارة العربية والشرقية بعيداً عن الصور النمطية المرتبطة بالأزمات والصراعات الراهنة. 

أما الحدث الفكري الأكثر إثارة خلال الأسبوع فتمثل في الأنشطة المصاحبة لـ ليلة المتاحف الأوروبية 2026 التي فتحت أبواب المتحف أمام الجمهور مجاناً، مع تنظيم زيارات ولقاءات فكرية وعروض فنية مرتبطة بعدد من المعارض الكبرى المقامة حالياً داخل المؤسسة، ومنها معرض «محاولة الفن من أجل العلاج» ومعرض «ليبيا... تراث مستعاد»

وتحمل هذه البرمجة دلالة ثقافية عميقة لأنها تربط الفن بأسئلة الإنسان المعاصر المرتبطة بالذاكرة والشفاء والصدمات الجماعية. فمعرض «محاولة الفن من أجل العلاج» يستعيد تجربة فريدة ارتبطت بمستشفى البليدة النفسي في الجزائر خلال ستينيات القرن الماضي، حيث استُخدم الفن كوسيلة للعلاج والتعبير النفسي. هنا لا يعود الرسم مجرد إنتاج جمالي، بل يتحول إلى لغة لمقاومة الألم واستعادة التوازن الداخلي. ومن خلال هذا الاختيار يؤكد المعهد أن الثقافة ليست ترفاً نخبوياً بل ضرورة إنسانية. 

وفي المجال الأدبي، عرف الأسبوع انطلاق فعاليات «مهرجان حيّ الكتاب» في دورته الحادية عشرة، وهو حدث ثقافي يهدف إلى تعزيز حضور القراءة والكتاب داخل الفضاء الحضري الباريسي وإشراك سكان الأحياء في الأنشطة الأدبية والحوارات الفكرية. وقد شارك المعهد في هذا الحدث من خلال لقاءات وبرامج مفتوحة للجمهور. 

ما يمنح هذا النشاط أهميته هو أنه يعيد الكتاب إلى قلب الحياة اليومية بعد سنوات من الحديث المتكرر عن تراجع القراءة أمام المنصات الرقمية. فالكتاب هنا لا يُقدَّم بوصفه منتجاً ثقافياً معزولاً، بل باعتباره أداة لبناء الحوار والتواصل بين الثقافات. وربما لهذا السبب يحرص معهد العالم العربي على ربط الأدب بالمجال العمومي، لأن الثقافة الحقيقية لا تعيش داخل القاعات المغلقة وحدها، بل في الشوارع والساحات والمقاهي والمدارس.

في المحصلة، تكشف حصيلة الأسبوع الثقافي الماضي داخل معهد العالم العربي عن رؤية متكاملة تجعل من المؤسسة مختبراً دائماً للحوار بين الفنون والآداب والتاريخ والفكر. فمن الموسيقى الأندلسية المغربية إلى ذاكرة جبيل الفينيقية، ومن الفن العلاجي إلى الاحتفاء بالكتاب، تتشكل صورة ثقافية متعددة الطبقات تؤكد أن العالم العربي ما يزال قادراً على إنتاج المعنى والجمال رغم كل التحولات. وفي زمن تتكاثر فيه الحدود السياسية والرمزية، يواصل معهد العالم العربي أداء دور نادر يتمثل في إبقاء أبواب الثقافة مفتوحة بين الشرق والغرب، وبين الماضي والمستقبل، وبين الذاكرة والابتكار. 



0 التعليقات: