الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، مايو 31، 2026

ريشة العالم ترسم خرائط جديدة للذاكرة البصرية: إعداد عبده حقي

 


مقدمة : 
شهد الأسبوع الأخير من شهر ماي 2026 حركية فنية لافتة امتدت من المغرب إلى العواصم العربية والأوروبية، حيث احتضنت المتاحف وقاعات العرض والساحات الثقافية معارض وتظاهرات تشكيلية عكست التحولات العميقة التي يعرفها الفن المعاصر في علاقته بالذاكرة والهوية والتكنولوجيا والبيئة. وقد كشفت هذه الأنشطة أن الرسم والفنون التشكيلية لم تعد مجرد ممارسة جمالية معزولة، بل أصبحت وسيلة لفهم العالم وإعادة تأويله بصرياً في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية والاجتماعية.

المغرب: افتتح متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر بالرباط معرضاً جديداً يسلط الضوء على تجارب فنية مغربية معاصرة تجمع بين الرسم والتجهيزات البصرية والفنون الرقمية، في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز حضور الفن المغربي داخل المشهد الدولي.

العالم العربي: استقطبت فعاليات بينالي الدرعية للفن المعاصر بالمملكة العربية السعودية اهتماماً نقدياً واسعاً، من خلال أعمال تشكيلية عربية تناولت موضوعات الذاكرة والبيئة والتحولات الاجتماعية بلغة بصرية حديثة.

الاتحاد الأوروبي: شهدت مدينة البندقية الإيطالية استمرار الفعاليات المصاحبة للمعرض الدولي للفنون، حيث عرض فنانون أوروبيون أعمالاً تستكشف العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والإبداع البصري ومستقبل الصورة في العصر الرقمي.

في الأسبوع الأخير من شهر ماي، بدت الساحة التشكيلية العالمية وكأنها تتحرك على إيقاع أسئلة جديدة تتجاوز حدود اللوحة والإطار التقليدي. فالفن التشكيلي لم يعد مجرد مساحة للبحث عن الجمال أو إعادة إنتاج المشاهد الطبيعية والوجوه البشرية، بل تحول إلى مختبر فكري مفتوح يعالج القضايا الكبرى التي تشغل الإنسان المعاصر. ومن المغرب إلى العالم العربي ثم إلى الاتحاد الأوروبي، ظهرت معارض وتظاهرات فنية تؤكد أن الفن بات لغة عالمية لفهم التحولات المتسارعة التي يعيشها العالم.

في المغرب، واصل متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر بالرباط دوره المركزي في تنشيط الحياة الفنية الوطنية. فالمعارض الجديدة التي احتضنها المتحف خلال الأيام الأخيرة لم تكتف بعرض الأعمال التشكيلية التقليدية، بل قدمت رؤية جديدة للفن المغربي المعاصر الذي أصبح أكثر انفتاحاً على التجارب الرقمية والوسائط المتعددة. وقد بدا واضحاً أن جيلاً جديداً من الفنانين المغاربة يسعى إلى تجاوز الحدود الكلاسيكية للرسم والنحت، نحو أشكال فنية تدمج الصورة والصوت والحركة والتفاعل الرقمي.

هذا التحول لا يعكس فقط تطور التقنيات الفنية، بل يكشف أيضاً عن تحول في نظرة الفنان المغربي إلى دوره داخل المجتمع. فاللوحة لم تعد غاية في ذاتها، بل أصبحت وسيلة لطرح الأسئلة المرتبطة بالهوية والذاكرة والمدينة والهجرة والتغيرات الاجتماعية. ويلاحظ المتابع أن كثيراً من الأعمال المعروضة في الرباط تتعامل مع الذاكرة الجماعية المغربية بوصفها مادة قابلة لإعادة التأويل، وليس مجرد أرشيف ثابت للأحداث والصور.

أما في العالم العربي، فقد استمرت فعاليات بينالي الدرعية للفن المعاصر في استقطاب الفنانين والنقاد والباحثين من مختلف أنحاء المنطقة. وقد شكلت الأعمال المعروضة هناك نموذجاً للفن العربي الجديد الذي يحاول التحرر من الصور النمطية المرتبطة بالتراث أو الفولكلور، دون أن يتخلى عن جذوره الثقافية. فالفنانون المشاركون قدموا أعمالاً تستلهم البيئة الصحراوية والذاكرة المحلية والتحولات العمرانية الكبرى التي تعرفها المدن العربية، لكنهم فعلوا ذلك بلغة بصرية معاصرة تستفيد من أحدث التقنيات والأساليب الفنية العالمية.

ويبدو أن أحد أهم التحولات التي يشهدها الفن العربي اليوم يتمثل في انتقاله من موقع الدفاع عن الهوية إلى موقع إنتاجها. فالفنان العربي لم يعد منشغلاً فقط بتقديم صورة عن مجتمعه للآخر، بل أصبح يسعى إلى إعادة تعريف هذا المجتمع بصرياً من الداخل. ولهذا السبب تكتسب المعارض العربية الجديدة أهمية خاصة، لأنها تفتح فضاءات للحوار بين الماضي والمستقبل، وبين المحلي والعالمي، وبين الذاكرة والابتكار.

في الاتحاد الأوروبي، واصلت البندقية تأكيد مكانتها كإحدى أهم العواصم الفنية في العالم. فالمعارض والفعاليات المصاحبة للدورة الحالية من التظاهرات الفنية الدولية كشفت عن اهتمام متزايد بالعلاقة بين الفن والتكنولوجيا. وقد برزت أعمال عديدة تستخدم الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والوسائط الرقمية لإنتاج أشكال جديدة من التجربة الجمالية.

هذه الأعمال لا تطرح سؤال التقنية فقط، بل تثير أسئلة أعمق حول طبيعة الإبداع نفسه. فهل يمكن للآلة أن تشارك الإنسان في إنتاج الجمال؟ وهل تصبح الخوارزميات شريكاً للفنان أم منافساً له؟ تلك الأسئلة حضرت بقوة في المعارض الأوروبية الأخيرة، ما يعكس القلق المتزايد الذي يرافق الثورة الرقمية في مختلف المجالات الثقافية.

ومن اللافت أن كثيراً من الفنانين الأوروبيين لم يتعاملوا مع الذكاء الاصطناعي باعتباره تهديداً للفن، بل باعتباره أداة جديدة توسع إمكانات التعبير البصري. فالتاريخ الفني نفسه عرف تحولات مشابهة مع ظهور التصوير الفوتوغرافي والسينما والفيديو، وكلها تقنيات اعتبرت في بداياتها خطراً على الفنون التقليدية قبل أن تتحول إلى مكونات أساسية في المشهد الإبداعي.

الجامع المشترك بين هذه التجارب المغربية والعربية والأوروبية يتمثل في العودة القوية إلى مفهوم الذاكرة. فالذاكرة الفردية والجماعية أصبحت محوراً أساسياً للعديد من الأعمال التشكيلية المعاصرة. غير أن هذه الذاكرة لم تعد تُستدعى بوصفها ماضياً ساكناً، بل باعتبارها مادة حية قابلة لإعادة البناء والتأويل. وهنا تكمن إحدى أهم وظائف الفن المعاصر: تحويل الذكريات إلى أسئلة، وتحويل الأرشيف إلى رؤية جديدة للمستقبل.

إن حصيلة الأسبوع الماضي في مجال الرسم والفنون التشكيلية تكشف بوضوح أن العالم يعيش مرحلة إعادة تعريف للفن ودوره ووظيفته. فالمتاحف وقاعات العرض لم تعد مجرد أماكن لحفظ الأعمال الفنية، بل أصبحت فضاءات للنقاش والتجريب وإنتاج المعنى. وبين ريشة الفنان المغربي وتجارب الفنان العربي وأسئلة الفنان الأوروبي الرقمية، تتشكل اليوم خريطة بصرية جديدة للعالم، خريطة لا تكتفي بوصف الواقع، بل تسعى إلى إعادة رسمه على ضوء تحولات الإنسان المعاصر وآماله ومخاوفه وأسئلته المفتوحة على المستقبل.

عبده حقي


0 التعليقات: