تواصل الهجرة في الفضاء المتوسطي والإفريقي فرض نفسها كواحدة من أكثر القضايا الإنسانية والسياسية تعقيداً في العالم المعاصر. فخلال الأسبوع الماضي عادت أخبار المهاجرين المغاربة والعرب والأفارقة إلى واجهة التقارير الدولية، ليس فقط بسبب أرقام العبور والوفيات، بل أيضاً بسبب التحولات الجديدة في سياسات أوروبا، وتنامي الضغوط الاقتصادية والأمنية في إفريقيا والشرق الأوسط، واتساع النقاش حول حقوق الإنسان والاندماج واللجوء. وتشير أحدث المعطيات الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبوابة بيانات الهجرة العالمية إلى أن سنة 2026 تشهد استمراراً في التحركات البشرية الكبرى عبر القارة الإفريقية والبحر الأبيض المتوسط، رغم التراجع النسبي في بعض طرق العبور غير النظامية.
وكشف تقرير حديث لوكالة الحدود الأوروبية «فرونتكس» ــ أي الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل ــ أن عمليات العبور غير النظامي نحو الاتحاد الأوروبي انخفضت بنسبة أربعين في المئة خلال الأشهر الأربعة الأولى من سنة 2026 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ويربط التقرير هذا الانخفاض بتشديد المراقبة الأمنية، وتوسيع التعاون مع دول العبور، ومنها المغرب وموريتانيا وتونس وليبيا. غير أن هذا التراجع لا يعني نهاية المأساة، لأن طرق الهجرة نفسها أصبحت أكثر خطورة، وأكثر اعتماداً على شبكات التهريب والجريمة المنظمة.
وفي المقابل، تؤكد تقارير «إنفو ميغرانتس» ــ أي منصة أخبار المهاجرين ــ أن البحر الأبيض المتوسط ما يزال واحداً من أخطر الحدود في العالم. فقد سجلت المنظمة الدولية للهجرة خلال الشهرين الأولين فقط من سنة 2026 وفاة أو اختفاء ما لا يقل عن 655 مهاجراً أثناء محاولة الوصول إلى أوروبا عبر البحر. وتعيد هذه الأرقام إلى الواجهة السؤال الأخلاقي القديم: هل تحولت الهجرة إلى نوع من المقامرة الجماعية بالموت؟
أما المغرب، فيواصل الظهور داخل التقارير الدولية باعتباره بلداً للعبور والاستقرار في الوقت نفسه. فبعد سنوات كان فيها يُنظر إليه كمصدر للهجرة فقط، صار اليوم فضاءً يستقبل آلاف المهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء. وتشير دراسة حديثة للمنظمة الدولية للهجرة حول الإستراتيجية الوطنية المغربية للهجرة واللجوء إلى أن الرباط تحاول الموازنة بين المقاربة الأمنية والبعد الإنساني، خاصة في ما يتعلق بالإدماج الاجتماعي والتعليم والصحة.
غير أن هذا المسار لا يخلو من توترات وتعقيدات. فقد نبهت دراسات حقوقية حديثة إلى أن المهاجرين الأفارقة في المغرب ما يزالون يواجهون صعوبات مرتبطة بالسكن والعمل والاندماج الثقافي، إضافة إلى بعض مظاهر التمييز والهشاشة القانونية. وترى مؤسسات بحثية أن الضغوط الأوروبية المتزايدة لتحويل المغرب إلى حارس للحدود الجنوبية لأوروبا تجعل ملف الهجرة أكثر حساسية داخل النقاش العمومي المغربي.
وفي الجزائر، عادت قضية ترحيل المهاجرين إلى النيجر لتثير جدلاً واسعاً في المنظمات الإنسانية. فقد أفادت تقارير إعلامية وحقوقية أن السلطات الجزائرية رحّلت خلال سنة 2025 أكثر من أربعة وثلاثين ألف مهاجر نحو الحدود الجنوبية، معظمهم من دول إفريقيا جنوب الصحراء. وتصف بعض المنظمات هذه العمليات بأنها تتم في ظروف قاسية داخل مناطق صحراوية خطيرة، بينما تعتبرها السلطات جزءاً من سياسة مكافحة الهجرة غير النظامية وشبكات التهريب.
وفي ليبيا، لا تزال أوضاع المهاجرين واللاجئين تثير قلقاً متزايداً لدى الأمم المتحدة. فالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين تؤكد أن الأراضي الليبية ما تزال نقطة عبور رئيسية لعشرات الآلاف من الأفارقة والعرب الساعين للوصول إلى أوروبا، في ظل استمرار الانقسامات الأمنية وانتشار مراكز الاحتجاز غير الرسمية. وتشير البيانات الميدانية إلى أن كثيراً من المهاجرين يتعرضون للاستغلال والعمل القسري والعنف الجنسي والابتزاز المالي.
ومن جهة أخرى، أطلقت المنظمة الدولية للهجرة نداءً إنسانياً جديداً بقيمة واحد وتسعين مليون دولار لدعم المهاجرين على طول الممرات الإفريقية الرئيسية. ويهدف هذا البرنامج إلى توفير الغذاء والرعاية الصحية والحماية الإنسانية للمهاجرين العالقين في مناطق النزاع والجفاف والفقر. ويشمل ذلك بلدان الساحل الإفريقي والقرن الإفريقي وشمال إفريقيا، حيث تتقاطع الهجرة مع الحروب والتغيرات المناخية والانهيارات الاقتصادية.
وتشير أحدث تقارير «مركز الهجرة المختلطة» ــ أي الشبكة المتخصصة في تحليل مسارات الهجرة المعقدة ــ إلى أن الطريق الأطلسي نحو جزر الكناري الإسبانية شهد تراجعاً ملحوظاً مطلع سنة 2026، غير أن ذلك ترافق مع انتقال جزء من المهاجرين نحو مسارات أكثر خطورة عبر الصحراء والبحر المتوسط الأوسط. كما تؤكد التقارير أن جنسيات المهاجرين أصبحت أكثر تنوعاً، مع ارتفاع أعداد القادمين من السودان ومالي وتشاد والنيجر وسوريا.
وفي العالم العربي، تكشف تقارير اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا التابعة للأمم المتحدة أن الهجرة باتت جزءاً عضوياً من التحولات الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة. فالحروب والأزمات السياسية وارتفاع البطالة وتدهور القدرة الشرائية تدفع أعداداً متزايدة من الشباب العربي إلى التفكير في الرحيل، سواء بطرق قانونية أو غير نظامية. كما أن الهجرة لم تعد مرتبطة فقط بالفقر، بل أيضاً بالرغبة في الاستقرار والكرامة والأمان المهني.
وفي خلفية هذه الصورة كلها، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: ماذا يحدث للمهاجر بعد وصوله؟ فالتقارير الصحية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن المهاجرين واللاجئين يواجهون تحديات نفسية وصحية متزايدة، تشمل الاكتئاب والصدمات النفسية وصعوبة الولوج إلى الخدمات الصحية، خصوصاً بالنسبة للأطفال والنساء. كما حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسيف» من ارتفاع عدد الأطفال الذين يفقدون حياتهم أثناء عبور البحر الأبيض المتوسط.
هكذا تبدو الهجرة اليوم أكثر من مجرد انتقال جغرافي. إنها مرآة ضخمة تعكس اختلالات العالم المعاصر: الحروب، والفوارق الاقتصادية، والجفاف، والعنصرية، والأزمات السياسية، وانسداد الأفق أمام ملايين الشباب. وبين قوارب الموت، ومراكز الاحتجاز، وحدود أوروبا المشددة، ومخيمات النزوح، يستمر المهاجر المغربي والعربي والإفريقي في حمل حلم قديم اسمه الحياة، حتى لو كان الطريق إليه محفوفاً بالموج والرمال والأسلاك الشائكة.








0 التعليقات:
إرسال تعليق