تَحِيَّةٌ لِمُتَابِعِي هٰذَا البُودْكَاسْتِ الأَدَبِيِّ الَّذِي نُوَاصِلُ فِيهِ رِحْلَتَنَا مَعَ أَعْظَمِ الرِّوَايَاتِ الَّتِي غَيَّرَتْ وَجْهَ السَّرْدِ الإِنْسَانِيِّ. نَحُطُّ الْيَوْمَ الرِّحَالَ عِنْدَ رِوَايَةِ «عُولِيس»، لِلْكَاتِبِ الأَيْرْلَنْدِيِّ «جَيْمْس جُويْس»، وَهِيَ رِوَايَةٌ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ كِتَابٍ، بَلْ زِلْزَالًا أَدَبِيًّا هَزَّ الْقَوَاعِدَ التَّقْلِيدِيَّةَ لِلرِّوَايَةِ الْعَالَمِيَّةِ.
صَدَرَتِ الرِّوَايَةُ سَنَةَ 1922، وَفِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا الَّتِي وُلِدَتْ فِيهَا، أَثَارَتْ صَدْمَةً كُبْرَى فِي الأَوْسَاطِ الأَدَبِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ وَالأَخْلَاقِيَّةِ. كَثِيرُونَ رَأَوْا فِيهَا نَصًّا مُعَقَّدًا وَفَوْضَوِيًّا وَمُسِيئًا لِلذَّوْقِ التَّقْلِيدِيِّ، بَيْنَمَا اعْتَبَرَهَا آخَرُونَ أَعْظَمَ ثَوْرَةٍ فِي تَارِيخِ الرِّوَايَةِ مُنْذُ «مِيغِيل دِي ثِيرْفَانْتِس» وَرِوَايَتِهِ «دُون كِيخُوتِه».
تَدُورُ أَحْدَاثُ الرِّوَايَةِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَقَطْ، هُوَ السَّادِسُ عَشَرَ مِنْ يُونْيُو 1904، فِي مَدِينَةِ دَبْلِنَ الأَيْرْلَنْدِيَّةِ. نُرَافِقُ الرَّجُلَ الْعَادِيَّ لِيُوبُولْد بْلُوم، وَهُوَ يَتَجَوَّلُ فِي الشَّوَارِعِ وَالْمَقَاهِي وَالْحَانَاتِ وَالْمَكْتَبَاتِ، وَيُفَكِّرُ فِي الزَّوَاجِ وَالْخِيَانَةِ وَالْمَوْتِ وَالطَّعَامِ وَالذَّاكِرَةِ وَالرَّغْبَةِ. ظَاهِرِيًّا، لَا يَقَعُ شَيْءٌ اسْتِثْنَائِيٌّ، لَكِنَّ الْعَالَمَ الدَّاخِلِيَّ لِلشَّخْصِيَّاتِ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَجَرَّةٍ هَائِلَةٍ مِنَ الْهَوَاجِسِ وَالتَّدَاعِيَاتِ وَالأَحْلَامِ وَالأَسْئِلَةِ الْوُجُودِيَّةِ.
اسْتَلْهَمَ «جَيْمْس جُويْس» بِنْيَةَ الرِّوَايَةِ مِنْ مَلْحَمَةِ «هُومِيرُوس» الشَّهِيرَةِ «الأُودِيسَّة»، فَجَعَلَ مِنْ لِيُوبُولْد بْلُوم نُسْخَةً حَدِيثَةً مِنْ أُولِيسِيس أَوْ أُودِيسِيُوس، ذٰلِكَ الْبَطَلِ الَّذِي يَتِيهُ فِي الْبِحَارِ وَالْمُدُنِ وَالْمَصَائِرِ. لَكِنَّ الرِّحْلَةَ هُنَا لَيْسَتْ فِي الْبِحَارِ، بَلْ فِي مُتَاهَةِ الْعَقْلِ الإِنْسَانِيِّ الْحَدِيثِ.
مَا يُدْهِشُ فِي هٰذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهَا كَسَرَتْ قَوَاعِدَ السَّرْدِ الْكُلَّاسِيكِيِّ. لَمْ يَعُدِ السَّارِدُ يُخْبِرُنَا بِكُلِّ شَيْءٍ بِوُضُوحٍ، بَلْ أَصْبَحْنَا نَغُوصُ مُبَاشَرَةً فِي تَدَفُّقِ وَعْيِ الشَّخْصِيَّاتِ. الْجُمَلُ تَنْقَطِعُ، وَالْأَفْكَارُ تَتَدَاخَلُ، وَالذَّاكِرَةُ تَقْفِزُ بَيْنَ الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ دُونَ إِشَارَاتٍ وَاضِحَةٍ. هُنَا وُلِدَ مَا يُعْرَفُ بِتِقْنِيَّةِ «تَدَفُّقِ الْوَعْيِ»، الَّتِي سَتُؤَثِّرُ فِيمَا بَعْدُ عَلَى كُتَّابٍ كِبَارٍ مِثْلِ «فِيرْجِينِيَا وُولْف» وَ «وِلْيَام فُوكْنَر» و «صَمُوِيل بِيكِيت».
الخَلْفِيَّةُ التَّارِيخِيَّةُ لِلرِّوَايَةِ كَانَتْ مُضْطَرِبَةً بِدَوْرِهَا. أُورُوبَّا كَانَتْ تَعِيشُ تَصَدُّعًا رُوحِيًّا وَفِكْرِيًّا بَعْدَ الثَّوْرَةِ الصِّنَاعِيَّةِ وَقَبْلَ الْحُرُوبِ الْكُبْرَى. الإِنْسَانُ الْحَدِيثُ أَصْبَحَ يَشُكُّ فِي الدِّينِ وَالسُّلْطَةِ وَالْقِيَمِ التَّقْلِيدِيَّةِ. كَانَ «سِيغْمُونْد فْرُويْد» يَفْتَحُ أَبْوَابَ اللَّاوَعْيِ، وَكَانَتِ الْفُنُونُ الْحَدِيثَةُ تَبْحَثُ عَنْ أَشْكَالٍ جَدِيدَةٍ لِلتَّعْبِيرِ. فِي هٰذَا السِّيَاقِ، جَاءَتْ«عُولِيس» كَأَنَّهَا مِرْآةٌ مُتَشَظِّيَةٌ لِرُوحِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ.
لِمَاذَا اعْتُبِرَتْ هٰذِهِ الرِّوَايَةُ خَالِدَةً؟ لِأَنَّهَا لَمْ تَكْتُبْ حِكَايَةَ بَطَلٍ أُسْطُورِيٍّ، بَلْ كَتَبَتْ الْإِنْسَانَ الْعَادِيَّ بِكُلِّ ضَعْفِهِ وَتَنَاقُضَاتِهِ وَهَوَاجِسِهِ السِّرِّيَّةِ. جَعَلَتْ مِنَ التَّفَاصِيلِ الْيَوْمِيَّةِ الصَّغِيرَةِ مَلْحَمَةً كُبْرَى. فِنْجَانُ قَهْوَةٍ، أَوْ إِعْلَانٌ فِي شَارِعٍ، أَوْ نَظْرَةٌ عَابِرَةٌ، تَتَحَوَّلُ فِي عَالَمِ جُويْس إِلَى مَعْنًى فَلْسَفِيٍّ وَشِعْرِيٍّ عَمِيقٍ.
لَمْ يَتَوَقَّفْ تَأْثِيرُ الرِّوَايَةِ عِنْدَ الْأَدَبِ فَقَطْ، بَلِ امْتَدَّ إِلَى السِّينِمَا وَالْفَلْسَفَةِ وَالنَّقْدِ الثَّقَافِيِّ. كَثِيرٌ مِنَ الْمُخْرِجِينَ السِّينِمَائِيِّينَ حَاوَلُوا نَقْلَ تِقْنِيَاتِهَا إِلَى الشَّاشَةِ، وَخَاصَّةً فِي أَفْلَامِ السَّرْدِ الدَّاخِلِيِّ وَالزَّمَنِ الْمُتَشَظِّي. أَمَّا الْفَلْسَفَةُ الْحَدِيثَةُ، فَقَدْ رَأَتْ فِي الرِّوَايَةِ تَجْسِيدًا لِأَزْمَةِ الذَّاتِ الْحَدِيثَةِ وَاغْتِرَابِهَا فِي الْمُدُنِ الْكُبْرَى.
وَمِنْ أَشْهَرِ الاِقْتِبَاسَاتِ الَّتِي خَلَّدَتْهَا الرِّوَايَةُ تِلْكَ الْجُمْلَةُ الَّتِي تَأْتِي فِي نِهَايَةِ الْكِتَابِ عَلَى لِسَانِ مُولِي بْلُوم:
«وَنَعَمْ، قُلْتُ نَعَمْ، سَأَقُولُ نَعَمْ.»
هٰذِهِ الْكَلِمَاتُ الْبَسِيطَةُ بَدَتْ لِلنُّقَّادِ كَأَنَّهَا اِحْتِفَالٌ بِالْحَيَاةِ رَغْمَ كُلِّ الْفَوْضَى وَالْخَيْبَاتِ وَالْعُزْلَةِ.
أَمَّا رَأْيِي الشَّخْصِيُّ كَكَاتِبٍ، فَإِنَّ «عُولِيس» لَيْسَتْ رِوَايَةً تُقْرَأُ مَرَّةً وَاحِدَةً، بَلْ مُتَاهَةٌ يَدْخُلُهَا الْقَارِئُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنْ بَابٍ جَدِيدٍ. هُنَاكَ كُتُبٌ تُسَلِّيكَ، وَهُنَاكَ كُتُبٌ تُغَيِّرُ طَرِيقَتَكَ فِي رُؤْيَةِ الْعَالَمِ، وَهٰذِهِ الرِّوَايَةُ مِنَ الصِّنْفِ الثَّانِي. قَدْ تُرْهِقُ الْقَارِئَ أَحْيَانًا بِتَعْقِيدِهَا، لَكِنَّهَا تُكَافِئُهُ بِاكْتِشَافِ أَعْمَاقٍ جَدِيدَةٍ فِي اللُّغَةِ وَالْوَعْيِ وَالزَّمَنِ.
فِي الْحَلْقَةِ الْمُقْبِلَةِ، سَنَنْتَقِلُ إِلَى عَالَمٍ آخَرَ مِنْ عَوَالِمِ الرِّوَايَةِ الْخَالِدَةِ، حَيْثُ يَلْتَقِي الْحُبُّ بِالْحَرْبِ، وَتَتَحَوَّلُ الْمُدُنُ إِلَى مَسَارِحَ لِلذَّاكِرَةِ وَالْمَصِيرِ. شُكْرًا لِإِصْغَائِكُمْ، وَإِلَى لِقَاءٍ جَدِيدٍ مَعَ رِحْلَةٍ أُخْرَى فِي عَالَمِ الأَدَبِ الْعَالَمِيِّ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق