الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، مايو 27، 2026

الجزائر تكتب غضبها فوق جدران المنفى الرقمي: عبده حقي


ركزت العديد من المنشورات السياسية والإعلامية التي تناولت قضايا المغرب العربي وفرنسا وأوروبا على تصاعد التوترات الجيوسياسية بين الجزائر والمغرب، وعلى انعكاسات الأزمات الداخلية الجزائرية على الرأي العام والهجرة والإعلام والسياسة الخارجية. وقد بدت هذه الفيديوهات وكأنها ترسم صورة متشابكة لمنطقة تعيش فوق طبقات من القلق السياسي والاقتصادي والرمزي، حيث تتقاطع ملفات الذاكرة الاستعمارية، والنزاعات الدبلوماسية، وأزمات الشرعية الداخلية، وصراع النفوذ في شمال إفريقيا.

أحد أبرز المواضيع التي استحوذت على النقاش خلال الأسبوع كان ملف العلاقات الجزائرية الفرنسية، خاصة بعد الجدل الذي أثارته الإشارات الجديدة الصادرة عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بخصوص مجازر سطيف سنة 1945. فقد اعتبرت عدة تحليلات أن باريس تحاول إعادة صياغة علاقتها مع الجزائر عبر “سياسة ذاكرة” جديدة، لكن دون الذهاب إلى حدود الاعتذار الرسمي الكامل عن الجرائم الاستعمارية. وجرى تقديم هذه القضية باعتبارها عقدة تاريخية ما تزال تتحكم في جزء كبير من المزاج السياسي الجزائري، خصوصاً في ظل توظيف السلطة لملف الذاكرة الاستعمارية لإعادة إنتاج خطاب الشرعية الوطنية كلما اشتدت الأزمات الداخلية.

وفي السياق نفسه، احتلت الأزمة الجزائرية المغربية مساحة واسعة من النقاشات. فقد تناولت عدة فيديوهات التصعيد الإعلامي والدبلوماسي بين البلدين، مع التركيز على امتداد هذا الصراع إلى الجاليات المغاربية المقيمة في فرنسا وأوروبا. بعض التحليلات تحدثت عن “حرب سرديات” حقيقية تدور داخل شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام البديلة، حيث يحاول كل طرف تقديم نفسه باعتباره الطرف الأكثر استقراراً أو الأكثر شرعية إقليمياً. كما جرى الربط بين هذا الصراع وبين التحولات الجيوسياسية الجديدة في إفريقيا والساحل والصحراء، خاصة بعد اتساع النفوذ المغربي داخل القارة الإفريقية وتراجع الدور الجزائري في عدد من الملفات الإقليمية.

كما تطرقت منشورات الأسبوع إلى التوترات الاجتماعية المتزايدة داخل الجزائر، وربطت بينها وبين حالة الانغلاق السياسي والضيق الاقتصادي. بعض التحليلات ذهبت إلى أن الجزائر تعيش اليوم ما يشبه “الانسداد المزدوج”: انسداد سياسي ناتج عن غياب فضاء حقيقي للنقاش الديمقراطي، وانسداد اقتصادي بسبب استمرار الاعتماد على الريع الطاقي وعدم نجاح مشاريع التنويع الاقتصادي بالسرعة المطلوبة. وفي هذا الإطار، جرى الحديث عن مخاوف من عودة الاحتجاجات الاجتماعية، خاصة وسط فئة الشباب التي تواجه البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الثقة في المؤسسات الرسمية.

ومن الملفات اللافتة أيضاً خلال هذا الأسبوع استمرار الاهتمام بموضوع الهجرة واللجوء السياسي والإعلام المعارض في المنفى. فقد أشارت بعض الفيديوهات إلى تنامي دور الإعلام الرقمي المعارض في فرنسا وأوروبا، خاصة بعد انتقال جزء كبير من النقاش السياسي الجزائري من الداخل إلى المنصات الخارجية بسبب القيود المفروضة على حرية الصحافة والتعبير داخل البلاد. وتم تقديم المنفى هنا ليس فقط كفضاء جغرافي، بل كفضاء إعلامي جديد يعيد تشكيل الرأي العام المغاربي عبر يوتيوب وشبكات التواصل الاجتماعي والبث المباشر.

كما تناولت عدة منشورات التحولات الحاصلة داخل المشهد الرياضي المغاربي وربطها بالسياق السياسي. وقد ظهر ذلك بشكل واضح في النقاش حول المنافسة الكروية بين الجزائر والمغرب، والتي لم تعد تُقرأ فقط باعتبارها منافسة رياضية، بل باعتبارها امتداداً رمزياً للصراع السياسي والدبلوماسي بين البلدين. بعض الفيديوهات تحدثت عن انتقال التوتر السياسي إلى المدرجات الرياضية وإلى جماهير كرة القدم داخل أوروبا، حيث تتحول المباريات أحياناً إلى فضاء للتعبير عن الانتماءات الوطنية والهويات السياسية المتصارعة.

وفي خلفية هذه النقاشات، حضرت أيضاً التحولات الجارية في المغرب نفسه، خاصة في ما يتعلق بصعوده الرياضي والدبلوماسي. وقد أشارت بعض التحليلات إلى أن النجاحات الرياضية المغربية الأخيرة، سواء على مستوى المنتخب الوطني أو تنظيم البطولات الإفريقية والعالمية، أصبحت جزءاً من “القوة الناعمة” التي تستثمر فيها الرباط لتعزيز صورتها الدولية والإفريقية. وتم التذكير بأن المغرب بات يحتل موقعاً متقدماً داخل التصنيف العالمي لكرة القدم، وأنه أصبح نموذجاً إفريقياً في الاستثمار الرياضي والبنيات التحتية وتنظيم التظاهرات الكبرى.

كما ركزت بعض المنشورات على موضوع الإعلام الفرنسي ونظرته الجديدة إلى المغرب والجزائر. فقد جرى الحديث عن تغير تدريجي في المقاربة الفرنسية تجاه الرباط، خاصة بعد الاعتراف الفرنسي بمغربية الصحراء، مقابل استمرار التوترات مع الجزائر بسبب ملفات الذاكرة والهجرة والنفوذ الإقليمي. وتم تقديم هذا التحول باعتباره أحد أبرز المتغيرات السياسية في منطقة المغرب العربي خلال السنوات الأخيرة.

وفي المجال الاجتماعي، برزت أيضاً نقاشات حول الهوية والهجرة والاندماج داخل أوروبا، خاصة لدى أبناء الجاليات المغاربية في فرنسا وبلجيكا وإسبانيا. بعض الفيديوهات اعتبرت أن أبناء الجيلين الثاني والثالث من المهاجرين يعيشون نوعاً من “الهوية المعلقة” بين بلدان الأصل وبلدان الإقامة، وهو ما ينعكس أحياناً في النقاشات السياسية الحادة على الإنترنت وفي الملاعب والفضاءات العامة.

ومن المواضيع التي تكررت كذلك خلال الأسبوع قضية الإعلام البديل وصعود “الصحافة الرقمية الشخصية”، أي الإعلام المعتمد على اليوتيوب والبث المباشر والتحليل الفردي. وقد ظهر أن هذا النوع من المحتوى أصبح يلعب دوراً مؤثراً في تشكيل الرأي العام المغاربي، خصوصاً لدى الشباب الذين باتوا يفضلون المنصات الرقمية على القنوات التقليدية. كما أن هذا الإعلام الجديد يتيح هامشاً أوسع للنقاش السياسي، لكنه يفتح في المقابل الباب أمام الاستقطاب الحاد وصناعة الأخبار المثيرة واللغة الانفعالية.

في المجمل، تكشف حصيلة منشورات الأسبوع الماضي أن المنطقة المغاربية تعيش مرحلة إعادة تشكل سياسي وإعلامي عميق. فالعلاقات الجزائرية المغربية لم تعد مجرد خلاف دبلوماسي تقليدي، بل أصبحت محوراً مركزياً يعيد ترتيب النقاشات حول الهوية والسيادة والإعلام والرياضة والنفوذ الإقليمي. وفي الوقت نفسه، يبدو أن المنصات الرقمية صارت الفضاء الرئيسي الذي تُخاض فيه هذه المعارك الرمزية الجديدة، حيث تختلط السياسة بالتاريخ، والرياضة بالدبلوماسية، والذاكرة الجماعية بالصراع الإعلامي اليومي.

 

0 التعليقات: