خلال الأسبوع الماضي، بدت صورة المغرب في عدد من المنابر الإعلامية الدولية والإفريقية والأوروبية مختلفة عن الصورة التقليدية التي تختزل البلدان في الأزمات والصراعات. فقد تصدرت أخبار المغرب ملفات تتعلق بالاستثمار، والتصنيع، والدبلوماسية، والثقافة، والتعاون الإفريقي، والتحولات الاجتماعية، في مشهد يوحي بأن المملكة تواصل تثبيت موقعها كقوة إقليمية صاعدة تمتد تأثيراتها من غرب إفريقيا إلى أوروبا والفضاء الأطلسي.
في المجال السياسي والدبلوماسي، برز الحدث الأهم في الإعلان عن التحضير لمعاهدة صداقة استراتيجية جديدة بين المغرب وفرنسا، وهي خطوة وصفتها وكالة Reuters بأنها منعطف تاريخي في العلاقات الثنائية. المعاهدة المرتقبة، التي يُنتظر توقيعها خلال الزيارة الرسمية المرتقبة للملك محمد السادس إلى باريس، لا تعني فقط عودة الدفء السياسي بعد سنوات من التوتر، بل تكشف أيضاً تحوّل المغرب إلى شريك استراتيجي تعتبره فرنسا “أول حليف اقتصادي لها في إفريقيا”. وقد ربطت الصحافة الفرنسية هذا التقارب باعتراف باريس بمغربية الصحراء سنة 2024، وهو الاعتراف الذي فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين.
وفي السياق نفسه، أبرزت الصحف الفرنسية والإسبانية والأمريكية أن المغرب أصبح يُنظر إليه باعتباره منصة استقرار سياسي واقتصادي في منطقة المتوسط والساحل، خاصة في ظل الاضطرابات التي تعيشها عدة دول مجاورة. وقد تحدثت تقارير صادرة عن منصات متخصصة في الشؤون الإفريقية مثل Jeune Afrique وAfrica Intelligence عن تنامي النفوذ المغربي في غرب إفريقيا عبر قطاعات البنوك والاتصالات والطاقة والبنيات التحتية، مع اعتماد الرباط على ما صار يسمى “الدبلوماسية الاقتصادية”.
هذا التوسع الدبلوماسي ترافق مع إشادة متزايدة بالأداء الاقتصادي المغربي. فقد أفاد البنك الإفريقي للتنمية بأن المغرب أصبح “قائد التصنيع في إفريقيا” وفق مؤشر جديد للتصنيع الإفريقي، مستفيداً من نمو قطاعات السيارات والطيران والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية. التقرير اعتبر أن المملكة نجحت في بناء نموذج اقتصادي أكثر تنوعاً مقارنة بعدد من الاقتصادات الإفريقية المعتمدة على المواد الخام فقط.
كما واصلت الحكومة المغربية إرسال إشارات قوية للمستثمرين الدوليين. فقد تمت المصادقة على 44 مشروعاً استثمارياً بقيمة تفوق 86 مليار درهم، وهو رقم ضخم يعكس الرغبة في تسريع خلق فرص الشغل وتحريك الاقتصاد الوطني. وتشير المعطيات الرسمية إلى أن هذه المشاريع ستوفر أكثر من عشرين ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر، خاصة في قطاعات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والخدمات.
وفي المجال الصناعي، برز المغرب خلال الأسبوع الماضي بوصفه إحدى القلاع الصناعية الكبرى في إفريقيا. فقد أشارت تقارير اقتصادية إلى أن المملكة أصبحت تستحوذ على أكثر من نصف صادرات السيارات الإفريقية، متقدمة على عدد من الاقتصادات التقليدية في القارة. كما تحدثت منصة Le360 Afrique عن نجاح المغرب في تقليص اعتماده على الواردات الصينية في مجال الألواح الشمسية عبر تطوير بدائل صناعية محلية، في وقت ما تزال فيه عدة دول إفريقية رهينة الاستيراد الخارجي.
ومن المؤشرات اللافتة أيضاً استمرار صعود الصادرات التقليدية والحرفية المغربية. فقد أكد رئيس الحكومة عزيز أخنوش أن صادرات الصناعة التقليدية سجلت ارتفاعاً ملحوظاً، متجاوزة مليار درهم، وهو ما يعكس قدرة المنتوج الثقافي المغربي على اختراق الأسواق العالمية. هذا النجاح لا يرتبط فقط بالبضائع التقليدية، بل أيضاً بإعادة تسويق الهوية المغربية في الخارج باعتبارها مزيجاً من الحرفية والذاكرة والتصميم العصري.
أما في المجال الإفريقي، فقد واصل المغرب ترسيخ حضوره داخل مشاريع التكامل القاري. ففي مراكش والرباط وطنجة، استضافت المملكة خلال الأسابيع الأخيرة عدة لقاءات ومؤتمرات إفريقية ودولية تتعلق بالتمويل والتنمية والابتكار. وأبرزت تقارير اللجنة الاقتصادية لإفريقيا التابعة للأمم المتحدة أن طنجة أصبحت فضاءً للحوار حول “التحول الهيكلي الإفريقي” والابتكار والتكنولوجيا والاندماج الاقتصادي.
كما واصل المغرب تعزيز شبكته الجوية واللوجستية الإفريقية، حيث تحدثت تقارير Le360 Maroc Afrique عن توقيع اتفاقيات جديدة لتطوير الربط الجوي مع دول إفريقية عدة، بما يجعل المملكة مركزاً قارياً للنقل الجوي والتبادل التجاري.
وفي المجال الثقافي، بدا المغرب خلال الأسبوع الماضي وكأنه يحاول تحويل الثقافة إلى قوة ناعمة موازية للدبلوماسية والاقتصاد. فقد اقترحت المملكة تنظيم أول مؤتمر عربي للصناعات الثقافية، في خطوة تعكس وعياً متزايداً بأهمية الاقتصاد الثقافي في صناعة النفوذ والتأثير. كما شهدت الرباط ومراكش وفاس أنشطة ثقافية وموسيقية وفنية متعددة أعادت النقاش حول موقع المغرب كجسر ثقافي بين إفريقيا والعالم العربي وأوروبا.
وفي مراكش أيضاً، احتضن المنتدى الاقتصادي لمغاربة العالم دورته الثانية، حيث جرى التركيز على الاستثمار والابتكار وربط الكفاءات المغربية بالخارج بالمشاريع الوطنية. المنتدى أبرز مرة أخرى الدور الحيوي للجالية المغربية في نقل الخبرات والتكنولوجيا والاستثمارات إلى الداخل المغربي.
وفي البعد الإنساني والدبلوماسي الرمزي، حظيت خطوة العفو الملكي عن مشجعين سنغاليين أدينوا في أحداث شغب رياضي باهتمام واسع في الصحافة الدولية. وقد اعتُبرت المبادرة رسالة سياسية وإنسانية تؤكد متانة العلاقات المغربية السنغالية، وتُظهر أن الرباط تحاول الحفاظ على صورتها كقوة إفريقية منفتحة تعتمد المقاربة الإنسانية في معالجة التوترات.
وفي الإعلام الدولي، ظهرت مقالات عديدة تتحدث عن “القوة المتوسطة المتطورة” التي يمثلها المغرب في الفضاء الإفريقي والمتوسطي. بعض التقارير رأت أن المملكة تستفيد من موقعها الجغرافي لتتحول إلى نقطة التقاء بين أوروبا وإفريقيا والعالم الأطلسي، بينما تحدثت دراسات أخرى عن قدرة المغرب على الجمع بين الإصلاح الاقتصادي والاستقرار السياسي والانفتاح الثقافي.
حتى في مجالات التكنولوجيا والثقافة الرقمية، بدأت أسماء مغربية وعربية مرتبطة بالمغرب تظهر في أبحاث أكاديمية حديثة حول الذكاء الاصطناعي والثقافة الرقمية العربية، خصوصاً في ما يتعلق باللغة العربية والخطاب الثقافي والسياسي على الإنترنت. هذه الدينامية تعكس انتقال المغرب تدريجياً من اقتصاد يعتمد فقط على القطاعات التقليدية إلى اقتصاد يسعى لاحتضان المعرفة والبيانات والصناعات الإبداعية.
ورغم التحديات الاجتماعية والاقتصادية المعروفة، فإن ما تكشفه حصيلة الأسبوع الماضي في عدد من المنابر الدولية هو أن المغرب لم يعد مجرد بلد يتحرك داخل حدوده الوطنية، بل صار فاعلاً إقليمياً يبني نفوذه عبر الاقتصاد والثقافة والدبلوماسية والاستثمار والتعاون الإفريقي. فالمملكة تراهن اليوم على صورة جديدة: دولة إفريقية متوسطية تمتلك استقراراً سياسياً، وقاعدة صناعية متنامية، ورؤية دبلوماسية تمتد نحو أوروبا وإفريقيا والعالم الأطلسي.
وفي عالم تتزايد فيه الحروب والانقسامات والاضطرابات الاقتصادية، يبدو أن المغرب يحاول تقديم نفسه باعتباره نموذجاً مختلفاً داخل الجنوب العالمي: نموذج يربط التنمية بالاستثمار، والثقافة بالقوة الناعمة، والدبلوماسية بالمصالح الاقتصادية، دون أن يفقد صلته بعمقه الإفريقي والعربي والمتوسطي.








0 التعليقات:
إرسال تعليق