الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، مايو 27، 2026

الإعلام المنفي يرسم جمهوريات افتراضية خارج الحدود: عبده حقي

 


انشغلت المقالات السياسية والإعلامية المتداولة في الفضاء المغاربي بملفات شديدة الحساسية تمزج بين السياسة والاقتصاد والهجرة والأمن الإقليمي، مع تركيز واضح على التحولات الجارية داخل الجزائر وعلاقاتها المتوترة مع فرنسا والمغرب وعدد من العواصم الغربية. وقد بدت هذه المنشورات وكأنها يوميات متسارعة لمنطقة تتحرك فوق أرض سياسية مضطربة، حيث تختلط لغة التحليل بلغة الغضب، وتمتزج الوقائع الجيوسياسية بالسخرية السياسية والانتقاد الحاد للمؤسسات الرسمية.

من أبرز المواضيع التي استحوذت على الاهتمام خلال هذا الأسبوع استمرار النقاش حول الأزمة الجزائرية الفرنسية، خاصة بعد تصاعد التوتر الدبلوماسي بين البلدين بسبب ملفات الهجرة والذاكرة والتعاون الأمني. بعض الفيديوهات اعتبرت أن العلاقة بين باريس والجزائر دخلت مرحلة “الشك المتبادل”، بعد سنوات طويلة من الاعتماد السياسي والاقتصادي والرمزي. وتم الربط بين هذا التوتر وبين تصاعد خطاب قومي داخل الجزائر يحمّل فرنسا مسؤولية عدد كبير من الأزمات الداخلية، مقابل تنامي تيارات فرنسية ترى أن الجزائر تستثمر ملف الذاكرة الاستعمارية كورقة سياسية دائمة.

كما برز ملف الهجرة بقوة، خصوصاً في ما يتعلق بالمهاجرين الجزائريين والمغاربيين داخل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا. وقد تناولت عدة منشورات قصصاً مرتبطة بالهجرة السرية، وبتزايد حالات الترحيل، وبصعود اليمين الأوروبي الذي يستعمل ملف المهاجرين كورقة انتخابية. وتم تقديم هذه الظاهرة باعتبارها جزءاً من أزمة أعمق يعيشها الشباب المغاربي، حيث تتحول أوروبا إلى حلم جماعي رغم تشديد الحدود وتزايد الخطابات العدائية ضد الأجانب.

وفي السياق نفسه، ركزت عدة فيديوهات على الوضع الاقتصادي داخل الجزائر، مع الحديث عن التضخم وارتفاع الأسعار وصعوبة المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. بعض التحليلات اعتبرت أن الأزمة الاقتصادية لم تعد مرتبطة فقط بأسعار النفط والغاز، بل أيضاً بغياب إصلاحات اقتصادية عميقة قادرة على خلق فرص عمل وتنويع الاقتصاد. كما جرى الحديث عن تزايد شعور الإحباط لدى فئة الشباب، خاصة في المدن الكبرى، حيث تتسع الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي للمواطنين.

ومن المواضيع التي تكررت أيضاً خلال الأسبوع النقاش حول الإعلام المعارض والمنفى السياسي. فقد تناولت عدة منشورات الدور المتزايد للإعلام الرقمي في تشكيل الرأي العام الجزائري والمغاربي، خصوصاً عبر اليوتيوب والبث المباشر ومنصات التواصل الاجتماعي. وتم تقديم هذا الإعلام باعتباره بديلاً عن القنوات التقليدية التي يتهمها كثيرون بالخضوع للرقابة أو بالترويج للرواية الرسمية. وفي المقابل، ظهرت أيضاً انتقادات لهذا الإعلام الرقمي بسبب اعتماده أحياناً على الإثارة واللغة الانفعالية والمبالغة في بعض الملفات السياسية.

كما حضرت العلاقات المغربية الجزائرية بقوة في محتوى الأسبوع، خاصة في ما يتعلق بالتنافس الإقليمي داخل إفريقيا والساحل والصحراء. بعض الفيديوهات تحدثت عن اتساع النفوذ المغربي في غرب إفريقيا وفي المؤسسات الاقتصادية والرياضية والدبلوماسية، مقابل تراجع الحضور الجزائري في عدد من الملفات. وتم الربط بين هذا التنافس وبين الصراع الطويل حول قضية الصحراء، الذي ما يزال يلقي بظله على العلاقات الثنائية وعلى المشهد المغاربي كله.

وفي المجال الرياضي، برزت النقاشات حول كرة القدم باعتبارها امتداداً رمزياً للصراع السياسي. فقد تناولت عدة منشورات التوترات التي ترافق المباريات بين المنتخبات والأندية المغاربية، مع الإشارة إلى انتقال الاستقطاب السياسي إلى المدرجات وإلى شبكات التواصل الاجتماعي. وتم التأكيد على أن الرياضة لم تعد مجرد لعبة في المنطقة، بل أصبحت ساحة لإظهار القوة الرمزية والاعتزاز الوطني وحتى تصفية الحسابات السياسية أحياناً.

كما خصصت بعض الفيديوهات مساحة للحديث عن المؤسسة العسكرية الجزائرية ودورها داخل الحياة السياسية. وقد جرى تقديم الجيش باعتباره الفاعل المركزي في توازنات السلطة، مع نقاشات حول مستقبل النظام السياسي وإمكانية حدوث إصلاحات أو تغييرات داخلية. بعض التحليلات ذهبت إلى أن الجزائر تعيش مرحلة “إعادة ترتيب داخلية” تحاول فيها السلطة الحفاظ على الاستقرار السياسي في ظل بيئة إقليمية مضطربة.

ومن المواضيع اللافتة أيضاً خلال الأسبوع استمرار الاهتمام بالقضايا الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي، خاصة مع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة والانقلابات العسكرية في بعض الدول المجاورة. وتم تقديم الجزائر باعتبارها معنية مباشرة بهذه التحولات بحكم موقعها الجغرافي وحدودها الطويلة مع دول الساحل. كما تحدثت بعض المنشورات عن المخاوف من انتقال الاضطرابات الأمنية إلى شمال إفريقيا إذا استمرت الأزمات السياسية والاقتصادية في المنطقة.

وفي البعد الاجتماعي والثقافي، حضرت قضايا الهوية واللغة والانتماء بقوة في النقاشات، خاصة لدى الجاليات المغاربية المقيمة في أوروبا. بعض الفيديوهات تحدثت عن أزمة اندماج يعيشها أبناء المهاجرين، حيث يشعر كثيرون بأنهم عالقون بين ثقافتين: ثقافة بلدان الأصل وثقافة المجتمعات الأوروبية التي يقيمون فيها. وتم ربط هذا الإحساس بالهامشية بتصاعد التوترات الاجتماعية والسياسية داخل الضواحي الأوروبية.

كما برزت خلال الأسبوع نزعة واضحة نحو السخرية السياسية والكوميديا السوداء في تناول الأخبار. فعدد من المنشورات اعتمد لغة ساخرة تمزج بين النقد السياسي والتهكم الاجتماعي، وهو أسلوب أصبح منتشراً بقوة داخل الإعلام الرقمي المغاربي. هذه السخرية لا تعكس فقط الرغبة في الترفيه، بل أيضاً شعوراً عاماً بفقدان الثقة في الخطابات السياسية التقليدية.

وفي خلفية كل هذه المواضيع، ظهرت المنصات الرقمية باعتبارها الفضاء الرئيسي الجديد للصراع السياسي والإعلامي في المغرب العربي. فاليوتيوب والفيسبوك والتيك توك لم تعد مجرد وسائل للتواصل أو الترفيه، بل تحولت إلى ساحات حقيقية لصناعة الرأي العام وتبادل الاتهامات وبناء السرديات السياسية. كما أن سرعة انتشار الأخبار والتعليقات جعلت النقاشات أكثر توتراً واستقطاباً، لكنها في الوقت نفسه فتحت المجال أمام أصوات كانت مهمشة في الإعلام التقليدي.

في المجمل، تكشف حصيلة منشورات الأسبوع الماضي أن المنطقة المغاربية تعيش مرحلة انتقالية شديدة التعقيد، حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع التوترات السياسية والهوياتية والإعلامية. كما يبدو أن الإعلام الرقمي أصبح اليوم مرآة يومية لهذا القلق الجماعي، وفضاءً تتحول فيه الأحداث السياسية إلى مادة مستمرة للنقاش والغضب والسخرية وإعادة التأويل.


0 التعليقات: