خاتمة أنا وما تبقّى من الندوب وما لاح من تجاعيد
أكتب هذه السطور بضميرٍ
لم يعد يختبئ خلف الجماعة، بضميرٍ لم يعد يحتاج إلى حماية الشعارات، ولا إلى دفء
التنظيم، ولا إلى يقينٍ مستعار من كتبٍ قرأتها أكثر مما عشتها، لأنني أدركت
متأخراً أن ما تبقّى من هذه الرحلة ليس انتصاراً ولا هزيمة، بل أثرٌ عميق في
داخلي، أثر يشبه الندوب، لا يختفي، لكنه يتغيّر، يهدأ، ويصير جزءاً من وجهي لا من
جراحي.
كنتُ أظن، في بداياتي، أنني أكتب التاريخ، ثم اكتشفت أنني كنتُ أُكتب به، وأنني لم أكن الفاعل كما تخيلت، بل جزءاً من سياقٍ أكبر، سياقٍ يتجاوزني، يشمل بلداً كاملاً، بل يشمل زمناً عربياً بأكمله، كان يبحث عن خلاصه في الشعارات، ويؤجل مواجهة تعقيداته الحقيقية.
لقد دخلتُ السياسة كما يدخل الحالم إلى القصيدة، ليس كحسابٍ دقيق بل كإيمانٍ كامل، كنتُ أرى العالم بلونين، لا أكثر، وأظن أن وضوح الفكرة يكفي لتغيير الواقع، وأن الصدق في النية يعوّض نقص الفهم، وأن الإرادة، إذا اشتدت، تستطيع أن تُعيد تشكيل كل شيء، لكنني لم أكن أعرف أن الواقع لا ينحني بهذه السهولة، وأن المجتمعات لا تُختزل في نظريات، وأن السياسة ليست امتداداً للحلم، بل امتحاناً له.
لقد دفعتُ ضريبة النضال، كما دفعها جيلي، ليس لأننا
كنا وحدنا على حق، بل لأننا كنا نؤمن أننا كذلك، وهذا هو الفرق الذي لم أفهمه إلا
بعد عشرات السنين، حين تحوّل اليقين إلى سؤال، وتحولت الشعارات إلى ذاكرة، وتحولت
الجماعة إلى مسافة.
لم يكن
الاعتقال فقط تجربة قاسية، بل كان لحظة انكشاف، انكشاف حدودي كإنسان، لا كمناضل،
حيث لم تعد الكلمات تنفع، ولم تعد الشعارات تحميني، وبقيتُ وحدي أمام نفسي، أمام
خوفي، أمام ضعفي، أمام ذلك السؤال البسيط والمخيف: ماذا يبقى مني إذا سُحبت مني كل
العناوين؟
خرجتُ، ولم
أخرج بالكامل، لأن السجن، كما أدركت ذلك من بعد، لا ينتهي عند الباب، بل يستمر في
الداخل، في الذاكرة، في النفس وفي ردود الفعل، في ذلك الحذر الذي يتسلل إلى
التفاصيل الصغيرة، في تلك المسافة التي تنشأ بيني وبين العالم، كأنني لم أعد أثق
تماماً في ما أراه، ولا في ما أسمعه، ولا حتى في ما أؤمن به.
ثم جاءت الانشقاقات، ولم تكن فقط انقسامات تنظيمية، بل كانت انكسارات داخلية، لأنني اكتشفت أن الخلاف ليس دائماً دليلاً على الخيانة، وأن الرفيق قد يصبح خصماً دون أن يتحول إلى عدو، وأن الحقيقة التي كنت أظنها واحدة كانت متعددة، وأننا، حين عجزنا عن إدارة اختلافاتنا، حوّلناها إلى صراعات، وأضعنا في ذلك جزءاً كبيراً من طاقتنا، وربما من معناها.
أعترف الآن،
وأنا أكتب هذه الاعترافات ، أنني لم أكن دائماً على حق، وأنني لم أكن دائماً
شجاعاً، وأنني، في لحظات كثيرة، فضّلت الصمت حين كان الكلام ضرورياً، وفضّلت
الانتماء حين كان التفكير واجباً، وفضّلت الجماعة حين كان عليّ أن أواجه نفسي، وأن
هذا الاعتراف، رغم قسوته، هو أول خطوة نحو فهم أعمق لما عشته.
أما التجربة
الحزبية، التي اعتبرتها يوماً بيتي، فقد اكتشفت أنها، مثل أي بناء بشري، تحمل في
داخلها ما تحاربه، يمكن أن تكون فضاءً للتحرر، ويمكن أن تتحول إلى فضاء للإقصاء،
يمكن أن تفتح أفقاً، ويمكن أن تغلقه، وأنها، حين تفقد قدرتها على التجديد، تتحول
إلى ذاكرة أكثر منها مشروعاً، وإلى عبء أكثر منها أفقاً.
لم يكن فشلنا
فقط في أننا لم نحقق ما أردنا، بل في أننا لم نُحسن قراءة ما كان ممكناً، وأننا،
في كثير من الأحيان، تعاملنا مع المجتمع كما لو أنه يجب أن يلتحق بنا، لا كما لو
أننا جزء منه، وأننا، حين فقدنا هذه العلاقة، فقدنا جزءاً من مشروعنا، دون أن
ننتبه.
وحين نظرتُ
إلى ما حدث خارج بلدي، في العالم العربي، وجدت أن تجربتي لم تكن استثناءً، بل كانت
مرآة لتجربة أوسع، حيث عاشت حركات كثيرة نفس الحلم، ونفس الخيبة، ونفس الانتقال
المؤلم من اليقين إلى الشك، من الثورة إلى الإصلاح، من الأمل إلى الإحباط، وكأننا
كنا نكتب نفس القصة بلغات مختلفة.
رأيت كيف تحولت شعارات الحرية إلى صراعات على السلطة، وكيف اصطدمت الأحلام بمتاريس الواقع، وكيف اكتشفنا جميعاً، متأخرين، أن التغيير لا يحدث بإرادة فقط، بل ببناء طويل، وبثقافة عميقة، وبقدرة على إدارة الاختلاف، وهي أمور لم نكن نملكها بالكامل.
لكنني، رغم كل
ذلك، لا أستطيع أن أقول إن ما عشته كان عبثاً، لأن العبث هو ما لا يترك أثراً، وما
عشناه ترك أثراً عميقاً، فينا وفي غيرنا، حتى وإن لم يكن الأثر الذي كنا نريده،
لقد تعلمتُ، من خلال كل هذه الندوب، أن الإنسان أكبر من الأيديولوجيا، وأن
السياسة، مهما كانت ضرورية، لا تكفي لتمنح الحياة معناها، وأن المعنى يُبنى أيضاً
في التفاصيل الصغيرة، في العلاقات، في القدرة على الفهم، في المصالحة مع الذات.
اليوم، لا
أكتب لأدين، ولا لأبرئ، بل لأفهم، ولأقول إنني كنت جزءاً من تجربة إنسانية معقدة،
فيها ما يُفخر به، وفيها ما يُراجع، وفيها ما يُسامح، لأنني أدركت أن أقسى ما يمكن
أن نفعله بأنفسنا هو أن نحاكمها بمعايير لم نكن نعرفها حين عشنا.
أنا الآن لست
ذلك الشاب الذي كان يعتقد أن العالم ينتظر فكرته، ولا ذلك المناضل الذي كان يظن أن
الطريق واضح، بل إنسان تعلم، ببطء، أن الطريق لا يكون واضحاً دائماً، وأن السؤال
أهم من الجواب، وأن الندوب، رغم ألمها، ليست فقط جروحاً، بل أيضاً ذاكرة، ودليلاً
على أننا عشنا، وخاطرنا، وحاولنا.
والآن ها أنا أغلق
هذه الرواية، وأنا لا أشعر أنني أنهي مشروعا، بل أتركه مفتوحاً، لأن ما كتبته ليس
نهاية، بل لحظة من مسار، مسار بدأ قبلي وسيستمر بعدي، وربما سيكتبه آخرون
بطريقتهم، بجرحهم، وبحلمهم، وبأسئلتهم.
وأقول،
أخيراً، بصوتٍ لم يعد يخاف من نفسه:
لم
نكن مثاليين، ولم نكن خطأً سياسيا كاملاً، كنا تجربة، بكل ما في الكلمة من صدق
وتناقض، وما تبقّى منا ليس ما كنا نظنه، بل ما فهمناه متأخرين، وما قبلناه أخيراً،
وما تعلّمنا أن نعيشه دون أن ننكره، ودون أن نقدّسه.







0 التعليقات:
إرسال تعليق