الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، مايو 20، 2026

أجنحة السلطة الجزائرية تتصارع فوق بركان الغضب الشعبي: عبده حقي

 


شهدت الساحة السياسية الجزائرية خلال الأيام السبعة الماضية موجة جديدة من السجالات الحادة والتسريبات المثيرة التي أعادت إلى الواجهة ملفات الفساد والصراعات داخل أجهزة الحكم، وسط تصاعد خطاب التشكيك في قدرة السلطة على احتواء أزماتها المتعددة. وقد انصب التركيز في عدد من التحليلات السياسية والإعلامية على ما وُصف بحالة الارتباك داخل مؤسسات الدولة، خاصة بعد تداول أخبار تتعلق بإقالات وتحركات أمنية حساسة، إلى جانب فتح ملفات قديمة مرتبطة برجال أعمال ومسؤولين سابقين متهمين بالفساد المالي وتهريب الأموال.

ومن أبرز القضايا التي أثارت اهتمام المتابعين خلال الأسبوع الأخير قضية وزير الصناعة الأسبق عبد السلام بوشوارب، التي عادت بقوة إلى النقاش السياسي والإعلامي باعتبارها نموذجاً معقداً لاسترجاع الأموال المنهوبة. وقد جرى التركيز على ما اعتُبر عجزاً للسلطات الجزائرية عن استعادة مليارات الدولارات التي خرجت إلى الخارج خلال العقود الماضية، رغم كثافة الخطاب الرسمي حول مكافحة الفساد. وتم التذكير بسلسلة الطلبات القضائية والدبلوماسية الموجهة إلى فرنسا، والتي تجاوز عددها المائة طلب، في محاولة لاسترجاع متهمين أو أموال مرتبطة بملفات فساد ضخمة. غير أن التحليلات المتداولة رأت أن الأمر لا يتعلق فقط بصعوبات قانونية، بل أيضاً بتشابك المصالح داخل دوائر الحكم نفسها، ما يجعل ملف استرجاع الأموال يتحول إلى ساحة صراع بين أجنحة متنافسة داخل النظام.

وفي سياق متصل، عاد ملف “مافيا السجائر” إلى الواجهة بقوة، بعد تداول معطيات حول شبكات تهريب ضخمة تنشط داخل الجزائر وتحقق أرباحاً هائلة يومياً. وقد تم الربط بين تجارة التبغ غير الشرعية وشبكات النفوذ والفساد التي يُعتقد أنها تمتد إلى مستويات عليا داخل الإدارة والأجهزة المختلفة. وجرى تقديم هذه الظاهرة باعتبارها جزءاً من اقتصاد موازٍ ضخم يستنزف خزينة الدولة ويغذي شبكات الولاء السياسي والمالي، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات اقتصادية متراكمة وارتفاع في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. كما تم التلميح إلى وجود حماية غير معلنة لبعض هذه الشبكات، الأمر الذي يعقد جهود محاربتها ويجعلها قادرة على إعادة إنتاج نفسها باستمرار.

أما الحدث الذي أثار أكبر قدر من الجدل، فهو الحديث عن تغييرات داخل أجهزة الاستخبارات والأمن، خصوصاً ما تعلق بإعفاء شخصيات نافذة من مناصب حساسة. وقد اعتُبرت هذه التحركات مؤشراً على وجود صراعات عميقة داخل مراكز القرار، تتجاوز مجرد إعادة الهيكلة الإدارية. وذهبت بعض التحليلات إلى أن المؤسسة العسكرية والأمنية تعيش مرحلة إعادة تموقع داخلية بسبب تزايد الضغوط السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن تصاعد الخلافات بين مراكز النفوذ القديمة والجديدة. كما تم الربط بين هذه التطورات وبين ما وصف بحالة القلق داخل قصر المرادية، خاصة مع تزايد التسريبات والشائعات حول تدهور الثقة بين أجنحة السلطة.

وفي خلفية كل هذه الملفات، برزت من جديد قضية العلاقة المتوترة بين الجزائر وفرنسا، والتي لا تزال تُستعمل كورقة سياسية وإعلامية داخلية. فقد تناولت بعض التحليلات ما اعتُبر “توظيفاً” للعداء مع باريس من أجل صرف الأنظار عن الأزمات الداخلية المتفاقمة. كما جرى التطرق إلى فشل السلطات الجزائرية في تحقيق اختراق حقيقي في ملفات التعاون القضائي والمالي مع فرنسا، رغم الخطاب التصعيدي المتكرر. وفي هذا السياق، اعتُبر أن النظام الجزائري يعيش مفارقة واضحة: فهو يهاجم فرنسا سياسياً وإعلامياً، لكنه في الوقت نفسه يعتمد على التعاون معها في ملفات حساسة تتعلق بالأموال والعقارات والملاحقات القضائية.

وتوقفت التحليلات أيضاً عند ما وصفته بحالة الانكماش السياسي داخل الجزائر، حيث تغيب النقاشات الحقيقية حول الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، مقابل هيمنة ملفات الصراع الأمني والتسريبات والفضائح المالية. كما جرى الحديث عن اتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع، خصوصاً مع تراجع الثقة في المؤسسات وعودة الشعور العام بالإحباط بعد سنوات من الوعود السياسية غير المنجزة. وتم التأكيد على أن المواطن الجزائري أصبح يتابع يومياً أخبار الإقالات والاعتقالات والتسريبات، أكثر مما يتابع أخبار التنمية والاستثمار وتحسين مستوى المعيشة.

وفي المقابل، لم تغب الإشارات إلى الانقسامات داخل المعارضة الجزائرية نفسها، حيث تتداخل الحسابات السياسية والإيديولوجية مع الصراعات الشخصية والإعلامية. وقد بدا واضحاً أن المشهد السياسي الجزائري يعيش حالة استقطاب حاد بين سلطة تسعى إلى فرض السيطرة الأمنية والإعلامية، ومعارضين يعتمدون بشكل متزايد على المنصات الرقمية لكشف ما يعتبرونه “أسرار النظام” وتسريباته الداخلية. هذا الوضع خلق مناخاً مشحوناً بالاتهامات المتبادلة، وأدى إلى ارتفاع منسوب التوتر السياسي والإعلامي خلال الأيام الأخيرة.

في المحصلة، تكشف التطورات الأخيرة أن الجزائر تدخل مرحلة سياسية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها ملفات الفساد مع الصراعات الأمنية والأزمات الاقتصادية والعلاقات الخارجية المتوترة. وبين خطاب رسمي يتحدث عن الإصلاح ومحاربة الفساد، وتسريبات وتحليلات تتحدث عن تفكك مراكز النفوذ وتضارب المصالح، تبدو البلاد وكأنها تتحرك فوق أرضية سياسية هشة، تزداد اهتزازاً مع كل أزمة جديدة أو ملف يُفتح من جديد أمام الرأي العام.

 

0 التعليقات: