شهد الأسبوع الثقافي والفني المنصرم في المغرب والعالم العربي حركية استثنائية أعادت إلى الواجهة سؤال الثقافة بوصفها قوة رمزية قادرة على مقاومة العنف الرمزي الذي تفرضه السرعة الرقمية والاستهلاك البصري السريع. فقد بدا واضحاً أن المؤسسات الثقافية، رغم هشاشتها البنيوية أحياناً، ما تزال قادرة على إنتاج لحظات جماعية من التأمل والجمال والاحتفاء بالمعرفة. وبين معارض الكتب والمهرجانات الموسيقية والملتقيات السينمائية، تكوّن مشهد غني بالتقاطعات بين المحلي والعالمي، وبين التراث والحداثة، وبين الثقافة بوصفها ذاكرة، والثقافة باعتبارها استثماراً في المستقبل.
في مقدمة هذه الأحداث برزت دينامية “الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026”، وهي التظاهرة التي تحولت خلال الأيام الأخيرة إلى ورشة مفتوحة للقراءة والنقاش العمومي، بعدما انطلقت فعالياتها الرسمية بمسرح محمد الخامس بالرباط، وسط حضور واسع للكتاب والناشرين والمثقفين. وقد بدا واضحاً أن اختيار الرباط من طرف اليونسكو لم يكن مجرد تتويج رمزي، بل اعترافاً بمسار ثقافي طويل جعل من المدينة فضاءً لتعايش المعرفة والفنون والكتاب. وتشير المعطيات الرسمية إلى برمجة أكثر من 342 نشاطاً ثقافياً خلال السنة، موزعة بين الندوات والمعارض والقراءات الشعرية واللقاءات الفكرية.
إن القيمة الحقيقية لهذا الحدث لا تكمن فقط في عدد الأنشطة أو في الحضور الدولي، بل في إعادة الاعتبار لفكرة “المدينة القارئة” في زمن أصبحت فيه الشاشات تختزل علاقتنا بالنصوص. فالرباط تحاول اليوم أن تستعيد وظيفة المدينة العربية القديمة التي كانت تنتج المعرفة داخل المجال العمومي، لا داخل المؤسسات المغلقة فقط. ولذلك فإن هذه التظاهرة تحمل بعداً سياسياً وثقافياً عميقاً، لأنها تدافع عن الكتاب باعتباره أداة مقاومة ضد التفاهة الرقمية وضد انهيار الذائقة الجمالية.
وفي السياق نفسه، استمر المعرض الدولي للنشر والكتاب في الرباط في جذب الآلاف من الزوار، مع تسجيل حضور عربي وإفريقي لافت، خاصة من دور النشر المصرية واللبنانية والمغاربية. وقد كشفت تقارير إعلامية عن نجاح الدورة الحادية والثلاثين من المعرض من حيث الإقبال الجماهيري وتنوع الفعاليات والندوات الفكرية. كما برزت خلال الأسبوع لقاءات حول الأدب الرقمي والذكاء الاصطناعي ومستقبل النشر العربي، وهي مواضيع تؤكد أن الثقافة العربية بدأت تلامس التحولات الكبرى التي يعيشها العالم المعاصر.
هذا التحول نحو الأدب الرقمي ليس مجرد موضة ثقافية عابرة، بل يعكس انتقالاً عميقاً في مفهوم الكتابة نفسها. فالنص لم يعد مستقراً داخل الورق فقط، بل أصبح يتحرك بين المنصات والوسائط والشاشات. ومن هنا تأتي أهمية الورشات التي تناولت علاقة الذكاء الاصطناعي بالإبداع، لأنها تفتح النقاش حول مستقبل الكاتب العربي في زمن الخوارزميات. إن السؤال اليوم لم يعد: هل سيكتب الذكاء الاصطناعي؟ بل كيف سيحافظ الإنسان على حساسيته الشعرية وسط هذا الزحف التقني.
وفي المجال الموسيقي، عاد الحديث بقوة عن مهرجان “موازين إيقاعات العالم”، بعد الإعلان عن برمجته الفنية لدورة 2026 المرتقبة في الرباط بين 19 و27 يونيو المقبل. وقد أثار الكشف عن أسماء فنانين عالميين وعرب، مثل حاتم عمور وتامر حسني ولطفي بوشناق، نقاشاً واسعاً على المنصات الاجتماعية وداخل الصحافة الثقافية المغربية.
ورغم الانتقادات التقليدية المرتبطة بميزانية المهرجان وطبيعته الجماهيرية، فإن “موازين” ما يزال يمثل مختبراً حقيقياً لفهم التحولات الموسيقية في المغرب والعالم العربي. فالمهرجان لم يعد مجرد فضاء للفرجة، بل صار مرآة لذوق جماهيري متغير، تتجاور فيه موسيقى الراب مع الطرب الكلاسيكي، والأغنية الشعبية مع الموسيقى الإلكترونية. وهذه التعددية ليست مجرد تنوع فني، بل تعبير عن مجتمع يعيش تحولات ثقافية عميقة، حيث تتصارع الهويات الموسيقية داخل المجال العمومي.
أما على المستوى السينمائي، فقد استأثر الإعلان عن الدورة الثانية للمهرجان الدولي للفيلم الأثري والتراثي بالرباط باهتمام المتابعين، خاصة مع تزايد الرهان على السينما الوثائقية كوسيلة لحماية الذاكرة الجماعية. ويهدف هذا المهرجان، المنظم بشراكة مع مهرجان “أميان” الفرنسي، إلى خلق جسر بين الفن السينمائي والبحث الأثري والتراثي.
تكمن أهمية هذا النوع من التظاهرات في أنه يعيد الاعتبار للصورة بوصفها أرشيفاً ثقافياً، لا مجرد أداة ترفيهية. فالسينما الوثائقية أصبحت اليوم وسيلة لإنقاذ ما تبقى من الذاكرة الإنسانية في عالم سريع النسيان. ولذلك فإن الجمع بين علماء الآثار والمخرجين داخل فضاء واحد يحمل دلالة عميقة: الثقافة ليست فقط ما نقرأه أو نسمعه، بل أيضاً ما نحفظه من الاندثار.
ومن الأحداث اللافتة أيضاً إطلاق “الصالون الثقافي” المغربي المصري، الذي يسعى إلى تعزيز التواصل بين المثقفين والفنانين في البلدين. وقد ركزت اللقاءات الأولى على قضايا النشر والترجمة والتعاون الفني المشترك، وسط دعوات لإعادة بناء الجسور الثقافية العربية بعيداً عن الخطابات السياسية الضيقة.
إن هذه المبادرات الثقافية العربية المشتركة تكتسب أهمية خاصة في زمن التشرذم الجيوسياسي. فالثقافة تبقى المجال الوحيد القادر على ترميم ما تهدمه السياسة. ولذلك فإن أي مشروع للتقارب العربي الحقيقي لا يمكن أن يبدأ من المؤتمرات الرسمية فقط، بل من الكتاب والمسرح والسينما والموسيقى.
في المحصلة، يمكن القول إن الأسبوع الثقافي والفني الماضي كشف عن حيوية المشهد المغربي والعربي رغم الأزمات الاقتصادية والسياسية. لقد بدا واضحاً أن الثقافة ما تزال قادرة على خلق الأمل وسط هذا الضجيج العالمي. وربما كان الدرس الأهم هو أن المجتمعات التي تستثمر في الكتاب والفن والسينما والموسيقى، إنما تستثمر في إنسانيتها قبل أي شيء آخر. فالثقافة ليست ترفاً، بل شكل من أشكال الدفاع عن الروح البشرية ضد القبح والنسيان.








0 التعليقات:
إرسال تعليق