خلال الأسبوع الممتد من 6 إلى 12 ماي 2026، بدت خريطة حقوق الإنسان في الجزائر وتونس وإفريقيا والاتحاد الأوروبي كأنها مرآة واحدة تتكرر فيها الوجوه نفسها: صحفي يُحاكم بسبب رأي، ناشط يُطارد بسبب كلمة، مهاجر يُدفع إلى الهامش، ومدنيون يدفعون ثمن الحروب التي لا يملكون قرارها. لم تكن الأخبار متفرقة بقدر ما كانت خيطا واحدا يربط بين تضييق سياسي في شمال إفريقيا، وعنف مسلح في عمق القارة، وقلق أوروبي متزايد من سياسات الهجرة واللجوء.
في الجزائر، يظل ملف الحريات العامة مثقلا بمنطق تجريم التعبير السلمي. فقد نشرت منظمة العفو الدولية، خلال هذا الأسبوع، تنبيها عاجلا بخصوص الشاعر والناشط محمد تاجديت، المعروف بلقب “شاعر الحراك”، مؤكدة أنه يواجه تهما خطيرة قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، بسبب نشاطه السلمي وتعبيراته المرتبطة بالحراك الشعبي. وتشير المنظمة إلى أن السلطات استعملت تهما فضفاضة من قبيل “المساس بالوحدة الوطنية” و“التحريض ضد سلطة الدولة”، وهي عبارات قانونية تتحول، في مثل هذه السياقات، إلى شباك واسعة لاصطياد الأصوات المعارضة بدل حماية الأمن العام.
ولا تقف الصورة الجزائرية عند حالة تاجديت وحدها. فالتقارير الحقوقية الحديثة تؤكد استمرار استعمال الاعتقال والمحاكمات والمتابعات القضائية ضد صحفيين ونشطاء ومستخدمي شبكات التواصل، إضافة إلى القيود المفروضة على حرية التنقل كما في حالة الناشط الأمازيغي والمسيحي سليمان بوحفص، الذي قالت هيومن رايتس ووتش إن السلطات منعته من السفر في مارس 2026 دون مسار واضح للطعن أو التبرير. كما نبهت هيومن رايتس ووتش إلى استمرار الطرد الجماعي والتعسفي لمهاجرين أفارقة نحو الحدود مع النيجر، بمن فيهم أطفال، في ظروف تهدد الحياة ودون فحص فردي أو ضمانات قانونية.
أما تونس، التي كانت تُقدَّم طويلا بوصفها الاستثناء الديمقراطي بعد الربيع العربي، فقد حمل الأسبوع الماضي مؤشرات مقلقة على تضييق متسارع. ففي 7 ماي 2026، قضت محكمة تونسية بسجن الصحفي زياد الهاني سنة واحدة بعد انتقاده العلني لحكم قضائي، وفق ما نقلته رويترز عن محاميه. هذه الواقعة ليست مجرد ملف فردي، بل علامة على انتقال الصحافة من فضاء الرقابة السياسية إلى فضاء العقوبة القضائية المباشرة.
وفي السياق نفسه، دعا مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك تونس إلى وقف التدابير القمعية ضد المجتمع المدني والإعلام، مشيرا إلى تعليق أنشطة منظمات حقوقية، منها منظمة “محامون بلا حدود” لمدة ثلاثين يوما، بعد أيام من تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. وكانت رويترز قد نقلت، قبل ذلك بقليل، خبر تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وهي منظمة ذات رمزية كبيرة بحكم انتمائها إلى الرباعي الراعي للحوار الوطني الحائز جائزة نوبل للسلام سنة 2015. هكذا لم تعد الأزمة التونسية أزمة خصومة سياسية فحسب، بل أصبحت اختبارا لبقاء المجتمع المدني نفسه.
في إفريقيا جنوب الصحراء، بدا الأسبوع أكثر قتامة، لأن الانتهاكات هناك لا تأتي دائما في شكل محاكمة أو قرار إداري، بل في شكل موت جماعي ونزوح وجوع. في السودان، حذر فولكر تورك يوم 11 ماي من ارتفاع خطير في عدد الضحايا المدنيين بسبب الهجمات بالطائرات المسيّرة، موضحا أن الضربات الجوية بالطائرات بدون طيار شكلت، بين يناير وأبريل 2026، نسبة كبيرة من وفيات المدنيين المرتبطة بالنزاع، مع سقوط مئات القتلى، وخصوصا في كردفان. وذكرت مفوضية الأمم المتحدة أن هجمات 8 ماي في شمال وجنوب كردفان وحدها أوقعت 26 قتيلا مدنيا، في مؤشر على أن الحرب السودانية لم تعد محصورة في جبهات تقليدية، بل صارت تمتد فوق رؤوس السكان العزل.
وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، حمل الأسبوع الماضي خبرين متوازيين: الأول عسكري دموي، والثاني سياسي حقوقي. فقد أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن جماعة القوات الديمقراطية المتحالفة، المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية، قتلت ما لا يقل عن أربعين شخصا في قرى شرق الكونغو قرب الحدود الأوغندية، مع إحراق ونهب للمنازل. وفي 12 ماي، قالت هيومن رايتس ووتش إن السلطات الكونغولية تزيد من مضايقة واعتقال الصحفيين والنشطاء وأعضاء المعارضة السياسية، أي إن المواطن الكونغولي يجد نفسه بين عنف الجماعات المسلحة من جهة، وضيق المجال العام من جهة ثانية.
أما داخل الاتحاد الأوروبي، فالصورة أكثر تعقيدا لأنها لا تتعلق بانهيار شامل للمؤسسات، بل بتآكل تدريجي لبعض الضمانات الحقوقية، خاصة في ملف الهجرة واللجوء. ففي 12 ماي، كشفت رويترز أن المفوضية الأوروبية تخطط لعقد اجتماع في بروكسل مع مسؤولين من حركة طالبان لمناقشة ترحيل مهاجرين أفغان، خصوصا من تعتبرهم بعض الدول تهديدا أمنيا. وقد حذرت منظمات حقوقية من أن أي ترحيل إلى أفغانستان قد يعرض العائدين للاضطهاد والانتهاكات، خاصة في ظل القيود الشديدة التي تفرضها طالبان على النساء والفتيات.
وفي اليوم نفسه، نشرت الغارديان خبرا عن نقاش أوروبي بشأن إرسال طالبي اللجوء المرفوضين إلى “مراكز عودة” في دول ثالثة، وهو توجه يثير مخاوف جدية من إضعاف مبدأ عدم الإعادة القسرية ومن تحويل الإنسان المهاجر إلى ملف إداري يُرحَّل خارج المجال القانوني الأوروبي. كما تؤكد وكالة الحقوق الأساسية للاتحاد الأوروبي أن أوضاع الهجرة داخل الاتحاد لا تزال تطرح تحديات حقوقية، خاصة في الوصول إلى إجراءات اللجوء وحماية الأشخاص الضعفاء.
خلاصة هذا الأسبوع أن حقوق الإنسان لم تعد تُنتهك دائما بضجيج الدبابات والسجون فقط، بل أيضا بلغة القوانين الغامضة، وقرارات التعليق الإداري، وسياسات الترحيل، والتواطؤ بالصمت أمام الحروب. في الجزائر وتونس، يبدو الخطر في تضييق الكلمة. في السودان والكونغو، يكمن في قتل المدنيين وإفلات الجناة من العقاب. وفي الاتحاد الأوروبي، يتجلى في امتحان صعب بين خطاب القيم وضغط الحدود. وبين هذه المناطق جميعا، يبقى الإنسان هو الحلقة الأضعف، لكنه يظل أيضا الحجة الأقوى ضد كل سلطة تنسى أن الكرامة ليست منحة سياسية، بل حق أصيل لا يسقط بالتقادم.








0 التعليقات:
إرسال تعليق