أتابع كما يتابع جميع الصحفيين ما يجري داخل الجزائر، ليس بدافع الفضول السياسي فقط، بل لأنني كنت دائما أؤمن أن مصير شعوب المغرب الكبير مترابط، وأن أي انغلاق أو انهيار أو قمع في دولة مجاورة ينعكس على الجميع. لكنني، كلما تعمقت في قراءة الوقائع ومتابعة الشهادات والتقارير والحوارات، ازددت اقتناعا بأن السلطة الجزائرية لم تعد تدير دولة بقدر ما تدير خوفا جماعيا مزمنا، خوفا من الحقيقة، من الصحافة، من الذاكرة، ومن أي صوت قد يكشف ما يجري خلف جدران الصمت الثقيلة.
تابعت أخيرا سلسلة من الفيديوهات والتحقيقات السياسية التي تناولت قضايا متعددة داخل الجزائر، من بينها قضية الصحفي الفرنسي كريستوف غليز، وقضية اختفاء بوعلام بوعلام، وملفات مرتبطة بمؤسسة سوناطراك، إضافة إلى المقارنات الاقتصادية بين مرحلة عبد العزيز بوتفليقة ومرحلة عبد المجيد تبون. وما أثار انتباهي ليس فقط حجم التناقضات، بل ذلك الشعور الكئيب بأن النظام الجزائري يعيش داخل دوامة من الارتباك السياسي والتآكل الداخلي.
قضية الصحفي الفرنسي كريستوف غليز تحولت إلى رمز دال على طبيعة المناخ السياسي السائد في الجزائر. فالرجل المعتقل منذ مدة طويلة بات اسمه يتردد في الصحافة الفرنسية والأوروبية باعتباره نموذجا لاستهداف الصحفيين والباحثين تحت ذرائع أمنية وسياسية. وقد أثارت الزيارة التي قامت بها الوزيرة الفرنسية السابقة Ségolène Royal له داخل السجن جدلا واسعا، خاصة بعد نشر صورة من داخل المؤسسة السجنية، في حدث اعتبره كثيرون غير مسبوق في السياق الجزائري.
لكن ما يشغلني هنا ليس فقط مصير صحفي فرنسي، بل الصورة التي تعكسها هذه القضية عن السلطة الجزائرية نفسها. دولة تخاف من الكاميرا، من المقابلة الصحفية، ومن الحوار الحر، هي دولة فقدت ثقتها في سرديتها الرسمية. والأسوأ من ذلك أن التعامل الأمني مع الصحافة لم يعد استثناء، بل تحول إلى قاعدة سياسية. تقارير عديدة تحدثت عن تضييق متزايد على الصحفيين والمعارضين، وعن مناخ عام أصبح فيه التعبير الحر محفوفا بالخوف والرقابة.
أشعر أحيانا أن النظام الجزائري يعيش حربا مفتوحة ضد ظله. كلما اختفى مسؤول، انتشرت الإشاعات. كلما غاب اسم من الواجهة، بدأ الناس يطرحون الأسئلة التي لا تجد جوابا. قضية اختفاء بوعلام بوعلام مثال صارخ على ذلك. فالغموض الذي أحاط بغيابه فتح الباب أمام تكهنات متعددة: هل يتعلق الأمر بمرض؟ أم بإبعاد سياسي؟ أم بصراع داخلي داخل دوائر الحكم؟
الدول القوية لا تخاف من الشفافية. أما الأنظمة المرتبكة فإنها تجعل من الغموض وسيلة للحكم. المواطن الجزائري اليوم يعيش وسط ضباب كثيف: لا يعرف من يحكم فعليا، ولا من يختفي، ولا من يعود، ولا ما الذي يجري داخل مؤسسة الرئاسة أو المؤسسة العسكرية. إن هذا الغموض الدائم ليس علامة قوة، بل علامة هشاشة سياسية عميقة.
أما ملف سوناطراك، فهو في نظري الجرح الأكثر نزيفا داخل الجزائر الحديثة. فمنذ سنوات طويلة، ترتبط هذه المؤسسة العملاقة بملفات الفساد والصراعات والتصفية الداخلية. لقد تحولت ثروة النفط والغاز، التي كان يفترض أن تكون نعمة للشعب الجزائري، إلى لعنة سياسية واقتصادية وأمنية. ملفات الفساد المتعددة المرتبطة بسوناطراك كشفت عن شبكات مصالح ضخمة وعن مليارات الدولارات التي تبخرت في ظروف غامضة.
وحين أتابع بعض القضايا المرتبطة باغتيال أو تصفية مسؤولين وموظفين داخل هذه المؤسسة، ينتابني شعور بأن الجزائر تحولت إلى بلد تلتهمه أسراره من الداخل. فالنفط الذي كان من المفترض أن يبني اقتصادا متنوعا ومستقرا، صار يغذي شبكات الولاء والفساد والخوف.
أكثر ما يثير الانتباه أيضا هو ذلك الحنين المتزايد داخل قطاعات من الجزائريين إلى مرحلة بوتفليقة، رغم كل الانتقادات التي وُجهت إليه. لقد أصبح كثيرون يقارنون بين سنوات الوفرة المالية السابقة وبين الوضع الحالي الذي يزداد صعوبة وتعقيدا. بعض التحليلات ترى أن بوتفليقة ترك احتياطات مالية ضخمة، بينما تجد السلطة الحالية نفسها مضطرة إلى استنزافها للحفاظ على التوازنات الاجتماعية والسياسية.
ولا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن بوتفليقة أو تبرئته، فالرجل نفسه ارتبط اسمه بملفات فساد كبرى. لكن المفارقة تكمن في أن السلطة الحالية قدمت نفسها باعتبارها قطيعة مع الماضي، بينما تبدو اليوم عاجزة عن بناء نموذج اقتصادي جديد أو خلق أفق سياسي مقنع للشباب الجزائري.
وأنا أكتب هذه السطور، لا أشعر بالشماتة تجاه الجزائر، بل بالحزن. لأنني أرى بلدا غنيا بالطاقات البشرية والثروات الطبيعية والثقافة والتاريخ، لكنه ما يزال أسير عقلية أمنية قديمة. دولة تملك الغاز والنفط والمساحات الشاسعة، لكنها تعاني من أزمة ثقة خانقة بين السلطة والمجتمع.
لقد اختارت المملكة المغربية، رغم كل التحديات، طريق الإصلاح التدريجي والانفتاح الاقتصادي والدبلوماسية الهادئة، بينما ما تزال السلطة الجزائرية تستثمر في خطاب المؤامرة والتوتر الإقليمي وصناعة الأعداء. والفرق بين البلدين لم يعد مجرد فرق في السياسات، بل أصبح فرقا في الرؤية إلى المستقبل نفسه.
أحيانا أتساءل: ماذا تخاف السلطة الجزائرية بالضبط؟ هل تخاف من صحفي؟ من صورة داخل سجن؟ من سؤال اقتصادي؟ من كاتب؟ من معارض؟ من ذاكرة شعبية؟ إن السلطة التي ترتعب من الكلمات، هي سلطة فقدت ثقتها في نفسها قبل أن يفقدها الناس ثقتهم.
لقد أصبحت الجزائر، في نظر كثيرين، بلدا يملك كل شيء إلا الطمأنينة السياسية. بلدا يعيش فوق بحر من الغاز، لكنه يغرق في القلق والرقابة والشكوك والصراعات الداخلية. وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة: أن تتحول مؤسساتها إلى جدران صامتة، وأن يصبح الخوف هو اللغة الرسمية غير المعلنة.








0 التعليقات:
إرسال تعليق