شهد الأسبوع الممتد تقريباً من 29 أبريل إلى 5 ماي 2026 مؤشرات مقلقة في وضعية حقوق الإنسان في الجزائر وتونس وإفريقيا والاتحاد الأوروبي، حيث تكررت أخبار الاعتقال، وتضييق المجال المدني، وتراجع ضمانات اللجوء والهجرة، واستعمال القضاء أو الأمن في مواجهة الأصوات المستقلة.
في الجزائر برزت قضية الشاعر والناشط محمد تاجاديت، المرتبط بحراك 2019، بعدما حث خبراء أمميون محكمة الجزائر على وقف محاكمته بسبب تهم معاد تصنيفها قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، وهو ما يجعل القضية مثالاً صارخاً على خطورة تحويل التعبير السلمي إلى ملف أمني ثقيل. كما أشارت منظمة العفو الدولية إلى أن محاكمته أمام محكمة الدار البيضاء بالجزائر كانت مبرمجة يوم 30 أبريل 2026 مع آخرين، بتهم مرتبطة بحرية التعبير والتجمع السلمي. وفي السياق نفسه، كشفت وكالة أسوشيتد برس أن الكاتب الجزائري الفرنسي كمال داود قال إن محكمة جزائرية حكمت عليه بثلاث سنوات سجناً وغرامة بسبب روايته “حوريات”، بما يثير سؤالاً عميقاً حول حرية الأدب وحق الذاكرة في الاقتراب من جراح العشرية السوداء.
أما في تونس فقد بدا المشهد أكثر قتامة مع تعليق نشاط الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان لمدة شهر، وهي منظمة عريقة وعضو في الرباعي الراعي للحوار الوطني الحائز جائزة نوبل للسلام سنة 2015. وقد اعتبرت الرابطة القرار جزءاً من حملة أوسع ضد المجتمع المدني والمعارضين. كما نقلت رويترز أن راشد الغنوشي، البالغ 84 عاماً، نُقل إلى المستشفى بعد تدهور حالته الصحية، وهو مسجون منذ 2023 في سياق أوسع من ملاحقة شخصيات سياسية وإعلامية وحقوقية. وتضيف منظمة العفو الدولية أن تونس شهدت محاكمات جماعية للمعارضين والمدافعين عن الحقوق بتهم أمنية وإرهابية غير مؤسسة، وصلت الأحكام فيها إلى عشرات السنين.
في إفريقيا اتسعت خريطة الانتهاكات من الساحل إلى وسط القارة. ففي مالي طالبت منظمة العفو الدولية السلطات بكشف مصير السياسي مونتاغا تال، الذي قالت إن رجالاً مسلحين وملثمين اختطفوه من منزله في باماكو يوم 3 ماي 2026 دون معلومات واضحة عن مكان احتجازه. وفي نيجيريا دعت العفو الدولية إلى التحقيق في وفاة ما لا يقل عن 150 شخصاً، أغلبهم أطفال، في مخيم تديره القوات العسكرية، بينما نفت المؤسسة العسكرية صحة التقرير. وفي الكونغو الديمقراطية أعلنت العفو الدولية أن مدنيين في الشرق يتعرضون لانتهاكات واسعة من مقاتلي “القوات الديمقراطية المتحالفة” ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما أثار إلغاء قمة RightsCon في زامبيا، المخصصة للحقوق الرقمية والتكنولوجيا، مخاوف حول حرية التعبير والتجمع واحتمال تأثير ضغوط خارجية.
وفي الاتحاد الأوروبي، لم تكن الصورة خالية من التناقض. فمن جهة، رحبت هيومن رايتس ووتش بحكم محكمة العدل الأوروبية ضد قانون هنغاريا المناهض للمثليين، معتبرة القرار رفضاً مهماً لوصم مجتمع الميم. ومن جهة أخرى، استمرت الانتقادات لسياسات الهجرة واللجوء الأوروبية، إذ حذرت هيومن رايتس ووتش من أن جهود الاتحاد لتقييد الهجرة “بأي ثمن” تولد مخاطر وانتهاكات جسيمة. كما مدّد الاتحاد الأوروبي عقوباته على ميانمار سنة إضافية بسبب الانتهاكات الواسعة بعد الانقلاب العسكري، في خطوة تظهر أن الاتحاد لا يزال يستعمل آلية العقوبات الحقوقية خارجياً، رغم الانتقادات الموجهة إليه داخلياً في ملفات اللجوء وغزة والهجرة.
تؤكد هذه الأمثلة أن أزمة حقوق الإنسان لم تعد محصورة في بلد واحد أو نظام واحد، بل صارت شبكة متداخلة من القمع السياسي، وتضييق الجمعيات، وتسييس القضاء، وتجريم الذاكرة، وملاحقة الصحافة، وإضعاف حق اللجوء. من الجزائر حيث يواجه شاعر احتمال الإعدام بسبب كلماته، إلى تونس حيث تُعلّق منظمة حقوقية عريقة، إلى مالي حيث يختفي معارض في ظلام الاختطاف، إلى أوروبا حيث يتنازع خطاب الحقوق مع منطق الحدود، تبدو الكرامة الإنسانية كأنها تمشي فوق جسر ضيق بين القانون والخوف. والسؤال الأكبر اليوم ليس فقط من ينتهك الحقوق، بل من يملك الشجاعة السياسية والأخلاقية للدفاع عنها دون انتقائية أو حسابات ظرفية.








0 التعليقات:
إرسال تعليق