الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، مايو 12، 2026

الروايةُ العابرةُ للمنصاتِ تفتحُ أبوابَ الخيالِ خارجَ الورقِ: عبده حقي

 


تتحركُ الروايةُ اليومَ داخلَ خرائطٍ جديدةٍ لم تكنْ مألوفةً في تاريخِ السردِ الإنسانيِّ الطويل. فالقارئُ الذي كانَ يكتفي بتقليبِ الصفحاتِ وملاحقةِ الشخصياتِ بينَ الفصولِ، صارَ يجدُ نفسَهُ أمامَ عوالمَ متشعبةٍ تمتدُّ من الشاشةِ إلى اللعبةِ الإلكترونيةِ، ومن الفيلمِ السينمائيِّ إلى القصصِ المصورةِ، ومن الهاتفِ الذكيِّ إلى فضاءاتِ الواقعِ الافتراضيِّ. لقد خرجتِ الروايةُ الحديثةُ من عزلتِها الورقيةِ القديمةِ، وبدأتْ تتحولُ إلى كائنٍ سرديٍّ متعددِ الوجوهِ والأصواتِ والمنصاتِ، كأنَّ الخيالَ نفسَهُ صارَ يبحثُ عن جسدٍ جديدٍ يتجاوزُ حدودَ الكتابِ التقليدي.

هذا التحولُ العميقُ الذي يُعرفُ اليومَ باسمِ “الروايةِ العابرةِ للمنصات” أو “Transmedia Novel” أي “الروايةِ التفاعليةِ متعددةِ الوسائط”، لا يقومُ فقط على نقلِ الروايةِ من الورقِ إلى الشاشة، بل يعتمدُ على توسيعِ العالمِ السرديِّ نفسِه عبرَ وسائلَ مختلفةٍ تتكاملُ فيما بينها. فالروايةُ هنا لا تُقرأُ فقط، بل تُشاهَدُ وتُلعبُ وتُسمَعُ وتُكتشفُ عبرَ مساراتٍ متفرعةٍ تشبهُ المتاهة. وقد يتحولُ القارئُ إلى لاعبٍ داخلَ لعبةٍ رقميةٍ مرتبطةٍ بالرواية، أو إلى متابعٍ لفيلمٍ يكشفُ جانبًا خفيًا من حياةِ الشخصيات، أو إلى مشاركٍ في منتدى إلكترونيٍّ يعيدُ كتابةَ الأحداثِ وتأويلَها.

لقد أدركتِ الصناعاتُ الثقافيةُ الكبرى أنَّ الروايةَ لم تَعُدْ مجردَ نصٍّ يُباعُ داخلَ المكتبات، بل أصبحتْ مشروعًا سرديًا قابلًا للتمددِ داخلَ جميعِ الوسائطِ الممكنة. ولذلكَ ظهرتْ أعمالٌ عالميةٌ ضخمةٌ مثلُ “Harry Potter” أي “هاري بوتر”، و“Star Wars” أي “حرب النجوم”، و“The Matrix” أي “المصفوفة”، بوصفِها عوالمَ سرديةً متكاملةً تعيشُ داخلَ الروايةِ والسينما والألعابِ الإلكترونيةِ والرسومِ المصورةِ ومنصاتِ الإنترنتِ في آنٍ واحد. إنَّ القارئَ لم يَعُدْ يكتفي بمعرفةِ نهايةِ القصة، بل صارَ يبحثُ عن الغوصِ الكاملِ داخلَ العالمِ التخييليِّ نفسِه.

ويبدو أنَّ هذا الشكلَ الجديدَ من السردِ يعكسُ التحولاتِ النفسيةَ والثقافيةَ التي يعيشُها الإنسانُ المعاصرُ تحتَ سلطةِ التكنولوجيا. فالعالمُ الرقميُّ اليومَ قائمٌ على التشظي وتعددِ النوافذِ والمنصاتِ والروابطِ الفائقةِ، ولذلكَ أصبحَ من الطبيعيِّ أنْ تتغيرَ طبيعةُ الحكايةِ أيضًا. لقد كانتِ الروايةُ التقليديةُ تسيرُ في خطٍّ مستقيمٍ يبدأُ من الصفحةِ الأولى وينتهي عندَ الصفحةِ الأخيرة، أما الروايةُ العابرةُ للمنصاتِ فتتحركُ مثلَ شبكةٍ معقدةٍ من المساراتِ التي يمكنُ للقارئِ أنْ يدخلَ إليها من أيِّ باب.

إنَّ أخطرَ ما في هذا التحولِ أنهُ يعيدُ تعريفَ معنى “المؤلف” نفسِه. ففي الروايةِ الكلاسيكيةِ كانَ الكاتبُ يتحكمُ في العالمِ السرديِّ وحدهُ، أما اليومَ فقد أصبحتِ الروايةُ مشروعًا جماعيًا يشاركُ في بنائهِ مبرمجونَ ومصممونَ ورسامونَ ومخرجونَ وموسيقيونَ وخبراءُ ألعابٍ إلكترونية. بل إنَّ بعضَ الأعمالِ الحديثةِ تسمحُ للجمهورِ بالمشاركةِ في صناعةِ الأحداثِ وتوجيهِ مسارِ الشخصيات. وهكذا يتحولُ المؤلفُ من “مالكٍ مطلقٍ للحكاية” إلى “مهندسٍ للعالمِ السرديِّ”.

ومن بينِ أكثرِ الجوانبِ إثارةً في الروايةِ العابرةِ للمنصاتِ قدرتُها على توسيعِ تجربةِ التلقي. فالقارئُ لم يَعُدْ متلقيًا سلبيًا، بل صارَ يعيشُ الحكايةَ بجميعِ حواسِّه. وقد يقرأُ فصلًا داخلَ كتابٍ إلكتروني، ثم ينتقلُ إلى لعبةٍ تتيحُ لهُ اكتشافَ مدينةِ الرواية، ثم يشاهدُ فيلمًا قصيرًا يروي ماضيَ إحدى الشخصيات، قبلَ أنْ يستمعَ إلى بودكاستٍ صوتيٍّ يكشفُ أسرارًا إضافيةً عن العالمِ التخييليِّ. إننا أمامَ أدبٍ يتحولُ إلى تجربةٍ حسيةٍ شاملةٍ تتداخلُ فيها الصورةُ بالصوتِ بالحركةِ بالبرمجة.

وقد ساهمَ الذكاءُ الاصطناعيُّ بدورٍ متزايدٍ في تطويرِ هذا النوعِ من السرد. فبعضُ المنصاتِ الجديدةِ باتتْ تستعملُ الخوارزمياتِ لتخصيصِ مسارِ الروايةِ وفقَ اختياراتِ القارئِ واهتماماتِه. وهناكَ تجاربُ تسمحُ للشخصياتِ الرقميةِ بالتحاورِ مباشرةً معَ الجمهورِ عبرَ روبوتاتِ الدردشةِ الذكية. كما بدأتْ بعضُ المشاريعِ السرديةِ تستثمرُ الواقعَ المعززَ والواقعَ الافتراضيَّ لخلقِ عوالمَ يمكنُ للقارئِ أنْ يتجولَ داخلَها كما لو كانَ يسيرُ في مدينةٍ حقيقية.

لكنَّ هذهِ الثورةَ السرديةَ الجديدةَ تفتحُ أيضًا أسئلةً ثقافيةً وفلسفيةً عميقة. فهل ما تزالُ الروايةُ روايةً إذا تحولتْ إلى لعبةٍ أو فيلمٍ أو منصةٍ تفاعلية؟ وهل يستطيعُ الأدبُ أنْ يحافظَ على عمقِه الإنسانيِّ وسطَ هذا الفيضانِ البصريِّ والتقنيِّ؟ ثم ماذا سيحدثُ للغةِ نفسِها داخلَ عالمٍ أصبحتْ فيهِ الصورةُ أكثرَ حضورًا من الكلمة؟

إنَّ بعضَ النقادِ يرونَ أنَّ الروايةَ العابرةَ للمنصاتِ قد تهددُ جوهرَ الأدبِ عبرَ تحويلِه إلى منتجٍ استهلاكيٍّ سريعٍ خاضعٍ لقوانينِ السوقِ والترفيهِ الرقمي. بينما يرى آخرونَ أنَّ هذا الشكلَ الجديدَ يمنحُ الروايةَ فرصةً تاريخيةً للنجاةِ داخلَ عصرِ الشاشاتِ، خصوصًا في ظلِّ تراجعِ القراءةِ التقليديةِ لدى الأجيالِ الجديدة.

وفي العالمِ العربيِّ ما تزالُ التجاربُ في هذا المجالِ محدودةً نسبيًا، لكنها بدأتْ تظهرُ تدريجيًا عبرَ بعضِ الرواياتِ الرقميةِ والقصصِ التفاعليةِ التي تستثمرُ الروابطَ الفائقةَ والصوتَ والصورةَ والفيديو. كما بدأتْ بعضُ الجامعاتِ والمختبراتِ الثقافيةِ تهتمُّ بدراسةِ “الأدبِ الرقميِّ” بوصفِه مجالًا جديدًا يتقاطعُ فيهِ السردُ معَ التكنولوجيا.

إنَّ الروايةَ العابرةَ للمنصاتِ لا تُعلنُ نهايةَ الكتابِ الورقيِّ، بل تكشفُ عن تحوّلٍ عميقٍ في طبيعةِ الخيالِ الإنسانيِّ نفسه. فالإنسانُ الذي يعيشُ داخلَ عالمٍ رقميٍّ متعددِ الشاشاتِ لم يَعُدْ يبحثُ فقط عن قصةٍ يقرأُها، بل عن عالمٍ كاملٍ يسكنُهُ ويتفاعلُ معهُ. وربما كانتْ هذهِ التحولاتُ كلُّها إشارةً إلى أنَّ الروايةَ تدخلُ اليومَ مرحلةً جديدةً من تاريخِها الطويل، مرحلةً يصبحُ فيها السردُ فضاءً مفتوحًا بينَ الأدبِ والبرمجةِ والسينما والألعابِ والذكاءِ الاصطناعيِّ.

لقد كانتِ الروايةُ عبرَ قرونٍ طويلةٍ بيتًا للكلمات، أما اليومَ فإنها تتحولُ شيئًا فشيئًا إلى مجرةٍ من الوسائطِ والصورِ والأصواتِ والتفاعلاتِ الرقمية. وفي قلبِ هذهِ المجرةِ الجديدةِ يقفُ القارئُ المعاصرُ حائرًا ومندهشًا، يحملُ كتابًا في يدٍ، وهاتفًا ذكيًا في اليدِ الأخرى، بينما تتقاطعُ أمامَهُ طرقُ الحكايةِ بلا نهاية.


0 التعليقات: