تبدو حركة النشر العربي هذه الأيام وكأنها محاولة جماعية لالتقاط أنفاس عالم يزداد اضطرابًا، حيث لم تعد الكتب مجرد أوعية للمعرفة أو التسلية، بل تحوّلت إلى مرايا قلقة تعكس انكسارات الإنسان العربي وأسئلته الكبرى. وخلال الأسبوع الماضي، حملت المنصات الثقافية العربية ودور النشر مجموعة من العناوين الجديدة التي تكشف عن هذا القلق العميق، وتؤكد أن الأدب والفكر لا يزالان قادرين على مقاومة الضجيج الرقمي، وعلى منح اللغة فرصة جديدة للنجاة من التبسيط والتفاهة.
في موقع “ضفة ثالثة”، التابع لـ العربي الجديد، ظهرت إصدارات تستثمر السرد بوصفه وسيلة لمساءلة الذاكرة العربية الممزقة. من بين هذه الأعمال كتاب “في الطريق إلى بيت ولّادة” للكاتب السوري محيي الدين اللاذقاني، وهو نص يتجاوز التصنيف التقليدي، ويتحرك بين السيرة والتأمل الثقافي والكتابة الشعرية. هذا النوع من الكتب لم يعد يبحث عن الحكاية فقط، بل عن أثر الحكاية داخل الروح، وعن الخراب الذي تتركه المنافي داخل اللغة نفسها. كما برز كتاب “فلسفة التمرد” لحيدر عبد السادة جوده، الذي يحاول إعادة تعريف معنى التمرد في عالم فقد قدرته على الغضب الحقيقي، وصار يستهلك الاحتجاج كما يستهلك الإعلانات التجارية.
وفي السياق نفسه، صدرت رواية “العاصمة باب السور” لعلي صلاح بلداوي، وهي عمل سردي يستعيد ذاكرة المدن العراقية التي التهمتها الحروب والعزلة، بينما جاء كتاب “خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع” لمنير الربيع كوثيقة سياسية تحاول تفكيك المشهد السوري من الداخل، بعيدًا عن الخطابات الإعلامية الجاهزة. هذه العناوين تؤكد أن الكتاب العربي صار أكثر التصاقًا بالتحولات الجيوسياسية، وأن الرواية والفكر باتا يشتغلان داخل المساحات نفسها تقريبًا.
أما صحيفة القدس العربي فقد واصلت اهتمامها بالإصدارات الروائية والشعرية الجديدة، خصوصًا تلك التي تمتح من هشاشة الواقع العربي. من الأعمال التي لفتت الانتباه رواية “العلبة – يحيى الذي رأى” لشادن دياب، وهي رواية تستثمر اللغة الشعرية لتفكيك العالم وإعادة بنائه على هيئة شظايا سردية، كأن الكاتبة تكتب فوق زجاج مكسور. كما ظهرت رواية “مانيدو” لتيسير خلف، التي تطرح أسئلة الحياة والموت والحب داخل فضاء متداعٍ، حيث يصبح الإنسان مجرد شاهد على انهيار المعنى.
ومن جهتها، واصلت ميدل إيست أونلاين اهتمامها بالإصدارات الفكرية والسياسية التي تلامس التحولات العربية الكبرى، خصوصًا الكتب التي تناقش صعود الشعبوية والأيديولوجيات الجديدة وانهيار السرديات القديمة. اللافت في هذه الإصدارات أنها لم تعد تفصل بين الثقافة والسياسة، بل تعتبر الكتابة نفسها فعل مقاومة ضد التبسيط الإعلامي وضد الاستهلاك السريع للأفكار.
أما على مستوى دور النشر، فقد بدت الصورة أكثر كثافة وثراءً. في دار الساقي، ظهرت عناوين جديدة تجمع بين الفكر والفلسفة والسياسة وعلم النفس. من أبرزها كتاب “الحداثة والنقد الثقافي” لعبد الإله بلقزيز، الذي يعيد مساءلة علاقة العرب بالحداثة الغربية، لا باعتبارها مشروعًا للتحرر فقط، بل باعتبارها أيضًا مصدرًا لاغتراب جديد. كما برز كتاب “الإقطاع التكنولوجي” ليانيس فاروفاكيس، الذي يقدّم نقدًا حادًا للرأسمالية الرقمية وهيمنة المنصات العملاقة على الوعي الإنساني، في وقت صار الإنسان فيه مجرد بيانات قابلة للبيع والشراء.
وفي الدار نفسها، صدر كتاب “قرن من الاشتراكية” لحازم صاغية، الذي يعود إلى التجارب الاشتراكية الأوروبية محاولًا فهم أسباب صعودها وانهيارها، وكأن الكتاب يقرأ حاضر العالم من خلال أنقاض القرن العشرين. كما عادت كتب محمد شحرور إلى الواجهة عبر طبعات جديدة تناقش القصص القرآني وفق مقاربة معاصرة، إضافة إلى كتب جورج طرابيشي التي لا تزال تثير الأسئلة نفسها حول العلاقة بين الإسلام والتاريخ والحداثة.
وفي المغرب، يواصل المشهد الثقافي بدوره إنتاج عناوين تعكس تنوع الاهتمامات الفكرية والقانونية والأدبية. فقد عرضت دار الآفاق المغربية مجموعة من الإصدارات الجديدة التي تمس قضايا القانون والتحولات الاجتماعية، مثل كتاب “الوسيط في حوادث السير” لإدريس الضحاك، وكتاب “حقوق الدفاع وقواعد حضور المحامي” للحسين بكار، إلى جانب كتب أخرى تتعلق بالقانون الجنائي والتحفيظ العقاري. هذه الإصدارات تكشف أن سوق الكتاب المغربي لم يعد محصورًا في الأدب والشعر، بل صار أكثر انفتاحًا على المعرفة القانونية والاجتماعية المتخصصة.
كما برزت أعمال مغربية أخرى في الفضاء العربي، مثل ديوان “الأرض الحمراء” للشاعر المغربي مخلص الصغير، ورواية “الزنجي” للعربي الحميدي، وهما عملان يشتغلان على الهوية والذاكرة والهامش الاجتماعي، ويعيدان مساءلة العلاقة بين الإنسان العربي وتاريخه المنسي.
ما يثير الانتباه فعلًا في هذه الإصدارات الجديدة هو أن الكتاب العربي لم يعد يبحث عن اليقين، بل عن الأسئلة. لم تعد الرواية تقدم أجوبة جاهزة، بل صارت مساحة للشك، ولم يعد الفكر يعد بالخلاص، بل يحاول فقط فهم هذا الخراب الهائل الذي يبتلع العالم ببطء. حتى اللغة نفسها تبدو في حالة ارتباك، كأنها تكتب تحت ضغط الخوف من المستقبل، ومن الذكاء الاصطناعي، ومن الحروب، ومن هشاشة الإنسان المعاصر.
ومع ذلك، فإن هذه العناوين الجديدة تؤكد أن الثقافة العربية ما تزال حيّة، وأن الكتاب، رغم كل شيء، لا يزال قادرًا على مقاومة العدم. ففي زمن الشاشات السريعة والخوارزميات العمياء، يبدو الكاتب العربي وكأنه يحفر نفقًا صغيرًا داخل هذا الظلام الرقمي، فقط لكي يمنح القارئ لحظة تأمل نادرة، أو جملة قادرة على إنقاذ ذاكرته من التآكل. وربما لهذا السبب بالذات، تبدو الكتب الجديدة الصادرة خلال هذا الأسبوع أكثر من مجرد منشورات ثقافية؛ إنها شهادات حيّة على أن الإنسان العربي ما يزال يقاوم، بالكلمات، كل هذا الخراب المتكاثر حوله.








0 التعليقات:
إرسال تعليق