الفصل الثالث:
الرحيل إلى فاس… المدينة التي تبتلع أبناءها
الجزء الأول: الثانوية… بداية
التصدّع الهادئ
شكل وصول أحمد إلى مدينة فاس تحوّلًا عميقًا في إدراكه للعالم، أشبه بانفصال داخلي صامت بين ما كان عليه في الأمس وما بدأ يتشكل في داخله دون وعي كامل، فقد بدت له المدينة منذ اللحظة الأولى ككائن حيّ لا يفتح ذراعيه لاستقبال القادمين، بل ليبتلعهم
في صمت، ويدمجهم في نسيجه، ويعيد تشكيلهم وفق إيقاعه الخاص الذي لا يشبه أي إيقاع عرفه من قبل، وكانت الأزقة في نظره لا تفضي إلى اتساع بل إلى ضيق متكرر، والجدران لا تحميه بل تراقب، والأصوات لا تصدر من مكان محدد بل تتوزع في الفضاء كأنها جزء من الهواء ذاته، وهو ما جعله يشعر بأن المدينة لا تمنحه فرصة الفهم السريع، بل تفرض عليه أن يتعلم بطريقتها الخاصة.حين وطأت قدماه أرض فاس، لم يكن يدرك أنه يعبر فقط من مدينة زرهون إلى أخرى، بل
كان ينتقل من إيقاعٍ ضيقٍ إلى عالمٍ مفتوح، من ذاكرةٍ بسيطة إلى ذاكرةٍ مركّبة، من
زرهون الصغيرة التي كانت تُشبه قريةً كبيرة إلى مدينةٍ تُشبه التاريخ نفسه وهو يمشي
في الشوارع، ويتكلم من خلال الجدران، ويتنفس في الأزقة.
كانت فاس، بالنسبة إليه، صدمةً بصرية قبل أن تكون تجربةً إنسانية، لأن أول ما استوقفه
لم يكن الناس ولا الأصوات، بل ذلك التراكم الحجري الذي بدا له كأنه لا نهاية له، حيث
تتداخل الأزمنة دون أن تتصادم، وتتعانق الأبنية القديمة مع ظلال التحول الحديث في مشهدٍ
لا يفسَّر بسهولة، وكأن المدينة لا تعيش زمنًا واحدًا بل عدة أزمنة في آنٍ واحد، بعضها
ظاهر وبعضها يختبئ في التفاصيل.








0 التعليقات:
إرسال تعليق