الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، مايو 13، 2026

قيس سعيد ينشر ظلالَ الخوفِ فوقَ أجواء الصحافةِ: عبده حقي


يتابع الرأي العام في العالم العربي المشهدَ التونسيَّ بكثيرٍ من الحزنِ والقلق، لأنَّ البلدَ الذي كان يُقدَّمُ بعدَ انتفاضةِ 2011 باعتباره الاستثناءَ الديمقراطيَّ في العالمِ العربي، صار اليومَ يبعثُ إشاراتٍ ثقيلةً توحي بأنَّ مسارَ الحرياتِ فيه يتراجعُ خطوةً بعدَ أخرى. ولم يكن خبرُ تأكيدِ الحكمِ بالسجنِ ثلاثَ سنواتٍ ونصفٍ في حقِّ الصحفيَّينِ التونسيَّينِ موراد الزغيدي وبورهان بسايس سوى حلقةٍ جديدةً في سلسلةِ التوترِ المتصاعدِ بين السلطةِ والصحافةِ في تونس.

وأنا أقرأُ تفاصيلَ القضيةِ، شعرتُ بأنَّ الأمرَ يتجاوزُ مجردَ ملفٍّ قضائيٍّ يرتبطُ بتهمٍ ماليةٍ أو ضريبية، لأنَّ المناخَ العامَّ الذي يحيطُ بالقضيةِ يكشفُ عن أزمةِ ثقةٍ عميقةٍ بين الدولةِ والإعلام. فالصحفيانِ اللذانِ عرفهما التونسيونَ من خلالِ حضورهما الإعلاميِّ وتحليلاتهما السياسيةِ، أصبحا رمزًا لنقاشٍ أكبرَ يتعلَّقُ بحدودِ حريةِ التعبيرِ ومستقبلِ الصحافةِ المستقلةِ في بلدٍ كان يفاخرُ ذاتَ يومٍ بانفتاحِ فضائهِ الإعلامي.

إنَّ ما يثيرُ انتباهي أكثرَ في هذه القضيةِ ليس فقط تثبيتُ العقوبةِ الاستئنافية، بل الإصرارُ الرسميُّ على المضيِّ في مسارٍ قضائيٍّ تعتبره منظماتٌ حقوقيةٌ دوليةٌ، من بينها منظمةُ مراسلون بلا حدود، نوعًا من “المضايقةِ القضائيةِ” أو “الاستنزافِ القانونيِّ” للصحفيين. ومنذُ سنواتٍ، لم تعدِ السلطةُ في عددٍ من الدولِ العربيةِ بحاجةٍ إلى إغلاقِ الجرائدِ بالدباباتِ أو اقتحامِ قاعاتِ التحريرِ بالعسكر، لأنَّ القضاءَ والقوانينَ الاستثنائيةَ صارت تؤدي المهمةَ نفسَها بوسائلَ أكثرَ نعومةً وأشدَّ قسوةً في الوقتِ نفسه.

لقد تحوَّلَ المرسومُ عدد 54 في تونس، الذي قُدِّمَ في الأصلِ باعتباره أداةً لمحاربةِ الأخبارِ الزائفةِ والجرائمِ الإلكترونية، إلى مادةٍ جدليةٍ تُثيرُ مخاوفَ الصحفيينَ والحقوقيينَ. فكلُّ نصٍّ قانونيٍّ فضفاضٍ يمكنُ أن يتحوَّلَ بسهولةٍ إلى سيفٍ مسلطٍ على رقابِ الكتّابِ والإعلاميين، خصوصًا حينَ تغيبُ الضماناتُ الديمقراطيةُ والتوازناتُ المؤسساتيةُ القوية.

وأنا أتأملُ ما يحدثُ في تونس، أستعيدُ تلكَ اللحظاتِ الأولى من “الربيع العربي”، حينَ كانتِ الشعوبُ تحلمُ بفضاءِ حرٍّ للكلمةِ، وبصحافةٍ لا تخشى السلطةَ ولا تكتبُ تحتَ سقفِ التعليماتِ المغلقة. لكنَّ السنواتِ الأخيرةَ كشفتْ أنَّ الانتقالَ الديمقراطيَّ ليس طريقًا مستقيمًا، بل متاهةٌ مليئةٌ بالارتداداتِ والانكسارات. وما يجري اليومَ في تونس يُظهرُ بوضوحٍ أنَّ الأنظمةَ العربيةَ، مهما اختلفتْ شعاراتُها، ما تزالُ تنظرُ إلى الإعلامِ النقديِّ باعتباره مصدرَ إزعاجٍ ينبغي التحكمُ فيه.

ولا أعتقدُ أنَّ سجنَ صحفيٍّ يمكنُ أن يصنعَ الاستقرارَ السياسيَّ الحقيقيَّ. فالدولُ لا تُقاسُ فقط بقوةِ أجهزتها الأمنيةِ أو صرامةِ قوانينها، بل أيضًا بقدرتها على احتمالِ النقدِ وتدبيرِ الاختلاف. إنَّ الصحافةَ المزعجةَ أحيانًا أكثرُ فائدةً للدولةِ من الصحافةِ المطيعة، لأنَّها تكشفُ الأعطابَ قبلَ أن تتحولَ إلى كوارثَ وطنية.

لقد تابعتُ ردودَ الفعلِ داخلَ تونس وخارجَها، ولاحظتُ أنَّ القضيةَ أعادتْ إلى الواجهةِ النقاشَ حولَ وضعِ الحرياتِ العامةِ في عهدِ الرئيسِ قيس سعيّد، خاصةً بعدَ الإجراءاتِ السياسيةِ الاستثنائيةِ التي بدأتْ منذُ صيفِ 2021. فعددٌ من النشطاءِ والصحفيينَ والمحامينَ وجدوا أنفسهم أمامَ متابعاتٍ قضائيةٍ متكررةٍ، وهو ما جعلَ كثيرينَ يتحدثونَ عن عودةِ مناخِ التخويفِ السياسيِّ ولكنْ بصيغٍ قانونيةٍ جديدة.

وأنا أكتبُ هذه السطورَ، لا أريدُ أن أقدِّمَ صورةً رومانسيةً عن الصحفيين، فالصحافةُ ليستْ فوقَ القانون، وأيُّ صحفيٍّ يمكنُ أن يُحاسَبَ إذا ثبتَ تورطهُ في قضايا فسادٍ أو تبييضِ أموالٍ وفقَ محاكمةٍ عادلةٍ وشفافة. لكنَّ الإشكالَ الحقيقيَّ يبدأُ حينَ يصبحُ المناخُ السياسيُّ العامُّ مشبعًا بالخوفِ والشكِّ، وحينَ تتراكمُ القضايا ضدَّ الأصواتِ المزعجةِ بطريقةٍ تجعلُ الرأيَ العامَّ يشعرُ بأنَّ الأمرَ لا يتعلقُ فقط بتطبيقِ القانون، بل أيضًا بإرسالِ رسائلَ سياسيةٍ إلى الوسطِ الإعلاميِّ بأكمله.

إنَّ أكثرَ ما يُخيفني في العالمِ العربيِّ ليس القمعَ المباشرَ وحده، بل اعتيادُ الناسِ عليه. فحينَ يتحولُ خبرُ اعتقالِ صحفيٍّ أو سجنِ كاتبٍ إلى خبرٍ عابرٍ لا يهزُّ الضميرَ العام، نكونُ قد دخلنا منطقةَ الخطرِ الحقيقي. لأنَّ موتَ الحريةِ لا يحدثُ دفعةً واحدة، بل يتسللُ ببطءٍ عبرَ الصمتِ والتبريرِ والتطبيعِ مع الخوف.

ورغمَ كلِّ ذلك، ما زلتُ أؤمنُ أنَّ الكلمةَ أقوى من الزنازينِ على المدى البعيد. فالتاريخُ العربيُّ مليءٌ بأسماءِ كتّابٍ وصحفيينَ دخلوا السجونَ لكنَّ أفكارَهم خرجتْ أكثرَ قوةً وانتشارًا. والسلطاتُ التي تربحُ معركةَ إسكاتِ الأصواتِ اليوم، قد تخسرُ غدًا معركةَ الذاكرةِ والتاريخ.

إنَّ تونسَ التي ألهمتِ العربَ ذاتَ شتاءِ حريةٍ قبلَ أعوام، تبدو اليومَ وكأنها تخوضُ امتحانًا عسيرًا بينَ منطقِ الدولةِ القويةِ ومنطقِ المجتمعِ الحر. وفي مثلِ هذه اللحظاتِ الحساسة، يصبحُ مستقبلُ الصحافةِ مؤشرًا دقيقًا على اتجاهِ البلدِ كله: نحوَ مزيدٍ من الانفتاح، أم نحوَ إعادةِ إنتاجِ الخوفِ بأسماءٍ جديدة.

 

0 التعليقات: