الفصل السابع: الانتقال القسري …
الجزء الأول: بين سبورة النهار وخلايا الليل
كان انتقاله إلى فاس سفرا جديدًا داخل تضاريس أخرى من الحياة، طبقة لا تُرى بسهولة لأنها تُبنى على التوازن الدقيق بين ما يُعلن وما يُخفى، بين ما يُقال في القسم وما يُتداول في الغرف المغلقة، وبين ما يُسمح به وما يُحاصر بالصمت، وقد كان أحمد، وهو يدخل
إلى المدينة التي كانت بالنسبة إليه في السابق مجرد محطة عابرة في الذاكرة، يشعر أنه يحمل معه كل ما عاشه في القنيطرة، وكل ما انكسر داخله في درب مولاي الشريف، لكنه في الوقت نفسه كان يدرك أن عليه أن يبدأ من جديد، ليس كمن ينسى، بل كمن يعيد ترتيب ذاته داخل شروط جديدة لا تقل تعقيدًا.في النهار، كان يقف أمام التلاميذ بهدوء ظاهر، يشرح الدروس، يكتب
على السبورة، يطرح الأسئلة، ويتظاهر بأن كل شيء يسير بشكل طبيعي، لكن هذا الطبيعي لم
يكن إلا قناعًا هشًّا يخفي خلفه طبقات من التفكير، لأن كل جملة كان يقولها كانت تحمل
في داخلها صدى ما عاشه من مرارة التجربة ، وكل فكرة كان يشرحها كانت تُقاس في ذهنه
بميزان التجربة، وكان يرى في وجوه التلاميذ امتدادًا لذاته القديمة، تلك الذات التي
كانت تؤمن بأن المعرفة طريق واضح نحو المستقبل، قبل أن يكتشف أن هذا الطريق مليء بالانقطاعات،
بالانكسارات، وبالأسئلة التي لا تجد جوابًا داخل الكتب، ولذلك لم يكن يدرّس فقط ما
هو مكتوب، بل كان يحاول، دون أن يصرّح بذلك، أن يزرع فيهم قدرة على الشك، على التفكير
خارج القوالب، على رؤية ما لا يُرى في ظاهر الأشياء.







0 التعليقات:
إرسال تعليق