لم أدخلُ إلى الصحافةِ الرقميةِ العربيةِ بوصفها مجرّدَ وسيلةٍ تقنيةٍ جديدةٍ للنشر، بل دخلتُ إليها مثلَ كاتبٍ عربي يعبرُ سرًّا من زمنٍ إلى زمن. كنتُ آنذاك أراقبُ العالمَ العربيَّ وهو يتغيّرُ ببطءٍ مؤلم، فيما كانتِ الصحفُ الورقيةُ ما تزالُ تتعاملُ مع الكاتبِ مثلَ ضيفٍ عابرٍ ينتظرُ إذنَ المرورِ من بواباتِ التحريرِ الثقيلة، ومن مزاجِ الرقيبِ، ومن حساباتِ السوقِ والإعلاناتِ والتحالفاتِ السياسيةِ. كان النصُّ الورقيُّ يشبهُ قطارًا بطيئًا يقطعُ مسافاتٍ طويلةً قبل أن يصلَ إلى قارئه، إن وصل أصلًا.
ثم جاءتِ الصحافةُ
الرقميةُ العربيةُ مثلَ ارتجاجٍ خفيٍّ وخفيف في بنيةِ المشهدِ الإعلاميِّ والثقافيِّ
العربي. وفجأةً، صار الكاتبُ يرى نصَّهُ يخرجُ إلى العالمِ في اللحظةِ نفسها التي يضغطُ
فيها زرَّ النشر. لم يعدِ الحبرُ ينتظرُ شاحناتِ التوزيع، ولا مزاجَ موظفِ المطبعة،
ولا خوفَ بائعِ الجرائدِ من العناوينِ المزعجة. صار النصُّ يسافرُ وحدهُ مثلَ طائرٍ
إلكترونيٍّ حرٍّ يعبرُ القاراتِ بلا جوازِ سفر.
أتذكّرُ جيدًا تلكَ
الدهشةَ الأولى التي شعرتُ بها وأنا أكتشفُ أن مقالًا كتبتهُ في مدينتي المغربيةٍ الهادئةٍ
يمكنُ أن يقرأهُ شخصٌ في سيدني أو مونتريال أو الدوحة أو لندن في اللحظةِ نفسها. كانت
تلكَ اللحظةُ بالنسبةِ إليَّ أشبهَ بانهيارِ جدارٍ برلين ظلَّ طويلًا يفصلُ الكاتبَ
العربيَّ عن قارئه. لأولِ مرةٍ شعرتُ أن الكتابةَ العربيةَ بدأتْ تتحرّرُ من متاريس
الجغرافيا.
وفي قلبِ هذهِ التحوّلاتِ
ظهر موقع إيلاف كتجربةً عربيةً رائدةً سبقتْ زمنَها بكثير. فمنذ انطلاقتها من لندن قبل
خمسةٍ وعشرينَ عامًا، استطاعتْ أن تفتحَ بابًا جديدًا أمام الصحافةِ العربيةِ الرقميةِ،
في وقتٍ كانت فيهِ كثيرٌ من المؤسساتِ الإعلاميةِ العربيةِ ما تزالُ تنظرُ إلى الإنترنتِ
باعتبارهِ فضاءً ثانويًّا أو هامشيًّا. كانت إيلافُ من أوائلِ المنابرِ التي آمنتْ
بأن مستقبلَ الإعلامِ العربيِّ لن يبقى حبيسَ الورق، وأن القارئَ العربيَّ الجديدَ
يتشكّلُ داخلَ فضاءِ الشاشةِ المفتوحةِ على العالم.
لم تكنْ إيلاف مجرّدَ صحيفةٍ إلكترونيةٍ جديدة، بل كانتْ
إعلانًا مبكرًا عن ولادةِ فضاءِ عربيٍّ إعلاميٍّ أكثرَ خفّةً وحركةً وجرأةً. لقد منحتْ
مساحةً للرأيِ الحرِّ، وفتحتْ أبوابَها أمام أصواتٍ ثقافيةٍ وفكريةٍ متعددة، وأسهمتْ
في ترسيخِ فكرةِ أن الصحافةَ الرقميةَ ليستْ بديلًا مؤقتًا عن الصحافةِ الورقية، بل
تحوّلٌ تاريخيٌّ عميقٌ في طريقةِ إنتاجِ الخبرِ والرأيِ والثقافة.
لقد تعلّمتُ من الصحافةِ
الرقميةِ شيئًا مهمًّا: أن الكاتبَ لم يعدْ مالكَ الحقيقةِ الوحيدة، وأن النصَّ لم
يعدْ كيانًا مغلقًا يُلقى من أعلى إلى أسفل. صار القارئُ شريكًا في صناعةِ المعنى،
وصارتِ التعليقاتُ والمشاركاتُ وردودُ الفعلِ جزءًا من حياةِ المقالِ نفسها. أحيانًا
كنتُ أستيقظُ صباحًا لأجدَ أن نصًّا كتبتهُ في الليلِ تحوّلَ إلى نقاشٍ مفتوحٍ بين
قرّاءٍ من بلدانٍ عربيةٍ مختلفة، يحملُ كلُّ واحدٍ منهم ذاكرةً وتجربةً ورؤيةً للعالم.
لكنّ هذا التحوّلَ
لم يكنْ دائمًا جميلًا أو بريئًا. فالصحافةُ الرقميةُ العربيةُ حملتْ معها أيضًا فوضى
غيرَ مسبوقة. لقد صارَ كلُّ شخصٍ قادرًا على أن يتحوّلَ إلى ناشرٍ ومحلّلٍ وصاحبِ رأي.
اختلطَ الخبرُ بالإشاعة، والتحليلُ بالصراخ، والمعرفةُ بالاستعراض. ومع صعودِ مواقعِ
التواصلِ الاجتماعيِّ، بدأتِ الكتابةُ تفقدُ أحيانًا عمقَها لصالحِ السرعةِ والانتشارِ
وعددِ النقرات.
كنتُ أشعرُ أحيانًا
أن المقالَ الجادَّ صارَ يركضُ وسطَ سوقٍ صاخبةٍ مليئةٍ بالضجيجِ الرقميِّ، وأن الكاتبَ
الحقيقيَّ أصبحَ مطالبًا بأن يقاتلَ يوميًا من أجلِ حمايةِ لغتهِ وفكرهِ من التفاهةِ
الزاحفة. ومع ذلك، لم أفقدْ إيماني بهذا الفضاءِ الجديد. فما تزالُ الصحافةُ الرقميةُ
تمنحُ الكاتبَ العربيَّ حريةً لم تكنْ متاحةً من قبل، وما يزالُ النصُّ الجيدُ قادرًا
على أن يجدَ قارئَهُ وسطَ هذا الركامِ الإلكترونيِّ الهائل.
لقد غيّرتِ الصحافةُ
الرقميةُ أيضًا علاقتي الشخصيةَ بالكتابة. لم أعدْ أكتبُ فقط من أجلِ النشر، بل صرتُ
أكتبُ لكي أقاومَ النسيانَ الرقميَّ نفسه. ففي هذا العصرِ الذي تتحوّلُ فيهِ الأخبارُ
إلى شظايا عابرةٍ تختفي بسرعةِ ظهورها، صارَ الكاتبُ مطالبًا بأن يتركَ أثرًا إنسانيًّا
وفكريًّا داخلَ هذا التدفّقِ الهائلِ للمحتوى.
وأعتقدُ أن التجاربَ
الرقميةَ العربيةَ الرائدةَ، وفي مقدمتها إيلاف، لم تكنْ مهمّتُها فقط نقلَ الأخبارِ
أو نشرَ المقالات، بل المساهمةَ في إعادةِ تشكيلِ الوعيِ العربيِّ الحديث. لقد ساهمتْ
هذهِ المنصّاتُ في فتحِ نوافذَ جديدةٍ للنقاشِ الحرِّ، وفي تقريبِ المسافاتِ بين المثقفينَ
والقرّاءِ، وفي كسرِ احتكارِ المعلومةِ والرأي.
واليوم، بعدَ مرورِ
خمسةٍ وعشرينَ عامًا على انطلاقِ إيلاف، يبدو واضحًا أن هذهِ التجربةَ لم تكنْ حدثًا
إعلاميًّا عابرًا، بل جزءًا من التحوّلِ العميقِ الذي عرفتهُ الثقافةُ العربيةُ في
العصرِ الرقميِّ. لقد نجحتْ في أن تحافظَ على حضورِها داخلَ مشهدٍ إعلاميٍّ عربيٍّ
شديدِ التقلبِ، وأن تواصلَ دورَها بوصفها منبرًا للرأيِ والثقافةِ والتحليلِ والحوار.
أشعرُ أنني لم أكنْ
مجرّدَ متابعٍ لهذا التحوّل، بل كنتُ واحدًا من شهودهِ الصامتين. رأيتُ كيفَ انتقلتِ
الكتابةُ العربيةُ من الورقِ الثقيلِ إلى الشاشةِ الخفيفة، وكيفَ صارَ المقالُ يعيشُ
داخلَ الهواتفِ الصغيرةِ بدلَ أرشيفاتِ المكتبات، وكيفَ أصبحَ الكاتبُ العربيُّ يكتبُ
وهو يعرفُ أن قارئَهُ قد يكونُ في أيِّ مكانٍ من هذا العالم.
ومع كلِّ هذا التحوّلِ
التقنيِّ الهائل، ما أزالُ أؤمنُ أن جوهرَ الكتابةِ لم يتغيّر. فالنصُّ الحقيقيُّ يبقى
دائمًا ذلكَ الذي يتركُ أثرًا داخليًّا في الإنسان، سواءٌ كُتبَ بالحبرِ فوقَ الورق،
أو ظهرَ مضيئًا فوقَ شاشةٍ باردة. إنّ التكنولوجياَ تغيّرُ شكلَ المنبر، لكنها لا تستطيعُ
أن تصنعَ وحدها روحَ الكاتب.
لهذا، أرى أن الاحتفاءَ
بمرورِ ربعِ قرنٍ على تجربةِ إيلاف ليس احتفاءً بموقعٍ إلكترونيٍّ فقط، بل احتفاءٌ
بمرحلةٍ كاملةٍ من تحوّلاتِ الثقافةِ العربيةِ والإعلامِ العربيِّ والكتابةِ العربيةِ
الحديثة. إنها شهادةٌ على زمنٍ عربيٍّ جديدٍ خرجتْ فيهِ الكلماتُ من عزلتها الورقية،
وبدأتْ تبحثُ عن قارئها في الفضاءِ الرقميِّ المفتوح.








0 التعليقات:
إرسال تعليق