في كلِّ مرَّةٍ أتابعُ فيها أخبارَ الصحفيين المعتقلين في الجزائر، أشعرُ أنَّ السلطةَ هناك لا تُحاكمُ أفرادًا بقدرِ ما تُحاكمُ الكلمةَ الحرَّةَ نفسها. لم يَعُدِ الأمرُ يتعلَّقُ بخلافٍ سياسيٍّ أو نقدٍ إعلاميٍّ عابر، بل أصبح جزءًا من سياسةٍ ممنهجةٍ تقومُ على ترهيبِ كلِّ صوتٍ يرفضُ الاصطفافَ داخلَ جوقةِ التهليلِ الرسميَّة. وأكثرُ ما يُثيرُ الغضبَ أنَّ بعضَ الذين يملؤونَ الشاشاتِ بالحديثِ عن «أخلاقيَّاتِ المهنة» و«شرفِ الصحافة» يصمتونَ صمتَ القبورِ عندما يتعلَّقُ الأمرُ بصحفيٍّ حقيقيٍّ يدفعُ ثمنَ مواقفِهِ خلفَ القضبان.
قضيَّةُ الصحفيِّ الجزائريِّ عبد الوكيل بلام تكشفُ هذا التناقضَ الفاضح. فمنذُ أشهرٍ طويلةٍ، والرجلُ يقبعُ في السجنِ من دونِ محاكمةٍ عادلة، بينما يواصلُ إعلامُ السلطةِ توزيعَ دروسِ الوطنيَّةِ والاحترافِ المهنيِّ على الآخرين. أتابعُ هذا المشهدَ بكثيرٍ من المرارة، لأنَّني أعرفُ جيِّدًا أنَّ الصحافةَ الحقيقيَّةَ لا تُقاسُ بعددِ الظهورِ التلفزيونيِّ، بل بقدرةِ الصحفيِّ على قولِ الحقيقةِ حين يصبحُ ثمنُها السجنَ والتشهيرَ والتهديد.
السلطاتُ الجزائريَّةُ لم تكتفِ باعتقالِ الرجل، بل أغرقتْهُ بسلسلةٍ من التُّهَمِ الثقيلةِ الجاهزةِ للاستعمالِ السياسيِّ: «الإرهاب»، و«المساسُ بوحدةِ الترابِ الوطنيِّ»، و«نشرُ أخبارٍ كاذبة»، و«الإخلالُ بالنظامِ العامِّ». وهي التُّهَمُ نفسها التي تحوَّلتْ في الجزائرِ إلى سلاحٍ لإسكاتِ المعارضينَ والصحفيينَ والنشطاء. حين تصبحُ تهمةُ الإرهابِ مطَّاطةً إلى هذا الحدِّ، فإنَّ الرسالةَ واضحةٌ: أيُّ رأيٍ مستقلٍّ يمكنُ أن يتحوَّلَ بينَ ليلةٍ وضحاها إلى ملفٍّ أمنيٍّ.
ما يُثيرُ الانتباهَ أيضًا هو حالةُ الخوفِ التي أصبحتْ تطبعُ تعاملَ السلطةِ مع المحاكماتِ السياسيَّة. ففي الجلسةِ الأخيرةِ التي كان من المفترضِ أن يمثلَ فيها عبدُ الوكيلِ بلام أمامَ المحكمة، جرى التأجيلُ في ظروفٍ غامضة، مع إدخالِ «الخزينةِ العموميَّة» طرفًا مدنيًّا في القضيَّة، في خطوةٍ بدتْ للكثيرينَ محاولةً لإضفاءِ طابعٍ ماليٍّ وإداريٍّ على ملفٍّ سياسيٍّ بامتياز. بدا واضحًا أنَّ السلطةَ لا تريدُ محاكمةً علنيَّةً قد تتحوَّلُ إلى منصَّةٍ يكشفُ فيها الصحفيُّ المعتقلُ هشاشةَ الروايةِ الرسميَّة.
أعرفُ أنَّ كثيرينَ داخلَ الجزائرِ يشعرونَ بالغضبِ نفسه، لكنَّهم يخافونَ الكلام. هناك صحفيونَ شرفاءُ بالفعل، لكنَّهم محاصرونَ داخلَ منظومةٍ إعلاميَّةٍ تقومُ على التخويفِ والرقابةِ والابتزاز. أمَّا أولئكَ الذين يهاجمونَ المعتقلينَ ويزايدونَ في الوطنيَّة، فهم يدركونَ جيِّدًا أنَّ بقاءَهم مرتبطٌ بالصمتِ والطاعةِ أكثرَ من ارتباطِهِ بالمهنيةِ أو الكفاءة.
لقد كان عبدُ الوكيلِ بلام من الأصواتِ التي برزتْ في الحراكِ الجزائريِّ، كما ارتبطَ اسمُهُ بحركةِ «بركات» التي رفضتِ العهدةَ الرابعةَ للرئيسِ الراحلِ عبد العزيز بوتفليقة. ومنذُ تلك اللحظة، بدا أنَّ النظامَ وضعَهُ ضمنَ قائمةِ الأصواتِ المزعجةِ التي يجبُ إسكاتُها. وما يحدثُ لهُ اليومَ ليس حالةً معزولة، بل امتدادٌ لمسارٍ طويلٍ من التضييقِ طالَ صحفيينَ ونشطاءَ ومعارضينَ كُثُرًا.
حين أتابعُ هذه الملفَّات، أتذكَّرُ دائمًا أنَّ الأنظمةَ الضعيفةَ هي الأكثرُ خوفًا من الكلمة. فالسلطةُ الواثقةُ من نفسها لا ترتعبُ من صحفيٍّ أو مدوِّنٍ أو ناشطٍ سياسيٍّ. أمَّا حين تتحوَّلُ المقالةُ أو الفيديو أو التصريحُ إلى خطرٍ أمنيٍّ، فهذا يعني أنَّ النظامَ يعيشُ أزمةَ ثقةٍ عميقةً مع شعبِهِ.
المؤلمُ في المشهدِ الجزائريِّ أنَّ السلطةَ لا تكتفي بسجنِ المعارضين، بل تسعى أيضًا إلى عزلِهم أخلاقيًّا وإعلاميًّا، عبرَ حملاتِ تشويهٍ وتخوينٍ منظَّمة. ومع ذلك، يبقى الصوتُ الحرُّ أقوى من كلِّ الجدران، لأنَّ التاريخَ أثبتَ دائمًا أنَّ السجونَ قد تؤخِّرُ الكلمةَ لكنَّها لا تقتلُها.
إنَّ الدفاعَ عن حرِّيَّةِ الصحافةِ في الجزائرِ اليومَ ليس شأنًا جزائريًّا داخليًّا فقط، بل قضيَّةٌ تخصُّ كلَّ مَن يؤمنُ بأنَّ الكلمةَ الحرَّةَ هي آخرُ ما تبقَّى في وجهِ الاستبداد. لذلك فإنَّ استمرارَ اعتقالِ الصحفيينَ ومعتقلي الرأي، وتأجيلَ محاكماتِهم، واستعمالَ القضاءِ لتصفيةِ الحساباتِ السياسيَّة، يمثِّلُ إدانةً واضحةً لواقعِ الحريَّاتِ داخلَ الجزائر.
أكتبُ هذا وأنا مقتنعٌ بأنَّ الصحفيَّ الحقيقيَّ لا يُقاسُ بقربِهِ من السلطة، بل بمسافةِ حرِّيَّتِهِ عنها. أمَّا الذين يهاجمونَ المعتقلينَ ويصمتونَ عن الظلم، فلن يتذكَّرَهم أحدٌ حين تنطفئُ أضواءُ الاستوديوهات، بينما سيظلُّ اسمُ كلِّ صحفيٍّ دفعَ حرِّيَّتَهُ ثمنًا لموقفِهِ محفورًا في ذاكرةِ الشعوب.








0 التعليقات:
إرسال تعليق