الفصل الثامن: الخلافات والانشقاقات داخل الحزب
لم يكن أحد يتوقع أن أكثر اللحظات قسوة في مساره النضالي لن تأتي من قبضة السلطة وحدها، بل من ارتعاشات الداخل، من تلك التشققات في المواقف التي بدأت تتسلل إلى جسد اليسار المغربي كما يتسلل الصدأ إلى معدنٍ كان يُظَنُّ أنه لا يصدأ،
ففي أواخر السبعينات، بعد موجات الاعتقالات التي اجتاحت صفوف المناضلين، وبعد أن انكسرت بعض الرؤوس المعارضة الصلبة تحت التعذيب أو المنفى أو التعب الطويل، لم يعد الصراع فقط بين الدولة والمعارضة، بل أصبح صراعًا داخل المعارضة نفسها، بين رفاق الأمس الذين صاروا فجأة غرباء في اللغة، مختلفين في الرؤية، متنازعين في تعريف الثورة، بل وحتى في معنى الوطن ذاته.لقد
كانت التنظيمات الماركسية اللينينية مثل منظمة" 23 مارس "و"منظمة
إلى الأمام" و"لنخدم الشعب" قد ظهرت في مطلع السبعينات بوصفها تعبيرًا عن
قطيعة فكرية وسياسية مع الأحزاب التقليدية، حاملةً مشروعًا ثوريًا يطمح إلى قلب
النظام وبناء مجتمع اشتراكي جذري، لكنها سرعان ما وجدت نفسها، بعد الضربات الأمنية
الشرسة والقاسية، أمام أسئلة وجودية عميقة تتعلق بوصفة الاستمرار، بالخط السياسي،
وبالعلاقة مع الجماهير، وهي أسئلة لم تكن لها إجابات واحدة بل تعددت فيها القراءات
حتى تحولت إلى شروخ ثم إلى انشقاقات.







0 التعليقات:
إرسال تعليق