الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، مايو 13، 2026

المَغْرِبُ يُرَاكِمُ المكتسبات نَحْوَ نَمُوذَجٍ تَنْمَوِيٍّ أَكْثَرَ ثِقَةً وَاسْتِقْرَارًا: عبده حقي

 


بدا المغرب وكأنه يواصل تثبيت صورته كدولة تراهن على الاستقرار السياسي والانفتاح الاقتصادي والإصلاح الاجتماعي في منطقة إقليمية تعيش على إيقاع التوترات والاضطرابات. فمن الرباط إلى الدار البيضاء وطنجة والعيون، توالت المؤشرات التي تعكس دينامية متنامية في مجالات الاستثمار والبنيات التحتية والحوار الاجتماعي والتحول الرقمي، في وقت تسعى فيه المملكة إلى تعزيز موقعها كشريك موثوق بالنسبة لأوروبا وإفريقيا والعالم العربي.

في المجال السياسي، برزت خلال الأيام الأخيرة إشادات دولية باستمرار المغرب في نهج سياسة الإصلاح التدريجي والاستقرار المؤسساتي. وقد أشارت تقارير تحليلية دولية إلى أن المملكة استطاعت الحفاظ على توازنها السياسي رغم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية العالمية، مستفيدة من نموذج يقوم على التدرج والإصلاح المؤسساتي بدل الصدامات الحادة. وتحدث تقرير صادر عن مركز بحثي دولي حول “إعادة الاصطفاف الاستراتيجي الخليجي المغاربي” عن تنامي مكانة المغرب كشريك إقليمي في مجالات الأمن والاستثمار والطاقة والبنيات اللوجستية، معتبراً أن العلاقات المغربية الخليجية أصبحت قائمة على “التعاون البراغماتي” والمشاريع الاستراتيجية بعيدة المدى.

وفي السياق نفسه، واصلت الحكومة المغربية الترويج لما تسميه “الأوراش الاستراتيجية الكبرى”، خصوصاً المرتبطة بالاستثمار والطاقة المتجددة والتحول الرقمي. وأكد تقرير نشره موقع Morocco World News أن الحكومة المغربية تتوقع نمواً اقتصادياً قوياً خلال السنوات المقبلة، مع معدل نمو قد يصل إلى أكثر من 4 في المائة بفضل توسيع القاعدة الإنتاجية واستمرار المشاريع الكبرى.

ويبدو أن المغرب يراهن بقوة على الاستثمار كرافعة أساسية للاستقرار الاجتماعي. ففي الأسبوع الماضي، عاد الحديث مجدداً عن الدور الذي يلعبه Fonds Mohammed VI pour l'investissement في دعم المشاريع الإنتاجية الكبرى وجذب الرساميل الأجنبية. وتشير التقارير الاقتصادية إلى أن هذا الصندوق أصبح أحد أهم أدوات الدولة المغربية لتحفيز الاستثمار الخاص وتمويل القطاعات الاستراتيجية مثل الصناعة والطاقة والبنيات التحتية والتكنولوجيا.

كما سلطت تقارير اقتصادية الضوء على استمرار اهتمام المؤسسات الدولية بمستقبل الاقتصاد المغربي. فقد أكدت مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي أن المغرب يمتلك القدرة على خلق نحو 1.7 مليون منصب شغل إضافي بحلول سنة 2035 إذا واصل إصلاحاته الاقتصادية وتعزيز الاستثمار الخاص. وأشادت المؤسسة بموقع المغرب الجغرافي وبنياته الصناعية واللوجستية، معتبرة أن المملكة تملك مؤهلات للتحول إلى منصة اقتصادية تربط أوروبا بإفريقيا.

وفي المجال الاجتماعي، برز خلال الأسبوع الماضي استمرار الحوار الاجتماعي بين الحكومة والنقابات، خاصة حول الزيادة في الأجور وإصلاح أنظمة الحماية الاجتماعية والتقاعد. وأكدت تقارير إعلامية أن جولات الحوار الأخيرة ركزت على تحسين القدرة الشرائية للمواطنين وتوسيع الاستفادة من التغطية الصحية الإجبارية والتعويضات الاجتماعية.

ويُعتبر مشروع الحماية الاجتماعية الشاملة واحداً من أكبر الأوراش الاجتماعية التي يراهن عليها المغرب خلال السنوات الأخيرة. فالحكومة تسعى إلى تعميم التغطية الصحية والدعم الاجتماعي المباشر لفئات واسعة من المواطنين، خصوصاً الأسر الفقيرة والهشة. كما تشير المعطيات الرسمية إلى ارتفاع مخصصات التعليم والصحة في ميزانية 2026، وهو ما يعكس توجهاً نحو تعزيز “الدولة الاجتماعية” داخل النموذج المغربي الجديد.

وفي جانب آخر، يواصل المغرب تعزيز حضوره في مجال التحول الرقمي والإدارة الإلكترونية. فقد أبرزت تقارير مرتبطة بوزارة الانتقال الرقمي أن المملكة تسعى إلى تحديث الإدارة العمومية وتطوير الخدمات الرقمية وتوسيع استعمال التكنولوجيا الحديثة في القطاعات الحكومية. كما يروج المغرب لنفسه كقطب رقمي إفريقي قادر على استقطاب الاستثمارات التكنولوجية والشركات الناشئة.

ولا يخلو المشهد المغربي من تحديات اجتماعية واقتصادية حقيقية، غير أن ما يلفت الانتباه هو قدرة الدولة على امتصاص التوترات عبر فتح قنوات الحوار وإطلاق إصلاحات تدريجية. فقد شهدت المملكة خلال سنة 2025 احتجاجات شبابية واسعة مرتبطة بالتعليم والصحة والبطالة، لكن السلطات اختارت، وفق تقارير دولية، الجمع بين الحفاظ على الأمن والإعلان عن إصلاحات اجتماعية جديدة موجهة للشباب وتحسين الخدمات العمومية.

وفي ملف حقوق المرأة والأسرة، عاد النقاش مجدداً حول إصلاح مدونة الأسرة المغربية “مدونة الأحوال الشخصية”، في إطار توجه يهدف إلى تعزيز حقوق النساء وتحقيق توازن أكبر داخل الأسرة المغربية. وتُعتبر هذه الإصلاحات امتداداً لمسار طويل من التحديث القانوني والاجتماعي الذي بدأ منذ سنوات داخل المملكة.

اقتصادياً، واصل المغرب خلال الأسبوع الماضي تعزيز صورته كوجهة استثمارية مستقرة مقارنة بعدد من دول المنطقة. وتؤكد تقارير اقتصادية دولية أن المملكة استفادت من استثمارات أجنبية متزايدة في قطاعات الصناعة والسياحة والطاقة والعقار، خصوصاً بفضل الاستقرار السياسي والبنية التحتية الحديثة والموقع الجغرافي القريب من أوروبا.

كما برزت إشارات إيجابية مرتبطة بالقطاع المالي المغربي، خاصة بعد تنظيم فعاليات اقتصادية لتقديم فرص الاستثمار والأسواق المالية المغربية أمام المستثمرين الدوليين. وقد استعمل المغرب تظاهرات مالية دولية لتسويق صورته كاقتصاد إفريقي صاعد يمتلك مؤسسات مالية مستقرة ورؤية اقتصادية بعيدة المدى.

وفي المجال التنموي، تواصل المؤسسات الدستورية المغربية لعب أدوار استشارية في رسم السياسات العمومية. ويبرز هنا دور Economic, Social and Environmental Council الذي يشتغل على إعداد الدراسات والتوصيات المرتبطة بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، في محاولة لإرساء نموذج تنموي أكثر توازناً واستدامة.

ومن الواضح أن المغرب يحاول خلال هذه المرحلة تقديم نفسه كنموذج للاستقرار والإصلاح التدريجي داخل فضاء إقليمي مضطرب. فبينما تعاني عدة دول من الانقسامات السياسية أو الأزمات الاقتصادية أو الانهيارات الأمنية، تواصل المملكة الرهان على التحديث الاقتصادي والانفتاح الدبلوماسي وتعزيز البنيات التحتية الكبرى.

لقد أظهرت أخبار الأسبوع الماضي أن المغرب لا يتحرك فقط بمنطق تدبير الأزمات الآنية، بل بمنطق بناء صورة دولة تراهن على المستقبل، سواء عبر الاستثمار في الطاقة الخضراء، أو في الرقمنة، أو في الحماية الاجتماعية، أو في البنيات التحتية المرتبطة بمونديال 2030. وربما تكمن قوة التجربة المغربية الحالية في هذا المزج بين الواقعية السياسية والطموح التنموي، حيث لا تدعي المملكة أنها خالية من المشاكل، لكنها تحاول تحويل التحديات إلى أوراش إصلاح مفتوحة على المستقبل.


0 التعليقات: